خولة حمدى تكشف سر انهيار الربيع العربى

خولة حمدي

شوقي عبد الحميد يحيى

في العام 2011، اندلعت موجة الثورات، أو ما يمكن تسميتها الانتفاضات الشعبية، ثائرة على حكامها وجبروتهم وتجاوزاتهم، بدءًا من تونس في 14 يناير، ولحقت بها مصر في الخامس والعشرين من نفس الشهر، ثم ليبيا في شهر فبراير، ثم اليمن في فبراير أيضًا، ثم سوريا في مارس من نفس العام. وكأنها نفير يدعو للصحيان من الثبات الطويل. الأمر الذي يدعو للتساؤل: لماذا هذه الفورة في وقت قريب من بعضها؟ في الوقت الذي لم نسمع فيه بمثل ذلك في أمريكا أو الدول الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، عندما سميت أيضًا بـ«ربيع الشعوب»، والتي شملت فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا، وهدفت هذه الانتفاضات -التي استلهمت مبادئها من الثورة الفرنسية- إلى تحقيق الديمقراطية والإصلاحات الاجتماعية والسياسية. ورغم الانتشار الواسع، قُمعت معظم هذه الثورات، وعادت القوى المحافظة للسيطرة. وهذا ما حدث بالنسبة للربيع العربي، رغم مرور نحو القرن من الزمان بين هذه وتلك، وهو ما عبرت عنه خولة حمدي في روايتها أين المفر، حيث ظل ما حدث في العام 2011 حلمًا لم يكتمل، إذ سيطرت القوى التي تعادي تلك الانتفاضات وأجهضتها.

وتسارعت الإبداعات في كل تلك البلدان، إلا أنها كانت -والأحداث ساخنة- تميل إلى التسجيل منها إلى التفنيد والبحث عن الأسباب، فيما عدا الروائية التونسية، وبعد أن مرت فترة على وقوع الواقعة، فبأسلوبها الهندسي راحت تهندس الرؤية لتلك الواقعة في روايتها البديعة «أين المفر»، حيث يعبر هذا العنوان عن الحيرة، ويعبر عن تصور الإنسان في لحظة حرجة، ويبحث عن الهروب إلى حيث يكون الاستقرار، وهروبًا من موقف يحاصر الإنسان فيه الخطر، فيحمل العنوان في طياته ذلك الخطر، ومن خلال تلك الكلمات المحدودة، نافذًا إلى عمق الرواية، ومعبّرًا عن تلك الرحلات الواقعية والنفسية التي صاحبت الشخصية الرئيسية طوال رحلتها في الحياة من «سويسرا» عائدة إلى بلدها الأصلية «تونس» بصحبة أبيها السفير السابق، حيث واجه السجن باعتباره أحد رموز العهد السابق، بينما تتقلب هي بين ماضيها منذ الطفولة وتجربتها الحاضرة، عندما كان لها توأم تشبهها إلى حد التطابق، وتتنقل بين أفراد العائلة (خالها وأبناؤه) متعددي الاتجاهات والمختلفي الرؤية والنظر إلى الأشياء. وكانت هي القادمة من «سويسرا» وكأنها أجنبية لا تجيد العربية، فجاءت نظرتها كأنها نظرة من فوق، أو نظرة عين خارجية تنظر إلى الأشياء بعين محايدة، فحددت الأسباب وحددت النتائج، وأخرجت ما في عمق الإنسان العربي الذي عايش هذه التجربة، والتي لم تقصرها على تونس، وإنما على الدول العربية، أو إن شئنا الدقة: الدويلات العربية كافة، مستخلصة منها الداء، وكتبت الدواء.

كما أنها بدأت روايتها بإهداء (أول) تقول فيه: {إلى الذين قالوا قد كانت ثورة! وإلى الذين قالوا لم تكن ثورة! اجمعوا كلماتكم، آراءكم ومراءكم.. وانصرفوا! آن أن تنصرفوا}. وهو ما يعني اختلاف الآراء حول الواقعة، وما إن كانت ثورة أم أنها لم تكن كذلك. وهو ما يعني أيضًا التضارب في النظر حول ما يقع، فليس هناك عامل مشترك بين الجميع، أي أن الرؤى والاختلاف الحاد أحد العناصر التي تدفع «العدو» لاستخدام تلك الخاصية في التفريق، وكأننا لم نزل نعيش في الشعار: «فرّق تَسُد». وهو أحد العوامل التي جعلت من الوطن العربي اثنتين وعشرين «دويلة».

كما ساقت الكاتبة تلك المقولة التي تقدمت بها شخصية «ليلى» (التي تحضر إلى تونس بعد الثورة مع والدها الدبلوماسي السابق، ولا تعرف في تونس شيئًا غير خالها الذي لا تعرفه)، وتؤكد منذ البداية أنها إحدى فصين متشابهين في الملامح، ولكنهما شخص واحد في النهاية، تمثل إحداهما «حنان» تونس الماضية، والأخرى «ليلى» تونس الحالية، وإنما حدث الانشقاق بينهما: {عاشت حياتها كلها ممزقة بين هويتين: هوية تألفها ولا يعترف لها بها، وهوية لا تدرك منها إلا القشور، لكنها لصيقة بها ولا فكاك منها. أينما حلت، كانت تعامل على أنها ابنة سفير البلاد التونسية، وقد كان عليها أن تمثل الدور وتتماهى معه، رغم أنها لا تحمل شيئًا من الانتماء إلى تلك البلاد التي تجهل كلتاهما الأخرى} ص93.

ومن نظرة إلى أوضاع العالم اليوم، ومن نظرتها -ليلى- إلى الأشياء، نستطيع أن نحدد مدى الفارق بين العالمين: الشرق والغرب. فرؤية مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، كأكبر قوة على الأرض في الوقت الحالي، نجد أن مساحتها تصل إلى 9,867,000 كيلومتر، بينما عدد سكانها في حدود 348 مليون نسمة، في الوقت الذي تصل فيه مساحة الوطن العربي إجمالًا إلى نحو 14 مليون كم، بينما عدد سكانه يصل إلى 500 مليون نسمة. فبينما حافظت الولايات المتحدة على أن تصبح دولة واحدة، فإن الدول العربية تتقسم بين 22 دولة، ولا يزال كثير منها ينقسم ليصبح دويلات تعتمد على غيرها، في الوقت الذي يمكن أن يتوفر لها الكثير جدًا من عناصر إقامة الحياة التي تجعلها من أهم الدول في العالم. فإذا نظرنا إلى تونس وحدها، فسنجد في حوار «ليلى» مع أستاذها الألماني «باورمان»، والذي اختارته المؤلفة بعناية، حيث يوحي بـ«السوبرمان»، سنجد أنه قال لها إنه يمكن أن يتعلم اللغة العربية في وقت قصير. فتقول «ليلى»: {يعتقد أن تعلم العربية سهل! طيب، جرّب لنرى! ثم إذا أنت أخذت دورة في العربية الفصحى، فمن أين لك بدورات في اللهجات من الشرق إلى الغرب العربي؟ قد تحتاج عشرات السنين، وقد لا تكون كافية حتى} ص335.

كما وضعت «ليلى» عنوانًا لتقريريها: «خارطة اللغات في زمن الثورة». كان بإمكانها تمييز عدد لا بأس به من اللهجات التونسية فقط: لهجة العاصمة، ولهجات المناطق الساحلية والداخلية والجنوبية. رسمت أسهمًا علائقية بينها، هي اتجاه الثورة، من سيدي بوزيد وصولًا إلى تونس العاصمة… أضافت فقاعات أخرى: لغة العقل، ولغة العاطفة، ولغة القانون، ولغة المواطنة، ولغة التنمية الجهوية. {لقد تحدث مختلف المتصدرين للمشهد الإعلامي زمن الثورة وبعدها تلك اللغات، لمخاطبة الشعب الثائر وتوجيه الرأي العام…} ص366.

فعلى الرغم من أننا نكرر دائمًا أن اللغة العربية هي أول عناصر التلاحم بين تلك الدول، فإن الكثير منها لا يتحدث العربية بقدر ما يتحدث باللهجة المحلية. فضلًا عن أن «اللغة» عمومًا، واللهجات بصفة خاصة، لم تأتِ بها الكاتبة عفوًا، وإنما إشارة إلى الفرقة وعدم التواصل، فكل بلد لا يستطيع التواصل الفكري مع غيره، وهو ما يؤكده الواقع الحالي من تقسيم البلد الواحدة إلى أكثر من جزء، مثلما في السودان وليبيا واليمن، وما تسعى إليه الدول المستعمِرة لتفتيت هذه البلدان، وسهولة الاستيلاء عليها، مثلما في سوريا.

فضلًا عما يقرب من العداوة بين كل شعب وغيره، أو إن شئنا التخفيف: الحقد والحسد بين الدول وبعضها. ففي التطبيق العملي، عندما يطلب منها أستاذها «باورمان» الغناء، كلٌّ بلغته، في رحلة التزلج، طلب المشرف على الرحلة أن يُغنَّى بكل اللغات، فبدأ الغناء بالألمانية، ثم الفرنسية والإيطالية والإنجليزية، وكانت كلها مفهومة بالنسبة إلى «ليلى»، وجاء دور الصينية والروسية والتركية، فكانت مجهولة بالنسبة لها. ثم توقفت الرحلة عند الغناء بالعربية: {كان العرب ينتمون إلى بلدان مختلفة، وذوي إرث حضاري وثقافي متباين. لم تكن «ليلى» تهتم بمسألة الغناء واختيار الأغنية التي يجدر بالفريق أداؤها، فثقافتها الشخصية أوروبية بالأساس، وانتماؤها التونسي حديث، لذلك لم تكن ذاكرتها تستحضر شيئًا باستثناء النشيد الوطني، وبعض المقاطع الثورية التي تُردد في المظاهرات. لذلك من البديهي اختيار أغنية مصرية! بينما اعترضت نجاة بضراوة.. لم يكن ذلك كافيًا في نظرها لطمس هوية باقي أفراد المجموعة} ص339.

