“الوحوش دخلت البيت”..  حين يصنع الشاعر أسطورته الخاصة

محمد الكفراوي

يعمد الشاعر كريم عبد السلام إلى مد خيط التجريب إلى آخره في أعماله الشعرية التي بدأها منذ التسعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، وفي ديوانه الجديد “الوحوش دخلت البيت” الذي يحل ثانيا ضمن ثلاثية شعرية تحمل عنوان “بالادات” وهو مصطلح يعني المقطوعات الموسيقية الصغيرة داخل العمل الفني الكبير، يقدم الشاعر حالة جديدة في أسطرة الشعر، وتحويله إلى عالم من الخيال الخارج من رحم الواقع وشخوصه من البسطاء.

في مستهل الديوان، يخبرنا الشاعر أن “الوحوش دخلت البيت/ والذكريات على الشرفة/ والحب متروك في المعطف القديم …. البيت غادر البيت” ليضعنا أمام مفارقة مبدئية من خلال مفردة البيت وتنويعاتها وإحالتها النفسية لأبعاد تتعلق بالراحة والطمأنينة وفي الوقت نفسه الرعب والخطر المترتب على دخول الوحوش البيت.

وفي القصيدة الأولى يجعل القصيدة ترتدي ثوبا بلا كلمات، وينطلق من أسطورة شعبية ريفية تربط بين النخل وبين الحيات التي تسكن النخيل وتحرسه. النخلة التي في القصيدة تطرح كل أنواع الفواكه، لكنها لا تمنح ثمارها إلا لمن يضحي بروحه فتمتصها الحيات التي تحرس النخلة. وهي تيمة أسطورية واقعية في الوقت ذاته فبالفعل ترتبط النخلات في الأرياف بوجود حية تحرس النخلة وتعيش فيها وبجوارها وحولها، لكن هذه الحية في القصيدة تحولت إلى حارس أمين لخيرات النخلة التي تثمر كل الفواكه. في إسقاط مباشر على شجرة الشعر المليئة بالثمار والتي لا يحصل على ثمارها إلا من يعطيها روحه.

أسطورة بعد أسطورة، وحكاية بعد حكاية، وحالة تلو أخرى، تجعل من القصائد سلسلة عنقودية متشابكة من الأفكار المدهشة التي تنطلق ربما من تفاصيل حياتية بسيطة مثل مفردات المنزل نفسه الذي يتحول إلى غابة، أو حكايات تراثية قديمة مثل الأرنب والسلحفاة أو الخراف والضباع وأمثولتهم القديمة، أو تخرج من عمق الطقوس الشعبية مثل قصيدة “الزار من أجل الشريفة… الهواء تسلل وقبّل الباب المقدس”، وهي في الحقيقة طقس كامل من الزار لطرد الأرواح الشريرة أو لعلاج الشريفة من الهواء الذي تسلل وقبّل الباب المقدس فانتفخت بطنها، عبر استدعاء ملوك الجن ومشايخ مريدين من أقطار عدة في نداءات متصلة مثلما يحدث في الزار الحقيقي.

يصنع كريم عبد السلام أسطورته الخاصة عبر القصائد الشعرية المتتالية التي تتضمن حمولات دلالية غرائبية مدهشة قادمة من عمق الوعي الشعبي أو من ترقب التفاصيل البسيطة وإعادة توظيفها في قالب فني، مثلما يتحدث عن الزمن الذي يشرب القهوة مع الشيشة ويفكر في كيفية بناء ألف عام مقبل بكل ما فيها من أحداث وأزياء وأشخاص وحروب وصراعات، وفي الخلفية، لا ينسى الكاتب أن الزمن يجلس على المقهي، فبين الحين والآخر تظهر النغمة الطربية الكلثومية “هو صحيح الهوى غلاب”.

أما القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها “الوحوش دخلت البيت” فتنطلق من مفارقة مدهشة وكأننا في منزل عادي فيه أطفال يؤدون واجباتهم المدرسية، وفجأة يدخل الوحوش إلى البيت، لنجد أمامنا صورة أسطورية سحرية تشبه الفيلم الأميركي الشهير “جومانجي” اللعبة التي تحول البيت إلى غابة، لكن الشاعر هنا يخلق أبعادا نفسية وزمنية وحتى شخوصية مختلفة عبر استدعاء كل الحيوانات والطيور الأليف منها والجارح، وتحويل خشب المكتبة إلى أجمة  كثيفة، واستدعاء أيضا إنسان النياندرتال ليصارع إنسانا آخر من بني جنسه ثم يهزمه ويخسر ذراعه ويشير لقطيع النساء الخاصين بغريمه لكي يتبعنه، بل ويضاجع أقدم زوجات المهزوم على الأريكة المفضلة للراوي- صاحب المنزل، في مشهد مخيف يكاد يذكرنا بالرغبات البدائية المخفية في النفس البشرية.

وفي قصيدة أخرى – أسطورة أخرى، يقدم الشاعر قصة “الجميلة التي رفضت الصيف… وتزوجت الشتاء”. بعد أن كان الصيف يتودد لها ويحاول استرضاءها بكل السبل حتى أتى بالبحار والأنهار تحت قدميها، لكنه فوجئ بها عاشقة للشتاء، نعم لقد تزوجت الشتاء، و”العاشق يسقط الأمطار في شارعها / فتخرج وتحل شعرها الطويل الطويل تحت المطر… وتضحك كلما دغدغتها حبات الثلج/ ذات مرة وهي تضحك/ دخلت نقطة ماء كبيرة في فمها، فحبلت على الفور بصبي”.  فأشعل الصيف الحرائق وحوّل الأيام إلى جحيم واشترى بالذهب والإغراءات المختلفة أيام الربيع والخريف وملأها بالحرارة والقيظ حتى ينتقم من الجميلة ويجبرها على الخضوع، وظل يشرب كل ليلة ينتظر خضوعها.

الموت ثيمة رئيسية في الديوان، سواء من خلال أساطير وقصص رمزية أو تاريخية أو مزيجا بين التاريخ والأسطورة، وفي قصيدة “المراقبون… والموت المحترم” تتوالى الصور الخاصة بالموت المحتمل لأشخاص مطلوبين في السماء، هم في الحقيقة على المشاع مما يجعلهم رمزا بشريا عاما، يبحثون عن طريقة يلبون بها نداء السماء لكن دون دماء أو عنف أو ألم، هم فقط يطمحون للموت في سلام “المراقبون قالوا لنا: حتى تموتوا بسلام / لابد أن تناموا يوما واحداً دون خوف”.

وفي قصيدة “أين عظامك الضائعة يا جنكيز خان؟ أين صوتك المذبحة؟” يطرح الشاعر رؤية للجبروت البشري الذي يتهاوى في النهاية ولا يجد حيلة ولا قوة في مواجهة الموت. ففي بداية القصيدة يقول: “جنكيز خان استدعى الموت: أنا قتلت نصف سكان العالم/ والنصف الآخر مات من الخوف، أنا الموت/ فمن تكون أنت؟”

وفي النهاية وفي قلب المقبرة التي جهزها لنفسه بجوار النهر، وأمر أن يدفن معه من بنى المقبرة وزوجاته ومحظياته أحياء،  يجد نفسه يريد أن يصرخ فلا يوجد صوتاً، يريد أن يخرج سيفه ويعارك الموت فلا يجد أعصابا تطاوعه. هنا يتجلى الموت في فكرة العجز والصمت والاستسلام الكامل تحت وطأة العدم.

ويدلل كريم عبد السلام على رحابة الشعر والمساحات التي يتيحها من خيال ثري بلا حدود عبر قصيدة تنطلق من مكان واقعي جدا لكنه يظهر في النهاية، وفي البداية نحن أمام أسطورة “الشيطان والفلاح والجزيرة”، وكيف أغرى الشيطان الفلاح بالذهب وساومه ليتنازل له الأخير عن الجزيرة التي يزرعها في حضن النيل، لكن الفلاح يرفض، وهنا تظهر صورة مثالية يوتوبية للفلاح الذي “صبّح على الشمس ساعة الشروق، وخاطب القمح وطمأن الذرة، وابتسم للشعير، وأطعم البهائم وأعطى المسكين…. وربّت على الأرض بكفيه ونام مطمئنا”.

ولكن مع إلحاح الشيطان ودخوله أحلام الفلاح لإغرائه بالذهب حينا وتهديده بفقدان أولاده وبهائمه وزرعه حينا آخر، قال له الفلاح خذ الجزيرة لكن انقلها عن هذا المكان الذي يوجد فيه قبر أبي. وأعطاه الشيطان الذهب وفشل في نقل الجزيرة وحبسه الفلاح في قمقم. ومن وقتها أصبحت هذه الجزيرة “جزيرة الذهب” و”مازال أبناء الفلاح يجلسون على شط النيل/  يعزفون الناي ويقولون المواويل/ يا ليل.. يا عين”.

وفي قصيدة “ستيلا” يستعيد الشاعر قصة هذا البار الذي لا تتجاوز مساحته 6 أمتار، “وكان يحلو لرواده من المقاطيع وأهل الله والشعراء أن ينادوه بالمستنقع/ حتى يضحكوا على عم خليل/ حارس المكان/ وروح البيرة”.  ويبدأ في استدعاء الشخصيات الحقيقية من الكتاب والمبدعين والمثقفين ومعاركهم وجدالهم وطباعهم المختلفة. وهو هنا يضع هذا البار الذي لم يعد موجودا في الحقيقة داخل حجرة الأساطير التي بناها منذ بداية الديوان وزينها بقصص وحكايات من لحم الواقع ودم الخيال.

 

 

 

شاعر مصري صدر له: ـ حلم وردي يرفع الرأس ـ بعد الموتى بقليل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع