ديناميكية الأسطورة الحضرية فى مسرحية الفناء

د. رضا عبد الرحيم

تُعرف الشائعة على أنها افتراض يرتبط بالأحداث القائمة يُراد أن يصبح موضع تصديق العامة، بحيث يتم ترويجه من شخص إلى آخر مشافهة فى العادة، ومن دون أن تتوفر أدلة ملموسة تسمح بإثبات صحته.

إن كلمة شائعة تستحضر بالنسبة إلى العامة ظاهرة غامضة وشبه سحرية يعكسها تحليل المفردات الرائجة، فالشائعة تطير وتزحف وتتعرج وتعدو، وهذا ما يجعلها على المستوى المادى أشبه بحيوان مباغت وسريع الحركة، يتعذر أسره ولا ينتمى إلى أي فصيلة معروفة. أما تأثيرها في البشر، فأشبه بالتنويم المغناطيسى، وخصوصا أنها تبهر وتغوى وتسحر الألباب وتلهب الحماس. (جان- نويل كابفرير، الشائعات الوسيلة الإعلامية الأقدم فى العالم).

وهناك أربعة أمثلة على الشائعات(الأساطير الحضرية ) لاقت انتشارا واسعا داخل العمل المسرحى ” الفناء”

للكاتب اليابانى ” شيرو مايدا”، وفى كل مرة يتكرر المسار نفسه: شائعة لا تُعرف هُوية مطلقها، تبدأ بالتنامى فالانتشار،  فتصبح بأهميتها محور اهتمام عام،  وتبلغ الذروة مع نهاية العرض بوجود سبع عشرة جثة متناثرة على المسرح : كيسكيه ينظر حوله. ويكون هناك (17) جثة مُتناثرة على المسرح. الجثث بأشكالها المختلفة وألوان الملابس المتعددة. ص 148

ولا بد من الإشارة إلى أن الشائعات الأربعة المذكورة فى العمل مختلفة ولكنها مرتبطة كليا: فالشائعة الأولى شائعة حادث القطار، هى حقيقة لم تنشأ من فراغ، ولعلها تشير إلى حادث قطار أماغاساكى، الذى وقع فى 25 أبريل 2005، وهو أسوأ حادث قطار فى اليابان منذ عدة عقود، حيث انحرف قطار ركاب واصطدم بمبنى سكنى، وأسفر الحادث عن مقتل نحو 107 شخصا(بمن فيهم السائق) وإصابة أكثر من 450 آخرين بجروح. أما الشائعة الثانية والثالثة والرابعة فما من دليل يؤكدها أو ينفيها، ويبقى الشك قائما حيالها.

ونستعرض هنا الشائعات الأربع بترتيب ورودها  داخل سياق العمل :

شائعة حادث القطار:

أندوريه: هناك حدث جلل، هل سمعتم عنه؟

إيكو: ماذا؟

إيتارى: آآآه، الحادثة.

أندورية: نعم نعم، سمعتم عنها؟

إيتارى: نعم، منذ قليل على هاتف إيكو

أندوريه:إنه حادث كبير، شاهدته منذ قليل عبر أنترنت المكتبة، يبدو أن هناك عددا كبيرا من الوفيات.

إيكو : هييه حقا وفيات، فى أى حادثة؟

أندورية؟خط اليابان للسكك الحديدية

نانا: آآحقا؟! ص 25

نقرأ  أيضا:

ياما: شاهدت اليوم حادث القطار بأم عينى، وشعرت بالسوء.

ماتشى: حقا؟

ياما: لماذا أكذب؟!  ص 90

شائعة تعطل المصعد :

ماتشى” هل صعدت بالمصعد؟ بمستشفى الجامعة؟

كاتسؤو: لا أستطيع الصعود به، فمهما ضغطت على مفتاح المصعد لا يأتى؛ لذا يبدو كما تقول روايات الأساطير الحضرية : إنع لا يعمل إلا أثناء الساعة الثانية صباحا.

ماتشى: إذن، هى ليست مجرد شائعات.

كاتسؤو: لا أعرف على وجه التحديد، لكنه كان أحساسا غريبا، حتى المرضى بالمستشفى كان يتحدث البعض منهم عن هذا الأمر بغرفة التدخين، تقريبا الكل يعلم بهذا الأمر.ص54، 55

شائعة الطابق الثالث تحت الأرض:

ماتشى: هل تعلم إن بمستشفى جامعة” كو” دورين فقظ تحت الأرض.

نايتو: آآآ، إشاعة الطابق الثالث تحت الأرض.

ماتشى: نعم.

نايتو: نعم، هذه الإشاعة منتشرة.

ماتشى: هل هى كذب؟

نايتو: أعمل بالمستشفى منذ فترة طويلة، لكنى لم أذهب إلى الطابق الثالث من قبل.

ماتشى: إذا هو موجود؟

نايتو: اعتقد ذلك، يوجد دور ثالث تحت الأرض ص 118، 119.

شائعة انتشار الفيروس السرى:

وهى مرتبطة بنظرية التجارب على البشر

نانا: أكثر رواية صدقا، وأقرب للأساطير الحضرية، هى رواية التجارب التى تجرى على البشر بالقبو(الدور الثالث تحت الأرض) تجارب الفيروس السرى لأغراض عسكرية، يقولون: إن أمريكا هى من وراء ذلك الأمر، حيث إنهم لا يستطيعون القيام بمثل تلك التجارب ببلادهم، فيقومون بها باقليم باليابان.ص 57، 58

ماتشى: هنالك تلك الإشاعة التى تقول: إنهم يصنعون فيروسا للاستخدام العسكرى فى بدروم مستشفى الجامعة.

ماتشى: يقولون إن الجيش الأمريكى يصنع هناك فيروسات.

نايتو: الجيش الأمريكى؟

ماتشى: لا أعرف لكن هناك خُرافة حضرية، أو إشاعة تقول ذلك.

نايتو: ها ! لم أكن أعلم بذلك، لكنى سمعت أنهم يُجرون تجارب للخلود بالقبو، وسمعت أن مدير المستشفى عاد للحياة ثلاث مرات. ص 118

ولست هنا بصدد تفكيك المصطلحات أو المفاضلة بين مفاهيم الشائعة، والإشاعة، والخرافة، أو حتى الأساطير الحضرية، وتتبع سياقات نشأتها وتطورها ؛ فذلك مبحث أصيل يتركه الأدب لعلماء الاجتماع. إن ما يعنينا هنا هو تلك المفارقة؛ فعلى الرغم من أن فكرة فناء البشرية ضاربة بجذورها فى سحيق التاريخ الإنسانى وليست من الهواجس المعاصرة، فإننا نجد المؤلف قد انسلخ  من عباءة الماضى ليقدم لنا عملا استشراقيا بأمتياز، لتجسيد واقعا ملموسا بعد صدوره باثنى عشر عاما مع التفشى العالمى لفيروس كورونا عام 2019.

ومن العجيب دقة وصفه لأعراض الفيروس: سعال شديد، نفس متسارع، حشرجه ( صعوبة التنفس)  تشنج جسدى، آلام بالمعدة، فقد البصر، بل الوقوف على مصدره: التجارب التى تجريها أمريكا على البشر خارج أراضيها(فى الصين).

وكأننا بعد قراءة العمل أو مشاهدته نسترجع أياما قريبة عشناها بالفعل:

ساكانا: ماذا؟! وهذا السبب فيما يحدث؟

ماتشى: لا أعرف، لكن هى الأساطير الحضرية أو الإشاعات. ياماسان يلحظ كاتسؤو الذى مات. ويُشير إليه بإصبعه.

ساكانا: إنه فيروس كما اعتقدت، وإذا كان الأمر كذلك فنحن فى خطر.

ماتشى: لا أدرى.

ياما: إذا كنا فى خطر فماذا نفعل؟ ماذا يجب علينا فعله؟ ص  92،93

أما عن كيفية تعاملنا مع الفيروس : الرفض والتعلق بالحياة :

ماكى: تقزل: إننا جميعا سنموت.

كوايتشى: لا يمكن، فها نحن ما زلنا على قيد الحياة.

ماكى:….

كوايتشى: بالتأكيد ستأتى الشرطة قريبا، أو الدفاع الذاتى لإنقاذنا.

ماكى: ولماذا لا يأتون الآن؟

كوايتشى : ها؟ قد يكونون يقومون الآن ببعض التجهيزات أليس كذلك؟

ماكى: أى تجهيزات؟

كوايتشى: ها ! فى أسوء الأحوال سيأتى الأمريكان لإنقاذنا.ص 133،134

 الخوف من الموت إلى حد التفلسف:

ساكانا: إذا فنى البشر، فستكون الكرة الأرضية أجمل.ص 139

وبناء على ما تكشف لىً من استقراء لأبعاد النص، فقد نجح المؤلف شيروا مايدا فى مسرحيته الفناء فى بناء درامى مغاير، اتخذ من الشائعة مادة أولية لصناعة الحدث الدرامي، ولم تكن الأساطير الحضرية داخل العمل مجرد حكايات هامشية، بل تجسدت ككائن حى مباغت يتعذر أسره- كما يصفه كابفرير فى كتابه- يمتلك القدرة على غزو وعى الشخوص وتنويمهم مغناطيسيا. وتفتح هذه القراءة الباب لإعادة تأمل المسرح اليابانى المعاصر وقدرته على توظيف الهواجس اليومية الحديثة فى قوالب عبثية تضع المشاهد فى مواجهة مباشرة مع  فنائه الفكري والمادي..

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع