د. سيد محمد السيد*
يختار الشَّاعر أحمد الشهاوي الفضاء العلوي أفقا لكثير من مفردات معجمه الشعري لتكوين القصيدة من لغة استعارية تفتح للكلمات مجالا دلاليا تكتسب فيه السمات التكوينية لدال الطير، فتصبح محلقة في مواجهة عالم حافل باجترار تعبيرات تداولية إعلامية محدودة شائعة من حقل السوق الاقتصادية الاحتياجية المكرّسة لواقعٍ مفارق لما يسعى إليه الحلم، إن معجم السوق العالمية لا يفي باحتياج الذات لوجود إبداعي خاص يساعد في محو الصورة الشائهة لإنسانيتنا المستهلكة.
إن معجم أحمد الشهاوي المستثمر لدوال الفضاء العلوي يستعين بمفردات الطيور والسماء والشمس والنجوم لتكثيف روح الشعر الرافض للتدني والاستخدام المهين للكرامة الإبداعية، إن درس الشعرية عند الشهاوي هو ارتفاع بأسلوبية الأداء الإبداعي التي تعني ترسيخ قيمة الوجود الصادق للبشرية المنطلقة باستلهام طاقتها الروحية لإنجاز صورتها الصافية الجديرة بالبقاء في كتاب الحضارة، لذلك يتجاوز الاختيار الأسلوبي في قصيدة الشهاوي التعبير عن الروح الفردية ليتغلغل في مكونات الهوية المحلية والعالمية منطلقا بصوت الإنسان العميق الساكن فينا ناطقا بقصة الإنسانية في رحلة السعي لإنجاز مشروعها الحقيقي مع كل ما تعانيه من صعوبات في دراما التشكّل، وهذا ما يمنح صوته مجالا إقليميا في أفق العالمية.
إن صوت المبدع المحقق لوجود القصيدة يتجه إلى مؤنث، يشرق – بدال الشمس – على إنسانية كونية ثرية مانحة، مع كل ما تتعرض له تلك الإنسانية من انتهاك الزائفين لها، هذه هي الصيغة المفضّلة عند أحمد الشهاوي الذي تقصد شعريته تكوينا جماليا لهوية مؤنثة يفهمها الشاعر العاشق، والابن الأبدي المدرك لجوهر تلك الأم الخالدة التي تصاحب البشرية طوال الرحلة، وتستقبل أصوات الرعاة الصادقين القادرين على تعويضها عما يصيبها من تشوّهات ألمّت بها في تعاقب التجارب المضنية لها، الشاعر عند الشهاوي هو حورس الصقر الحامي لأمه بكل ما تمتلك من خصوبة تتغذى بها متواليات الأجيال، صيغة المؤنث التي ينطق بها الملفوظ الشعري للشهاوي تهدي المتكلم طفولة أبدية نقية ببراءتها المغامرة التي لا تغترف من تقليد ولا تكف عن اللعب بنشوة ترصد صورتها في مرآة أمومتنا، تلك المرآة التي نصنعها بالكلمات لنبحث عن هويتنا فيها.
وفي مغامرة بحث الشاعر عن هويته الإبداعية يتعامل مع اللغة بوصفها الشمس المضيئة لمفهوم حضارته وإنسانيته، ويستخلص من مساحات الإنارة مفهوم الاستنارة الذي يمكن تحديد مجاله الدلالي بأنه إبداع الذات بما يسمح للفكر الحر الذي يجول في آفاق المعاني البعيدة أن يجد سبيلا تعبيريا يسكن في الأداء التواصلي الواضح الذي تستطيع خبرة القراء في السياق الثقافي أن تتلقاه بوضوح وسلاسة من دون إغراق أو إغراب أو تعمية، هذا الأسلوب يتطلب مهارة في فنون التبيين، وفهما للذوق البلاغي، ووعيا بسقف الأفكار وما فيها من حمولة دلالية، ويستخدم أحمد الشهاوي تعبير “فك الخط” لعملية التبيين وتسكين المفاهيم والأحوال في اللغة، وهذه العملية تتحرك “ببطء” أي بحسن إدارة لملكة الإبداع وأدواته، بين “الشَّطح” أي المعاني المتعالية التي تحار فيها الأفهام، و”السَّطح” أي المقبولية النصية للأسلوب ومحتواه الدلالي المحتمل في سياق التلقي، إن الاختيار ألأسلوبي لأحمد الشهاوي يمزج بين الموسيقية والمفاهيم الفكرية بفهم خاص للبنية الصوتية وعلاقاتها بالمعجم والدلالة، فالمشترك الصوتي بين الألفاظ له وظيفة في توصيل دوائر المعاني، إن البنية الصوتية الثنائية (طح) لها وجود آخر في (حط) وهذه الكلمة تدل على موقع استقبال الطائر، إن صوتي الشين في (الشطح) والسين في (السطح) يمكن أن يسكنا المحل نفسه، المحل الذي يشغله الطائر القادم من القمم الباسقة في الغابات النائية، والطائر العابر من قريب، والطائر رمز للمبدع الملهم المحلق بين المعاني والرموز، وهو رمز متداول في السياقات الإبداعية للتاريخ الثقافي، يكتشف الشهاوي علاقة صوت معجمية بين البعيد والقريب، الغرائبي والتقليدي، يجد لها رمزية في كلمتي (الشطح) و(السطح) فتقيم الكلمتان مساحة ممتدة بين طرفين متضادين يمكن أن تؤدي العلاقة بينهما إلى المنافرة إذا لم يحدث المزج بينهما بدرجة عالية من اللطف والدقة، صوت السين أقرب إلى المتلقي، وصوت الشين أكثر عمقا في المخارج، وصوت السين بلا نقاط، بلا زيادات، وصوت الشين يزيد بالنقاط، يذهب بعيدا، وتحط عليه النقاط كما يحط الطائر بارتفاع، ثلاثة حروف تحتمل أن تكون علامات لثلاث دلالات محتملة فوق سطح التواصل، إن هذا المزج الممكن إقامته بحكمة بين (السطح) و(الشطح) يتطلب مفهوما عميقا للوسطية يتخطى الوسط الذهبي الأرسطي ويقارب ما تحدث عنه عبد الحميد إبراهيم (1935 – 2012ميلادية) في نظريته التي ترى الوسطية العربية نسقا قادرا على استخدام الحدين طبقا لمقتضى الحال أو الموقفية، إن العلاقة البيانية بين (الشطح) و(السطح) تتخذ من المعجم الشعري منطلقا لإبداع الحياة بوصف مشروع الوجود الفردي والجمعي قراءة لمعرفة سبيل تحقيق الذات من الأعماق المغرقة في كمونها إلى التجلي الواضح النافع للبشرية، وهذا يحتاج إلى قراءة موازية لخريطة الفكر البشري، قراءة تدرك مساحة التحقق بين المستحيل والمتاح، إن تعبير (فك الخط) ينطلق من قراءة اللغة والذوق وتحليل مكونات السياق الثقافي ليصل إلى فهم العالم ببيئاته المختلفة التي تتقاطع فيها خطوط الطول والعرض، والكون حافل بالخطوط التي يسعى العقل البشري لفكها وهو يبدع معمار نصوصه الحضارية في الآداب والفنون والعلوم.
وحينما تنطق بإبداعك فإن صوتك مشحون بما يعبّر عن تكوين جغرافي ومسار تاريخي وأبجدية من الرموز أنت على وعي بها فأنت مختلف عن الآخرين وإن التقيت بهم في مغامرة اكتشاف الوجود الذي بداخل الإنسان والمحيط به، هذا ما أجده في شعر أحمد الشهاوي حين يستخدم استراتيجية الميتاشعر أو القصيدة الشارحة أو العبارة المفسّرة لمعنى الإبداع وهذه ظاهرة واضحة في ديوانه الأخير الذي يشبه عنوانه صوت الشاعر بالكمان الذي تحرر من الأوتار مستعيدا حيويته الأولى في الصدح بلا قيود تنتظم تدفقه في غابة الفنون الجميلة، غابة جبران صاحب الناي، وعنوان الديوان يستحق مساحة تستوعب الاستعارة المفاهيمية الرابطة بين ثلاثة حقول هي حقل الموسيقى وحقل الشعر وحقل الخصوبة الشجرية الكونية، إنها دوائر متصلة تمنحنا تفسيرا لهوية الإبداع وأدواته وقوانينه ومقصديته، الشاعر يتحدث باسم القصيدة واللغة والإنسانية مثل كمان، موسيقى ناطقة بالجمال المدعّم لثقافة التواصل بين الذات بكل أشواقها والكون بكل عناصره المتسقة، ويدرك الشهاوي أنه الشاعر الشرقي العربي المصري الذي ينساب صوته ممثلا بيئته النهرية النيلية الزراعية التي تؤدي دورها الحضاري دون صراع مع طبيعة قاسية بل بانسيابية متدفقة، لذلك يقول جملة بمثابة عتبة يمكن أن تلهم لإبداع رواية تعالج مفهوم الهوية الإبداعية من منظور حضاري بيئي “لا أحتاج لدحرجة الصخرة” تلك الجملة المفصلية في تصنيف الحضارات عبر الرموز، إنه في هذا الديوان – شاعر السهول والماء وليس شاعر الصخرة التي يحملها سيزيف هبوطا وصعودا، إنه متصالح مع الكون ويفيض على ضفاف اللغة والأبجدية الجمالية لإنسانيتنا المشتركة مثل النيل الجاري في جسد وطنه.
…………………………
* أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس
