ولم تتوقف الكاتبة عند حدود الواقعة، وإنما سعت إلى جذورها في البلاد العربية، حيث تستحضر ما كان يُفعل في مصر بعد 23 يوليو 1952، حين أتى المدعي العام ليصادر أملاك الخال، وقال: {لديكم أربع وعشرون ساعة لإخلاء المبنى.. الحاجيات الشخصية فقط! لا تُحف ولا مجوهرات ولا لوحات ثمينة! ستظل الحراسة في الخارج حرصًا على تنفيذ الأوامر بشكل سليم}. ثم اقتيد خالها أمام الجميع إلى السيارة القابعة في الفناء} ص262. وبعد ذلك: {تحركت الأقدام في ارتباك وانصرف الخدم، كانت أيام عز تمضي وأيام ضنك تُقبل، خمنت ليلى أن الوضع في الشركة سيكون أسوأ. مئات العمال والموظفين سيصبحون دون عمل..} ص262. وكذلك فض الاعتصام، حيث العودة من الماضي إلى الحاضر: {لقد فضت قوات الأمن الاعتصام بالقوة، أزيلت الخيام التي انتصبت على الساحة لأكثر من شهرين} ص315. فلا نعدم وجود ذلك المشهد في تلك البلاد التي أراد أهلها أن يعيشوا حياة.. كالحياة.

هبطت «ليلى» إلى تونس، التي لم تكن تعلم عنها سوى أنها من أصل تونسي، تتخبط بين أبناء الخال واتجاهاتهم المتنوعة، والجدة -التي تمثل الماضي التونسي العربي- والتي أرادت أن تعود بها إلى الماضي المشحون بالأساطير والخرافات، فتبعتها «ليلى» وكأنها تريد أن تتعلم. وحينها تأرجحت بين الجدة، صاحبة مدرسة تعليم القرآن، والتي رأت أن هذه المدرسة هي ما يجعل لسانها يتعود على النطق العربي السليم، وهناك تلتقي «وداد» المدرسة بالمدرسة، وإن كانت تختلف عن الجدة في الرؤية، حيث كانت: {جدتها ترغب في استمالتها إلى طريقتها الروحانية، ووداد (المُدرسة) ترجو شدها إلى ثقافتها الدينية المحافظة، وأمين -ابن خالها- يريد إقناعها برؤيته السياسية، والتي خالف فيها ما كان يعيشه مع والده في القصر الفخيم والخدم والحشم، وكأنه يمثل جيل الشباب الثائر على الماضي، وما يؤمن به من حق الشعوب في تقرير مصيرها.. يمكنها أن تفتح ذراعيها للصوفية والمحافظة والثورة، تكتشف مزايا كل منها، تنتقي طريقها، أو تقطف من كل بستان زهرة، أو ترفضها جميعًا.. بعد أن تلقي نظرة عن كثب} ص140.

بينما استقبلها «فراس» زوج أختها المتوفاة -وأحد الشباب الذي أخذ جانبًا، وكأنه الجانب السلبي- برفض مجيئها والإقامة معهم، حيث لعبا معًا لعبة القط والفأر، وإن كان الحب الخفي قد تمكن منهما فيما بعد، غير أنه ظل في الأعماق ولم يخرج إلى العلن. فتتبادل «ليلى» و«فراس» الأدوار حين ترد له مذكراته التي وجدتها في حجرة «حنان» -أختها المتوفاة- حيث يتمنى هو أن ينسى، وتمنت هي أن تتذكر، إذ كانت قد فقدت الذاكرة، ويُعتبر تبادل المراكز حوارًا داخليًا يدور بينهما: {تذكر حديثهما ذات عصر، من وراء الحاجز، عن الذكريات والنسيان. لقد نسي، وهي تذكرت كل شيء، لقد حقق كل منهما أمنيته، خلال الوقت الذي فصل تلك الجلسة وهذه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة فاترة. لقد كان ذلك أفضل} ص398.

فقد كانت هي قد فقدت الذاكرة عقب تلك الواقعة التي راحت «حنان» ضحيتها، فكانت «ليلى» تسعى إلى التذكر، التذكر الذي ينقذها من كم التهويمات التي تدور حول الواقعة. ففي الحادث الذي أفقد «ليلى» الذاكرة، كانت «ليلى» و«حنان» و«فراس» والعم نجيب يجلسون في السيارة، ويبدو أنها عبثت بالسيارة كي تقتلهم جميعًا، وفجأة صرخ العم نجيب بأنه لا يستطيع كبح السرعة: {حينئذ، أخذت حنان تضحك بشكل هستيري، وتصفق وتغني: «سنموت جميعًا.. سنموت جميعًا». أعتقد أنها عبثت بمكابح السيارة لتقتلنا جميعًا.. لم تكن حالتها النفسية مستقرة في تلك الفترة، وقد عاودتها النزعة الانتحارية} ص184، وهو ما يمثل تونس قبل الانتفاضة، التي كانت تسير بسرعة نحو الهاوية.

ووجدتها «ليلى» فرصة لا شعورية أن تهرب من الأوضاع الحالية، فتتقمص شخصية «حنان»، استنادًا إلى تلك اللعبة التي لجأت إليها «حنان» قبل الواقعة، مثلما قال سيغموند فرويد، حيث تأرجحت «ليلى» بين أن تكون هي «حنان» أو «ليلى». وهي حيلة نفسية لجأت إليها الكاتبة، للتأكيد على ما أصاب المجتمع التونسي إزاء ما حدث: {فإذا كان صحيحًا أن أسباب الاضطرابات الهستيرية توجد في الدخائل الحميمة للحياة النفس-جنسية للمرضى، وأن الأعراض الهستيرية هي التعبير عن رغباتهم المكبوتة الأمعن سرية، فعندئذ يتحتم على العرض المكتمل لحالة هستيريا أن ينطوي على كشف لهذه الدخائل الحميمة وفضح لهذه الأسرار} ص17. {دون أن يرجع ذلك إلى أية تحفظات مقصودة من جانبهم، وذلك هو الدور الذي تلعبه المراوغة اللاشعورية.. كما توجد فجوات في الذاكرة تغيب منها ليس فقط ذكريات قديمة، بل حتى ذكريات جد حديثة، هي خداعات الذاكرة}. فالفراغات النفسية التي تركها الفارق بين الحلم والواقع في النفسية الإنسانية هي ما أدت إلى ذلك الإحساس بفقد الهوية.

ويربط أستاذها «باورمان» بين ما تشعر به من كونها أيًّا من الأختين، وبعد أن وضعها على الأريكة المعلقة وتركها تعيش مع ذكرياتها: {كانت تشعر بموجات تغمرها. لم تكن مضطرة إلى أن تختار بين كونها حنان، أو كونها ليلى، أو كونها شخصية ثالثة وُلدت بعد الحادثة، لقد كانت هي في كل تلك المراحل، كل منها شكل من أشكال وجودها، وتجلٍّ مختلف لما تخفيه أغوارها السحيقة} ص359.

ويقول «فراس» متفلسفًا تلك الحالة، وموضحًا أنها عملية هروب: {إذن فأول ما تفكر فيه بعد أن تبدد الوهم وظهر اليقين هو التخلص من تبعات الهوية الوهمية، وهذا ما أبدو عليه بالنسبة إليها.. رمز من رموز النظام السابق، وحين يتعلق الأمر بثورتها. هل تفهم الآن لماذا يجب أن أختفي من الصورة؟ لقد تشبثت بفرصة السفر وهربت بأقصى سرعة، فرارًا من الضغط.. ولا يمكنني أن ألومها، بل لعلي أتفهم بشكل متأخر حاجتها إلى الابتعاد} ص364.

فقد كانت حياة «ليلى» هي نفي كل ما سبق الواقعة؛ واقعة الحادث الذي أودى بحياة أختها، وواقعة الانتفاضة التي أراد الشعب التخلص فيها من حكامه الديكتاتوريين، ونفي كل من ينتمي إليهم. ولذا كان دخول الوالد «نجيب كامل» والخال «نبيل القاسمي»، اللذين ينتميان إلى العهد السابق، إلى السجن والمحاكمة. ولذا كانت «ليلى» تعيش بشقين في انفصام بينها: «ليلى» الإنسانة، و«ليلى» التونسية، فكانت هي الرمز الذي يشير إلى الشعب التونسي، وتستمر «ليلى» في عملية الهروب المادي والنفسي.

الداخل والخارج

على أن «ليلى» قامت بعقد المواجهة بين الداخل والخارج، بين تونس (العربية) وألمانيا (الأوروبية)، ممثلة في أستاذها «باورمان»، والذي واجهها بما يعيشه الشعب العربي، والذي يُعتبر من أسباب فشل تلك الانتفاضة، حيث لم يكتفِ بإلقاء المحاضرات فقط، وإنما اعتمد على التجربة الحياتية ليترسخ الفهم في الأعماق.

بعد زيارتها لتونس، عند عودتها إليها من سويسرا، وفي رحلة «ليلى» إلى السجن وخروجها من منطقة قصر خالها، رأت القمامة تملأ الشوارع: {هل كان ينبغي سحق الواقع الحالي، تدمير المدن، إبادة المجتمعات، حتى تقوم الثورة؟ كانت تتوقع ألوانًا أكثر إشراقًا وأكبر بريقًا يليق بمسمى الربيع، هل كانت جامحة في خيالها؟} ص32. وها هي تعيش التجربة التي تثير في نفسها الفارق بين ما كانت تعيشه في سويسرا، وما رأته في تونس.

ثم تأتي تجربتها مع «باورمان»، الذي طلب منها أن تعد وجبة غداء، في الوقت الذي فكرت فيه -كعربية- وراحت تتوقع أن الرجل سيطلب منها أن يتغدى في بيتها، لكنه أخبرها بأن عليها أن تعد الأطعمة العربية، وأن يعد هو الأطعمة الأوروبية، وأن يعرضاهما في المركز، ويروا الإقبال على أي منهما. وتدافع الحضور على ما أعدته في البداية، ثم تحول الأمر بعد ذلك، فكانت منافسة، أو توضيحًا لما يحتاجه «السوق»، حيث إن غالبية من بالمركز من الدول الأوروبية، لذا كان إقبالهم على طعامها والمحاشي والمقبلات للاطلاع فقط، ثم تحول المشترون إلى طعامه البسيط. ودل على ذلك كمية المتبقي في صناديق القمامة من وجباتها، بينما لم يتبقَّ شيء من وجباته هو، فكان درسًا عمليًا.

وإذا كانت «ليلى» قد ذهبت إلى ألمانيا لدراسة واقع الربيع العربي، فهناك وضح لها «باورمان» المسألة في العلاقة بين «ليلى» في ألمانيا، وبين المشرف على البحوث ودارسيها من تونس ومصر وسوريا، وبين المحاورات بينهما، حتى وصلت إلى أن قال: {نحن في مجتمع علمي بامتياز، والجميع هنا على قدر من النضج والوعي، لكن عوامل صغيرة وبلا معنى أحيانًا توجه التفكير الجمعي في اتجاهات مغلوطة.. وسرعان ما تنتشر بشكل لا يمكن السيطرة عليه! اسقطي هذا على واقع شعوب الربيع العربي} ص328.

الثورة

خرج الوالد «نجيب» من السجن، وأبطأت الرواية في الإيقاع، وذهبت إلى الخيام المنصوبة للإضراب ضد الحكومة، ومن بينها ابن عمها «أمين»: {كانت مع ثلة من الصحفيين والمحامين الشبان المنخرطين في «الرابطة التونسية لحقوق الإنسان» تتابع قضية المعتصمين ضد الحكومة. اقتربت من أمين أخيرًا بعد أن انفض بقية المعتصمين من حوله. رمت في حجره كيس الورق وقالت، مثل كل يوم: تشاركها مع الآخرين! تلقاه في اهتمام وفتحه على الفور، وهو يقول: إنها لي وحدي اليوم.. البقية مضربون عن الطعام!} ص281.

لتصبح حياة «ليلى» هي الفرار الدائم؛ مرة حين طاوعت جدتها بالذهاب إلى مدرسة تحفيظ القرآن، ومرة مع «أمين» -ابن خالها- بالذهاب معه إلى الخيام في الصحراء والالتقاء بالشباب هناك، ومرة حين ذهبت مع مجموعة الدارسين في ألمانيا إلى التحلق والمرور بتجربة جديدة. فكانت مرآة للتعرف على تونس، وفرصة للبعد عن «فراس»، حيث لم يحدث التلاقي إلا في نهاية الرواية، غير أنه ليس لقاء الأزواج (الجسدي)، وإنما لقاء الرؤى، الذي وحّدهما في النهاية، نهاية الرواية، وكأنها رؤية الرواية.

ففي معرض الصور لـ«أمين»، بعد استشهاده، يلتقي «فراس» و«ليلى» ليريا المشهد نفسه، وتتحد نظرتهما تجاه المستقبل، ويكون التوحد بينهما توحدًا فكريًا، وهدفًا للنظر إلى المستقبل، لا لقاء جسديًا، وإنما لقاء فكري. لذا كان تكليف رب العائلة -نبيل- لـ«فراس» -الذي تزوج التوأم «حنان»- بإعادة ترتيب بيت ليلى، ذا دلالة مهمة. فبسؤالها عن سبب الزواج من أختها، أجاب أنها كانت علاقة متشابكة، فقد حاولت قتل:

“ـ  حاولت قتلك؟

ـ أقصد قتلنا جميعًا.

ـ من تقصد؟

ـ أنا وأنت وعمتي ونجيب.. وهي طبعًا، لكن شاء القدر أن ترحل وحدها” ص183.

ففي الحادث الذي أفقد «ليلى» الذاكرة، كانت «ليلى» و«حنان» و«فراس» والعم نجيب يجلسون في السيارة، ويبدو أنها عبثت بالسيارة كي تقتلهم جميعًا، وفجأة صرخ العم نجيب بأنه لا يستطيع كبح السرعة: {حينئذ، أخذت حنان تضحك بشكل هستيري، وتصفق وتغني: «سنموت جميعًا.. سنموت جميعًا». أعتقد أنها عبثت بمكابح السيارة لتقتلنا جميعًا.. لم تكن حالتها النفسية مستقرة في تلك الفترة، وقد عاودتها النزعة الانتحارية} ص184.

فلماذا قامت تلك الثورات، أو الانتفاضات الشعبية؟ قامت الثورة حين أخرج كل فرد من صدره همومه الخاصة، وتوحدت الهموم، التي تشكل في مجموعها هموم الوطن. فليلى، عندما اقتنعت بالثورة وتفاعلت مع الآخرين، أصبحت الثورة بالنسبة لها همًّا شخصيًا، فراحت تحدث نفسها، ليتفاعل ذلك مع ما تمر به من حالة نفسية، وتتقمص شخصية أختها. فكان الخروج من تلك الحالة إلى أرض الواقع، أرض الانتفاضة، وكأنها تستعيد نفسها، وترفض أن تعود إلى الماضي، الممثل في كل من ينتمي إلى العهد البائد، حتى لو كان أباها أو خالها: {هل يمكن لوطنها الثائر، وقد استرد حريته وكرامته، أن يصالح خونة الماضي، يربت على أكتافهم ويحتضنهم من جديد كأن شيئًا لم يكن؟.. هل يمكنها أن تصالح ذاتها الآثمة وتصفح عن خطاياها؟ تذر الرماد في عيني ضميرها، وتنسى؟} ص201.

وتؤكد تلك الرؤية في موضع آخر، حين تذهب بصحبة «منال» إلى المسيرة الرافضة لدخول الانتخابات لمن سبق من العهد البائد: {هنا يختلط الصراخ، وتتخدر الحواس، وتلتحم الأجساد. هنا يعيش كل شخص لحظته المنفردة، لحظة نصره الشخصي على أحزانه الصغيرة، لأنه قد صار جزءًا من قضية أكبر.. ولعل معظم المتظاهرين من حولها يؤمنون بالشيء نفسه: الحفاظ على المكاسب الثورية، حماية الثورة.. شعارات يُفترض بها أن تكون وطنية} ص222، 223.

الفرق بين الشرق والغرب

لجأت الكاتبة إلى حيلة جديدة، كنوع من الهروب، الهروب اللاشعوري، حيث تعاودها رؤية أنها «حنان» وليست «ليلى». إذ تستدعيها تلك الحالة في تجربة التزلج، التي تعيد إليها تلك التجربة الشخصية عند وقوع الحادثة (الاجتماعية)، عند موت أختها «حنان». فتستجيب لرسالة وصلتها لدراسة الاحتجاجات العربية المسماة بالربيع العربي.

وهناك تبدأ العلاقة، أو الفروق، بين الشرق والغرب، من واقعة تبدو في أعيننا نحن الشرقيين بسيطة، وهي عندما احتدت «ليلى» في الحديث مع أستاذها، وشعرت بأن عليها أن تعتذر، بعد أن تحولت العلاقة إلى علاقة جادة، وبعد ثلاثة أيام اعتذرت له، فتحول حاله من العبوس إلى المرح، وقال إنه لو لم تعتذر هي، لكان هو الذي سيعتذر. حيث إن الاعتذار عندنا يقلل من الكرامة، وكأننا لا نخطئ مطلقًا.

كما أن تعامل «ليلى» مع خدم القصر الذي أصبحت تعيش فيه مع خالها، كان مختلفًا عن تلك المعاملة التي يتعامل بها أهل الغرب، الذي تشبعت به بحكم نشأتها: {«ليلى» حدث لها حادث فقدت على إثره الذاكرة، ولذلك فهي تبدأ الحياة (التونسية) من جديد، وتتخبط بين المذاهب والآراء. وكان «فراس» زوج أختها، التي ماتت صغيرة بجرعة زائدة من المخدر، هو الذي يقودها دون أن تشعر، فضلًا عن أنها متأثرة بنشأتها في «سويسرا»، حيث تتعامل مع الخدم بصورة أخوية، وتنوي أن تخدم نفسها في بيتها عندما تنتقل إليه. فموت الشقيقة، بما قيل عنها قبل موتها، وصورتها التي تشبه صورة أختها تمامًا، يدفعان إلى التفكير والنظر بأن تونس قبل الثورة كانت غيرها بعد الثورة.. ولكنها في النهاية.. تونس}.

وبعد عرضها على المشرف على دراستها في ألمانيا، مستر «باورمان»، قال إن بحثها سطحي، وهي التي قد تصورت أنها أتت بما لم يأت به الأوائل، فجاء في اليوم الثاني: {جاء «باورمان» في تمام الساعة العاشرة في جولته الصباحية المعتادة، وتوقف عند مكتبها. قال بالألمانية، في لهجة ودية: لا أريد لعرض الأمس أن يحط من عزيمتك، والتعثر أمر طبيعي. منهجية البحث أمر مستجد بالنسبة إليك..} ص335.

فالملاحظ هنا دقة المواعيد والالتزام بها، فضلًا عن غياب الأسلوب العلمي في الدراسة عندنا نحن الشرقيين.

وتتساءل «ليلى»، بعد أن التقت بأستاذها «باورمان» الذي أثار موضوع الشائعة: هل يمكن أن تكون فكرة الثورة مجرد شائعة في البداية؟ لما للشائعة من تأثير على جموع الشعب، الأمر الذي يثير حفيظة «ليلى» ويدعوها إلى التفكير. فأدارت الحوار بينها وبين «سوسن»، التي حولته إلى السخرية، كطبع الإنسان العربي.

فبعد لحظات تفكير، قالت «سوسن» في سخرية: {أظنها شائعة حتى النهاية!} ضحك «نزار»، وقد مرت إليه عدوى السخرية: {ما هي بثورة أصلًا؟ إن كانت نجاح الشعوب في تقرير مصيرها من خلال حركة احتجاجية، فهي شائعة بالتأكيد!} ص368.

الأمر الذي ينظر إلى الحصول على الحرية والديمقراطية بوصفه أمرًا يستدعي السخرية. ولكن الكاتبة أرادت توسيع الرؤية لتشمل كل الدول العربية، استنادًا إلى رؤية «ليلى»، التي: {عادت إلى أوراقها، وكبرت رقعة بحثها، إذ خرجت من نطاق الحدود الترابية التونسية، سترى موجة الثورة التي صُدرت إلى البلدان العربية التي تتكلم اللغة نفسها، لغة الضاد، وتتكلم كذلك حكوماتها لغة الديكتاتورية وحكم الفرد} ص369.

وترد «ليلى» على فكرة الشائعات بأنها لم تكن شائعة، بقدر ما أنها رغبة داخلية مدفوعة بدوافع شخصية أولًا، ووطنية ثانيًا، مؤكدة أن واقعة البوعزيزي ليست شائعة، ومثلها كثير في البلاد التونسية، وأيضًا في البلاد العربية: {لا يمكنها أن تجزم: هل كانت لغة العاطفة -التعاطف مع البوعزيزي الذي أحرق نفسه- أم لغة العقل -لن نرفع الظلم إلا إذا اتحدت كل القوى الشعبية- هي ما رجح الكفة وأدى إلى اندلاع شرارة الثورة؟ ليس من السهل أن تحلل نفسيات مئات الآلاف من الأشخاص الذين اندفعوا إلى الشوارع محتجين. ربما هو مزيج من هذا وذاك… لقد كان هناك هاجس فردي خفي، هو ما جعل كل واحد من أولئك الذين خرجوا إلى الشارع يستيقظ صباحًا ويقرر أنه يريد أن يكون جزءًا من الحراك الجماعي! ظرف إنهاك، استنزاف مادي، إحساس بالظلم، مشكلات اجتماعية، أزمة عاطفية.. لكل واحد منهم زره الداخلي الخاص الذي ضغط في ذلك الوقت بالذات اتفاقًا} ص367.

وتقولها «ليلى» بصورة مباشرة: {هل كانت الثورة مجرد شائعة في بدايتها؟ هل كانت فكرة إسقاط النظام وليدة خرافة صدقتها الحشود بسذاجة؟ هل كان يحلم أحدهم بأن يرضخ الرئيس ويتنحى؟.. ليست تونس بلدًا ديمقراطيًا يسقط الوزراء فيه والرؤساء بسبب المظاهرات، بل ديكتاتورية عريقة منذ زمن الاستقلال تُحكم بيد من حديد} ص368.

وتخرج الكاتبة من الحيز التونسي إلى المحيط العربي كله أيضًا، حيث تشير الكاتبة إلى أن تلك الموجة من الاحتجاجات العربية بدأت من تونس اعتراضًا على حادثة فردية، ولكنها في الوقت ذاته تثير الكثير مما يحدث في البلاد، ويؤثر على الفرد الذي هو اللبنة الأولى في تكوين الدولة، فضلًا عن الحالة التي كان عليها الشعب في تونس قبيل الثورة، وهو ما ينطبق على كل الدول العربية، سواء التي قامت بها الهبات أم التي أخذت حذرها واستبقت الأحداث ببعض الإصلاحات.

حيث كان الشباب وقود الثورة، فأصبح كل من يجلس على الكرسي يمحو أثر من سبقوه، فتقول «ضحى» التونسية، التي كانت مع «ليلى» في ألمانيا: {نحن جيل صنع الثورة، لكننا جيل شديد الجهل بتاريخه وماضيه! معظمنا، ما لم يكن له قريب معارض، راقب معه عن كثب معنى القمع والظلم، لا يعلم شيئًا عن طبيعة الحياة السياسية في ظل حكم الفرد، لقد كبرنا ونحن لا نعرف إلا الاستسلام والخنوع، وتربينا على اللامبالاة والحياد} ص175.

في الوقت الذي تقول فيه «ليلى» -وما يلقي بالضوء على وضع البلاد قبل تلك الانتفاضة-: {أنت لا تتخيلين الوضع! لقد كانت السياسة، حتى وقت قريب، من المحظورات التي لا ينبغي التطرق إليها في العلن، وأي كلمة معادية للنظام القائم تقع عند أذن متلصصة قد تؤدي بك إلى المهالك!} ص175.

ذلك كان الوضع الذي أدى بتلك البلدان أن تهب لتطالب بحقها في الحياة، وكان أن سطعت شمس الغد لتبين أن زمن الحلم قد انتهى، وأن تعتبر تلك الانتفاضة كابوسًا مر على حكامها، سرعان ما استيقظوا ليجدوا كل شيء على ما تعودوه. فها هو «فراس»، الذي يمثل جيل الشباب، يتحدث لوالده -الذي يمثل الجيل السابق- عن أخيه الذي استشهد، «أمين»: {لقد كان بطلًا، صادقًا مع نفسه ووفيًا لمبادئه، لا أظنك قد عرفته يومًا. لقد كان معدنه أصيلًا، ونحن المزيفون!} ص425، وكأنه يدين الجيل السابق كله. ويلخص العملية كلها في جملة جامعة، ومعبرة عن تجربة كبيرة: {لقد أنتجت العملية كلها جنين أمل مشوهًا، كُتب له الإجهاض!} ص404.

وتتأمل «ليلى» الأحداث برمتها، فتقرر أن الأمر، وإن بدا صورة فردية، إلا أنه في النهاية أمر وطني، يسعى للتخلص من كابوس الديكتاتورية. فبعد عودتها من الهروب إلى ألمانيا، يتردد على ذاكرتها من انتحر بالاحتراق حتى الموت، وكان ذلك بذكر «منتصر» وهو يهوي من عمود الكهرباء، ومتلازمة محمد البوعزيزي، الذي أشعل الثورة، وكأنه: {الاحتراق حتى الموت، بوابة للعبور إلى العالم الآخر. هو الذي يشعل الثورات}.

على أن من ضمن ما أفشل الثورات ما يقوله «أمين» من أن تلك الهبات لم تكن مدروسة إلى النهاية -لنستعيد درس «باورمان»- بل: {لأننا اكتفينا بهروب المخلوع، وتركنا للنخبة السياسية ذاتها أن تواصل تسيير شؤون البلاد! فهل يمكنني أن أفعل شيئًا غير الاعتصام، لأعبر عن إنكاري للواقع الذي أصبحنا عليه؟} ص283. وتشتعل الثورة في النفوس.

فأن تكون مشردًا في وطنك، عدوًا لحكومتك، ضحية الأيدي التي يُفترض بها حمايتك، لهو سبب كاف لقيام الثورات والانتفاض على الحكام. وأصبح الناس، في كل البلدان التي شهدت تلك الهبات، يرددون: {كانت العبارات التي تتردد في الأفواه، في المترو، في سيارة الأجرة، في المحكمة، في السوق، وفي الشوارع: لو بقي النظام السابق! على الأقل كنا حافظنا على الأمان الذي كنا نعيش في كنفه، على الأقل.. كان الاقتصاد منتعشًا، على الأقل.. كانت السياحة مزدهرة، على الأقل.. كانت الشرطة تسيطر وتخفض من مستوى الجريمة، على الأقل…} ص400.

ويصبح السؤال الأكبر الذي يؤرق النفوس، كما ثار في داخل «ليلى»: {هل يجب أن نموت ليحيا الوطن؟ ألا يمكن أن نحيا ويحيا معنا الوطن؟} ص417. وليصبح التغيير السلمي والديمقراطية هو الحل.

وأصبح تصرف الحكام، من بعد تلك الانتفاضات، هو: {وكانت العناوين التي تغطيها مقالات ركنها بالجريدة تكاد تقتصر على موضوعين اثنين: عنف الدولة وغلاء المعيشة! كانت ظاهرة العنف البوليسي تجاه كل من تسول له نفسه التظاهر والاحتجاج قد استشرت من جديد، وكأن حرية التعبير والتظاهر لم تعد مكفولة بالقانون، وكأن الإنجاز الوحيد قد صودر بكل وقاحة. في المقابل، تواصل الأسعار ارتفاعها بنسق جنوني، لكل أصحاب الدخل المتواضع} ص418.

الأجيال

احتوت الرواية على الكثير من الشخصيات، جاء الكثير منها كشخصيات رمزية تؤدي دورًا وتنتهي، دون أن يكون لها إلا الأثر على الشخصيات الرئيسية، والتي انحصرت في الأجيال المتعاقبة، الأمر الذي يمكن النظر به إلى الرواية على أنها «رواية أجيال»، لذا كانت الرواية أقرب إلى الروايات الكلاسيكية التي كان يقدمها نجيب محفوظ، وخاصة في الثلاثية.

وقد تمثلت هذه المراحل في:

الجدة: التي أنشأت مدرسة تحفيظ القرآن، والحفاظ على التقاليد الموروثة، رغم وجود الفكر المعتدل بين من يعملون عندها.

الآباء: الوالد «نجيب كامل» والخال «نبيل القاسمي»، اللذان عاشا الحياة في القصور منفصلين عن باقي الشعب، والمتهمان بالفساد واستغلال المواقع التي يشغلونها.

جيل الشباب:

«ليلى»، التي جمعت بين الثقافة الأوروبية وعايشت الوضع التونسي، والتي أحبت «فراس»، لكنها لم تبح بذلك الحب، ولم ترتبط به إلا فكريًا.

و«فراس»، الزوج السابق لـ«حنان»، والذي عاش يحب «ليلى»، ولكنه لا يجسر ولا يقدر على الارتباط بها.

و«أمين» و«ياسين»، اللذان تفرقت بهما السبل، وتفرقوا هم عن بعضهم، وأصبح لكل منهم قناعاته واهتماماته.

و«أمين»، الذي آمن بالديمقراطية وبحب الشعب، وتطوع في الجيش، واستشهد في النهاية.

وقد تجاهلت الرواية، عن قصد، مصير الجدة، رغم أنها لم تمت، ورغم أن الأب والخال تم سجنهما، إلا أن سجنهما لم ينل كثيرًا من اهتمامات الأبناء، وكأنهم غير قلقين على سجنهما. وليتفق جيل الأبناء، «ليلى» و«فراس»، على إقامة معرض الصور للشهيد «أمين» في مكان يراه الجميع، وكأنهم يحملون رسالة ويريدون أن تصل للجميع.

لقد بنت الكاتبة خولة حمدي روايتها على حادثة مؤثرة، لا في الوطن التونسي وحده، ولكن في الدول الخمس التي شهدت موجة الغضب والثورة على الأوضاع في الوطن العربي كله، مشرقة ومغربة، عبر الزمان والمكان والأفكار. فكان الهروب إلى ألمانيا، ومن قبلها كان الهروب إلى تأثير الواقع العربي الخاضع للأفكار الدينية والعقائدية، وكان الهروب النفسي، فعقدت المقارنات، وتجاوزت حدود اللحظة الحالية، لتقدم، عبر أسلوب سلس ومحكم، حبكة جد محكمة، أشارت فيها إلى أن موت شقيقتها «حنان» بجرعة زائدة من المخدر، يطرح فكرة المخدر الذي كان يعيشه الشعب العربي، وإن كانت قد تضاربت الأقوال حول تلك الواقعة، لتؤكد الكاتبة أن موضوع المخدر ليس إلا رمزًا أريد به تلك الحالة التي كان عليها الشعب العربي «المغيب».

فكانت عبر روايتها أين المفر وكأنها تترجم حالة الإنسان العربي، الذي أصبح لا مفر له إلا بالهروب، داخل النفس أو خارج البلاد، مثلما فعلت هي وتركت تونس للعيش في المملكة العربية السعودية، مثلما هرب الكثير من المبدعين إلى البلاد الأوروبية.

على أن الكاتبة لا تسعى إلى زرع الإحباط في قارئها بعودة الأمور كما كانت، وإنما تريد أن تقول إنه إذا أرادت تلك الشعوب أن تغير حياتها، فعليها أن تبدأ بتغيير الموروث، ونبذ الخرافات والغيبيات، واتباع الأساليب العلمية التي اتبعها الغرب، فكانت له الأسبقية، وكانت له الغلبة، وكان له الاستقرار.

 

27 / 4 / 2026

كاتب وناقد مصري. من إصداراته: شعرية السرد في الرواية دراسات تطبيقية. القراءة السياسية للقصة المصرية القصيرة، الرواية في أكتوبر 73،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع