مواليد حديقة الحيوان.. اللعبة التي لا تنتهي

ashraf al ashmawy

عزة سلطان

ماذا لو أن لعبة الكلمات المتقاطعة لا تنتهي أبدًا؟ كلما ملأ اللاعب فراغًا، ظهر فراغ آخر أعمق، كأنه في متاهة لا يفلت منها. بحيلة سردية مختلفة يبدأ الروائي أشرف العشماوي كتابه المعنون بـ”مواليد حديقة الحيوان”، والذي يضم ثلاث روايات قصيرة تتقاطع فيها الحروف والمصائر والأكاذيب، صدر الكتاب عن الدار المصرية اللبنانية في العام 2024، والروايات الثلاثة الصادرة في الكتاب ذاته قد نالت جائزة الشيخ زايد للآداب للعام 2026.

لسنوات طويلة احتلت لعبة الكلمات المتقاطعة التي تنشرها الجرائد أهمية كبرى لدى شرائح عديدة من المجتمع، لعبة تقوم على مربعات مظللة وأخرى تتقاطع رأسيًا وأفقيا، مع أسئلة عليك أن تحلها، وأنت منتبه أن تتوافق التقاطعات الرأسية والأفقية لتفوز في مهمتك.

روايات ثلاث هي كابينة لا ترى البحر، ومزرعة الخنازير، ومواليد حديقة الحيوان، تجمعها لعبة سردية واحدة حيث البطل الضد أو الشرير هو دومًا الذي يلعب الكلمات المتقاطعة، ويختار الكتاب لحظات بعينها ليسأل الجد أو المحامي أو المدير سؤالًا ليمضي قدمًا في لعبته، تلك الأسئلة التي تبدو إضاءة أو هاي لايت على البطل، قد يكون وصفًا وربما حكمًا، لكن المؤكد أن هذا السؤال سيفتح دروبًا متعددة للقارئ، ليرى أن الظلم مجرد كلمة ناقصة يمكن تجاوزها مؤقتًا، مقابل أمل وهمي في مستقبل أفضل. لكن النتيجة؟ أقفاص شفافة نعيش داخلها ونظن أننا أحرار.

التفتيت بمحاذاة السخرية في مقابلة رومانسية السرد

يشد العشماوي حبلًا من لغة دافئة عاطفية تتعامل مع الحزن كما الفرح، تجذب القارئ وتتعامل مع هشاشة المشاعر وتشابكات النفس البشرية بدقة شديدة، مُعبدًا صراطا سيجتازه القارئ متبوعًا بعاطفته، يختار الكاتب هذه الطريقة بذكاء مدركًا أن لا شيء سيدفع إنسان إلى اكتمال طريق مؤلم إلا الأمل، يفتتح روايته كابينة لا ترى البحر “كل شيء كان عاديًا حتى ماتت أمي” ص5- “حدث كل شيء مثل عاصفة هبت فجأة” ص 185، بينما تأتي الرواية الثانية ببداية تُثير الفضول أكثر من كونها تخاطب العاطفة “داخل قاعة عتيقة تنافس الزمن في رتابته، تتأرجح الحقيقة فوق أحبال الظنون”  ص79.

تدور أحداث الروايات الثلاث في حقبة السبعينات وقد تتجاوز أحدها لتصل إلى بداية الثمانينات، حيث الأمل هو كل ما يملكه الأبطال، الحلم بزيارة البحر، أو النجاة من أيدي الجماعة السنية أو الزواج من الحبيبة، تتنوع سير الشخصيات وبنائعها، حتى الحبكة الدرامية والتصارع يختلف من رواية إلى أخرى، لكن الكتالوج واحد.

يعمد العشماوي إلى رومانسية تخطف الروح، فالطفل المفجوع لفقدان أمه يجد صندوق صورها مع والده على البحر، يحلم بهذا الشريط الأزرق، وفايز حنا يحلم بالسكينة وهو مدفوع إلى إثم يلي الآخر من وجهة نظره، والدكتور إسماعيل تتراكم أحلامه من أجل أن يتزوج حبيبته، أحلام صارت بسيطة لكن المدفوع ثمين.

لا يختار الكاتب قارئه فقط عبر الانحياز للحكي العاطفي، ولكنه أيضًا يختار التلويح بالأحلام والآمال الكبيرة في بدايتها ثم يُصاحب القارئ وهي تتفتت تدريجيًا، ولا يختلف الحلم من رواية لأخرى، ففي كل رواية هناك حلم كبير يتهشم بيد الآخرين ثم التلويح بقبول ظلم مؤقت، حتى يعود البطل لترميم الحلم الكبير مجددًا، نرى ذلك في الحفيد الذي اصطحبه جده إلى صاحبه عمله القديم، طالبًا توظيفه، وحين يجد صاحب العمل أن الحفيد سنه صغير يسأله أي طلب ليخرج الولد معبرًا عن حلمه لقضاء بضع أيام في الساحل، الحلم الصغير الذي يتحقق فتنزلق قدم الشاب الذي لم يكمل عامه السادس عشر لقبول ظلم كبير، ليس فقط بطل كابينة لا ترى البحر، بل إسماعيل بطل مواليد حديقة الحيوان الذي تخرج في كلية الطب البيطري وتوجه إلى الحديقة متكئًا على ماضي أبيه وتاريخه وآملًا أن يعمل كطبيب بيطري فإذا به يعين كحارس لبيت الفيل وسيكون رضوخه خطوة لقبول تنازلات أخرى وظلم أكبر في سبيل أن يحقق حلمه، أما فايز حنا فكان كل همه الحفاظ على مزرعة الخنازير والعيش في سكينة لم ينلها.

الكلمات المتقاطعة.. أداة الخداع الأولى

في “كابينة لا ترى البحر”، يجلس الجد أمام جريدة قديمة يحل الكلمات المتقاطعة ببرود، بينما يقنع حفيده عارف بأن السجن “مؤقت”، مجرد خطوة لإنقاذ “شرف العائلة”. في “مزرعة الخنازير”، يدفن المحامي الفاسد وجهه في نفس اللعبة قبل أن يقترح على فايز حنّا تغيير هويته الدينية والاسمية “مؤقتًا” ليصبح “فايز عبد النبي” وينجو من الظروف الاقتصادية والطائفية في زمن السادات. أما في “مواليد حديقة الحيوان”، فيطوي مدير الحديقة الجريدة بعد أن يسأل عن مرادف “مغفل”، ثم يدفع إسماعيل وزوجته لقبول تمثيلية سخيفة أمام الرئيس نفسه، مقابل “مخزن” وهمي، وكان من قبل قد أقنع إسماعيل أن يقبل وظيفة حارس بيت الفيل بدلًا من وظيفة طبيب بيطري.

 العشماوي لا يستخدم الكلمات المتقاطعة كتفصيل عابر؛ إنها استعارة مركزية لكيف يملأ السلطويون والفاسدون فراغات حياتنا بالكذب المنظم، كلمة مقابل كلمة، حتى نعتقد أننا نتحكم في المشهد بينما القفص يغلق حولنا، تأتي تفاصيل الكلمات المتقاطعة سردًا أو كعناوين تتصدر الفصول، إنه تكثيف اختاره العشماوي، وكأنه يُشير إلى قارئه بالمخارج من مأزق الدراما الذي يعيشه البطل، وأحيانًا هي إشارات لمستقبل الشخصية.

الصفقة المؤقتة.. وهم الأمل الذي لا ينتهي

ثلاثة أبطال، ثلاث صفقات تبدو في ظاهرها رابحة: عارف يقبل السجن بدلاً من ابن الباشا، فايز يقبل تغيير دينه وهويته ليحصل على وظيفة وأمان، إسماعيل يقبل أن يرتدي جلد حيوان ويمثل دور “الأسد” بديلًا عن الأسد الذي توفى، وسوف يزور الرئيس السادات بيت السباع ولن يلتفت أن الحيوان الموجود بالقفص ليس إلا رجلًا يرتدي جلد أسد، كل ذلك مقابل وعد بمخزن. في كل مرة، يردد “البطل الضد” (الجد، المحامي، المدير) نفس الوعد: “مؤقتًا فقط… ثم يأتي المستقبل الأفضل”. لكن العشماوي يكشف القسوة الساخرة: الـ”مؤقت” حيث يتحول إلى دائم، والأقفاص لا تُفتح، بل تتسع لتشمل الأجيال. هذا الوهم ليس فرديًا؛ إنه آلية اجتماعية وسياسية يتقنها النظام ليبقي الجميع “مواليد حديقة الحيوان”، حتى لو كانت الحديقة كابينة على شاطئ أو مزرعة خنازير.

الأقفاص الثلاثة من الكابينة إلى الحديقة

لا تتوقف الرمزية عند حدود الكلمات المتقاطعة بل تتسع لتشمل العناوين ومكان الأحداث، حيث تأتي الكابينة التي لا ترى البحر كرمز للطبقية المعاصرة والعزلة العائلية؛ وتعكس مزرعة الخنازير التي تدور أحداثها في حقبة حكم السادات تلك الفترة بكل تناقضاته (الانفتاح الاقتصادي + التطرف الديني + التمييز الطائفي)؛ بينما تُمثل حديقة الحيوان الذروة مسرحية سياسية كبرى حيث يُعامل المواطن كحيوان يُدرَّب على التصفيق.

الأماكن الثلاث ليست منفصلة؛ إنها تتدرج في الاتساع والشفافية: من قفص صغير فردي، إلى مزرعة جماعية، إلى حديقة عامة يزورها الجميع ويصفقون لها، إنها جميعًا مربعات أفقية ورأسية تحمل اسم الكلمات المتقاطعة فأيا كان المكان هو قفص حتى لو بدا أوسع سيظل أشد خنقًا.

السخرية المريرة.. سلاح العشماوي القاضي

يمتلك العشماوي كقاض عينًا قانونية دقيقة لـ”الصفقات” والشهادات الكاذبة والمراوغات، لكنه يحول هذه الدقة إلى سخرية مريرة، تتجلى في اختيار عناوين الفصول القصيرة المستوحاة من الكلمات المتقاطعة، المفارقات العبثية (مثل تحول فايز حنا إلى “الشيخ فايز عبد النبي” أو إسماعيل إلى “أسد يعيش في بيت السباع”، هل ينجو الأبطال فعلا؟ إن الإجابات تأتي حزينة مضحكة، فمشهد إسماعيل وخطيبته وهما يرتديان جلد أسد وأنثاه ويظلان لأيام في القفص يزورهم زوار الحديقة، فيكون المكان الوحيد الذي يضمه هو وخطيبته هو قفص في حديقة الحيوان، لكن أشرف العشماوي اختار لبطله مصيرًا أقل وطأة من سابقيه فلم يحكم عليه كأحد أعضاء تنظيم، بل حكم عليه بفعل فاضح في مكان عام، بينما الأمنية الوحيدة التي تحققت لفايز حنا هو ان يُدفن في مقبرة والديه، في حين يقضي عارف وقته في تلك الكابينة التي لا ترى البحر بعد أن ضاع خمسة عشر عامًا من عمره سجنًا.

ينوع أشرف العشماوي في أدواته، فالسخرية تمتزج مع الرومانسية، الحب الذي يمرر الكثير، الحب الذي يغير حياة الأبطال بينما الفاسدون يواصلون اقناعهم أنه فعل مؤقت، والحب يدفع طرفيه للاستمرار وتكسير الطموحات.

في “مواليد حديقة الحيوان”، لا يقدم أشرف العشماوي حلولاً؛ ولا حتى يكُمل اللعبة، إنه يطرح التساؤلات، مرادف مغفل، ومثنى جنازة، ويمضي كل لاعب في لعبته، هي لا تنتهي بينما ينكسر الأبطال، وينزوون في أقفاص أو مربعات تُسود بحرف، وسيأتي لاعب جديد يلعب، وآخرين يفتتون أحلامهم، ليبقى السؤال هل سنظل نحل الكلمات المتقاطعة، أم سنرمي الجريدة ونبحث عن مخرج حقيقي؟

 

عزة سلطان

4 مقال
كاتبة مصرية من أعمالها: ـ امرأة تلد رجلا يشبهك ـ أحمد رجل عادي جدا ـ تماما كما يحدث في السينما…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع