عبد السلام فاروق
في ذكرى رحيل نجيب محفوظ، لعل أفضل ما نهديه لروحه المبدعة ألا نحيله إلى تمثال جامد نطوف حوله طوفان الوثنيين حول أصنامهم؛ فالتماثيل، مهما كان أصحابها عظماء، لا تقرأ ولا تناقش، بل يقف البعض أمامها في خشوع وتقديس وعماء.. أما الكاتب الحي في الذاكرة، فهو الذي نختلف معه ونجادله ونغضب منه أحيانًا، ثم نعود إليه من جديد.. والفرق بين التقدير والتقديس عظيم لو تعلمون..
لا خلاف على أن نجيب محفوظ قمة كبرى في الرواية العربية، وأن مشروعه الأدبي كان من أوسع المشاريع وأكثرها انتظاماً وقدرة على رصد تحولات المجتمع المصري.. ولا يحتاج محفوظ، بعد عقود من الكتابة والقراءة وجائزة نوبل، إلى محام يدافع عنه أو شاهد يثبت مكانته.. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المكانة إلى حكم نهائي على الذائقة، وكأن حب محفوظ فرض أدبي، أو كأن عدم الانسجام معه نقص في الفهم والثقافة..
حق القارئ في الاختلاف
الأدب ليس انتخابات عامة، ولا استفتاء شعبياً يفوز فيه الكاتب بأغلبية الأصوات، وقد تقرأ كاتباً عبقرياً مؤثراً صاحب فضل لا ينكر، ثم لا تستطيع رغم ذلك كله أن تجد طريقك إليه.. تقرأه بإعجاب وتحترم صنعته وتدرك قيمته، لكن قلبك لا ينفتح له ولأفكاره ولأسلوبه الباب، وهذ حق أصيل للقارئ، لا تهمة ولا جريمة..
كم من قارئ وقف أمام روايات محفوظ كما يقف أمام بناء معماري بديع؛ يتأمل الدقة والإحكام والتناسق، لكنه لا يشعر برغبة في الإقامة فيه.. وكم من قارئ آخر دخل عالمه فوجد فيه القاهرة كلها: ناسها وأزقتها وأحلامها وهزائمها وأسئلتها الوجودية.. الحقيقتان صحيحتان معاً..
ليس المطلوب أن نحب الكاتب لأن التاريخ أحبه، ولا أن نكره من لا يحبه لأننا نختلف معه؛ فالذوق الأدبي علاقة شخصية معقدة، فيها من التجربة والحساسية والمزاج بقدر ما فيها من المعرفة والثقافة.. وما يهز قارئاً حتى الأعماق قد يرسب فى أعماق باقي القراء جموداً أو هجوماً أو كساداً.. وهذه ليست معضلة الأدب، بل سر بقائه وخلوده.. التنوع والتعدد..
عين فوق المرائي
ربما كان سر عظمة محفوظ نفسه هو ما يجعل بعض القراء يشعرون بالمسافة بينه وبينهم؛ فهو روائي ذو قدرة نادرة على رؤية المشهد من علٍ؛ يراقب المجتمع، يرتب تفاصيله، يضع شخصياته في شبكة دقيقة من العلاقات، ثم يترك الحياة تتحرك وفق قوانينها القاسية؛ إنه بناء عظيم للرواية يعرف كيف يشيد العالم، وكيف يمنح شخصياته تاريخاً ومصيراً، وكيف يحول الحارة والبيت والمقهى إلى نماذج أوسع للإنسان والمجتمع.
لكن بعض القراء، وأنا منهم، لا يبحثون دائماً عن هذه العين التي ترى رؤية فوقية، بل أبحث عن عين تري مجتمعاً ما من داخله، ترتبط به وتصفه وصفاً لصيقاً أشد حميمية من أسلوب محفوظ المنمق المتحفظ.. من هنا أعترف أنني لم أحب روايات محفوظ رغم احترامي له..
ربما يرجع هذا لأنني قارئ ذو مزاج خاص؛ فأنا لا أقرأ لأشاهد الحياة من نافذة برج، بل أقرأ لروائي ينجح فى النزول معي للشارع ويخاطبني ببساطة بلا تكلف، قد يمشي حافيًا، وقد يتسخ بتراب الحارة، يتألم ويسمع السباب بكل تفاصيله الفجة، ويرى القبح وجهاً لوجه دون أن يشيح بنظره؛ كاتب يخوض التجربة بكيانه، لا يكتفي بمراقبتها من بعيد..
لقد قرأت محفوظ بتمعن وحرص؛ قرأت “الثلاثية” بنفس طويل، وقرأت “أولاد حارتنا” بفضول الباحث عن الرمز، وقرأت “اللص والكلاب” و”الطريق” و”السكرية” و”زقاق المدق”، وجلست مع هذه النصوص جلسات متكررة، كمن يحاول إصلاح علاقة باردة بين زوجين مرهقين.. كانت المسألة أشبه بمحاولة رجل تزوج امرأة لم يخترها قلبه؛ يجلس معها كل مساء، ينظر إليها باحثاً عن حب مفقود، يفتش في كلامها عن موسيقى خفية، يلمس يديها باحثاً عن عاطفة غائبة.. ثم، في لحظة صدق قاتلة، يدرك أنه كان يؤدي دوراً رسمياً، وأن القلب مهما أجبروه لن يقاد بالحبال!
أصوات من قلب المشهد
خذ يوسف إدريس مثلاً ونموذجاً؛ هناك سر خفي في أسلوبه يجعلك تشعر أن الحياة مجسدة؛ شخصياته لا تبدو دائمًا مصقولة، ولا لغته حريصة على أن تظل نظيفة الثياب؛ إنها تتعرق وتصرخ وتخطئ وتجرح وتتألم وتؤلم.. حين تقرأ إدريس، لا تشعر أنك تبذل جهداً لتقرأ، تشعر أنك تعيش اللحظة بكل تفاصيلها؛ إنه لا يصف رائحة الثوم في الحارة الفقيرة، لكنه يملأ أنفك برائحته وأنت في غرفتك المكيفة! لا ينقل كلام البسطاء، بل يجعلك تسمع أصواتهم الحقيقية: بذاءتهم، طرافتهم، ألمهم المدفون خلف شفاه تبتسم.. إدريس يكتب بسكين جراح محترف؛ ينكأ الدمل لا ليتأكد أنك تشعر، بل لتتأكد أنت من وجود التقرح المستشري.. إنه يرفض تنسيق تجربته الأدبية في صناديق وأرفف أنيقة، بل يكتب الحياة كما هي فوضوية، مدهشة، موجعة..
ومع يحيى حقي تري طريقاً آخر وتكتشف عالماً مختلفاً؛ عالماً فذاً فريداً تصنعه اللغة بقدر ما تصفه؛ ففي كتابته ذلك الاقتصاد الساحر الذي يجعل الكلمة أقل حجماً وأكبر أثراً، إنه يمنح التفاصيل العادية أبعاداً إنسانية وروحية غير متوقعة ولا تقليدية..
ثم جاءت أجيال أخرى، وبخاصة جيل الستينيات، دفعت الرواية المصرية إلى مناطق مغايرة: يحيى الطاهر عبدالله بحسّه الأسطوري وشعرية الجنوب، وعبد الحكيم قاسم بعوالمه الغارقة في الروح والذاكرة، وخيري شلبي الذي دخل إلى الهامش لا باعتباره موضوعاً للرصد فحسب، بل باعتباره وطناً كاملاً موازياً؛ له لغته وأبطاله وفلسفته الخاصة، ومحمد ناجي بعينه التي التقطت تحولات المكان والإنسان.. هؤلاء ليسوا بدائل عن محفوظ، ولا محفوظ بديل عنهم..
وهذه بالضبط هي النقطة الفيصل؛ أن الأدب ليس سباقًا لتحديد الأعظم ثم إغلاق الباب فى وجه الآخرين؛ فالرواية المصرية لم يصنعها رجل واحد، مهما بلغت قامته.. صنعها محفوظ، نعم، لكنها صيغت أيضاً بأصوات شتي غيره، بعضها جاء من الحارة، وبعضها من الريف، وبعضها من الصحراء والهامش والمنافي، وبعضها اختار أن يكسر القواعد التي أرساها السابقون.. الشجرة العظيمة لا تلغي دور الغابة الغناء بكل ما فيها من تنوع وثراء وغموض وخفاء.
ضد عبادة الأسماء
مشكلتنا الثقافية أننا لا نعرف الوسط بين الحب والكراهية؛ فإما أن نصنع من الكاتب نبياً معصوماً، وإما أن نعلن الحرب عليه! إما أن نردد أن كل ما كتبه عظيم، أو ندّعي أنه لا يستحق شيئاً من التقدير!! وهذا أسوأ ما يمكن أن نفعله بذكري كاتب مثل نجيب محفوظ..
فمحفوظ نفسه في نهاية الأمر كاتب يمكن أن نختلف حول بعض أعماله، وأن نفضل مرحلة على أخرى، وأن نجد في نصوصه ما يدهشنا وفي نصوص أخرى ما لا يستوقفنا بالقدر نفسه.. بل إن حق النقد هو أحد أشكال الاعتراف الحقيقي بالكاتب؛ لأننا لا ننقد إلا من نعتقد أن أعماله تستحق أن تظل حاضرة في الحوار والجدل القائم.. أما التقديس فلا يصنع قراءاً ونقاداً بقدر يصنع حرَساً متملقين أو عباداً فى محراب كافر.
إن الثقافة التي تخشي السؤال الذي يمس كبارها هي ثقافة تخشي من مساءلة ذاتها ومواجهة نقائصها وعيوبها.. وإني أتعجب: كيف يمكن أن نُعلم الأجيال الجديدة التفكير النقدي، ثم نطلب منها أن تتوقف عن انتقاد أسماء بعينها؟ وكيف نطالب القارئ بالصدق مع النص، ثم نطلب منه الكذب بشأن متعته الشخصية احتراماً للإجماع؟
ليس مفروضاً على القارئ أن يحب كل صفحة كتبها نجيب محفوظ.. لكن من واجبه، إذا شاء أن يختلف وينتقد، ألا يجانب العدالة والإنصاف؛ فالاختلاف الجاد ليس سباباً أو انتقاصاً من قدر أحد، كما أن النقد ليس استعراضاً للشجاعة أو تهجماً ملتاثاً، والذوق الشخصي لا يعفي صاحبه من مسؤولية الفهم..
مكانة محفوظ محفوظة دائماً
والحقيقة أن نجيب محفوظ أكبر من أن يحتاج إلى الهتاف.. مكانته لم تأت من نوبل وحدها، ولا من الاحتفالات السنوية، بل من عمر كامل قضاه في تطوير أدواته وتجريب أشكال جديدة في الكتابة، ومن مشروع استطاع أن يجعل الرواية العربية أكثر قدرة على استيعاب المجتمع والإنسان والتاريخ، لكنه أيضاً ليس الرواية العربية كلها، ولا ينبغي أن يكون..
ربما كان أجمل تكريم له أن نقرأه بوصفه جوهرة فريدة فى سلسلة متصلة، لا الحلقة الوحيدة فيها.. وأن نضع إلى جواره جواهر أخري قيمة لها أثر مماثل كيوسف إدريس ويحيى حقي، وأن نعيد اكتشاف يحيى الطاهر عبدالله وعبد الحكيم قاسم وخيري شلبي وغيرهم من الأصوات التي لم تحظ دائماً بالضوء نفسه، لا لكي نسحب البساط من تحت قدمي محفوظ، بل لكي تتسع الغرفة للجميع.. فالأدب لا يزدهر عندما نرفع قمة واحدة حتى تحجب الأفق، بل عندما نرى الجبال فى مشهد واسع رحب متصل.
إنسانيته أبقي من تمثاله
في ذكرى رحيل نجيب محفوظ، لا أقول إنه أعظم مَن كتب، ولا أردد العبارات الجاهزة التي أصبحت جزءاً من مراسم المناسبات السنوية المعتادة.. أريد فقط أن أتذكر كاتباً مصرياً كبيراً اجتهد وكتب وغير وجه الرواية، ثم ترك رواياته وأعماله مفتوحة الضلفتين أمام القراء ليحبوها أو يختلفوا معها، فربما كان هذا هو الاحترام الحقيقي له ولأعماله.. أن نمنح محفوظ ما يستحقه من تقدير، دون أن نحرمه من حقه في أن يكون موضع نقاش.. وأن نحتفي به، دون أن ننسى الذين كتبوا إلى جواره أو في ظله أو بعده، أولئك الذين لم ينالوا الجوائز نفسها ولا الاحتفالات نفسها، لكنهم أضافوا إلى الرواية المصرية نبرات ونكهات أضافت لها مزيداً من الثراء والتجدد..
نجيب محفوظ عظيم، نعم. لكن عظمته لا تعني أن نتمسح فيه ولا أن ننتقص مكانة مَن يماثلونه فى القدر، بل ربما كانت أعظم طريقة للاحتفاء به أن نواصل ما فعله هو طوال حياته، أن نقرأ، وأن نسأل، وأن نختلف، وأن نكتب العالم كما نراه، لا كما يريد لنا الآخرون أن نراه.. فالكبار لا يخافون من النقد..
والأدب الذي يخشي الاختلاف، لا يثمر عظماء، بل يصنع أصناماً وتماثيل!


















