حاتم عبد الله
استيقظ مبكرًا على غير عادته، الباقي من الزمن ساعات؛ بعدها سيتمدد أمام الجراح في غرفة العمليات.. في اليومين الأخيرين، قابل كل أصدقائه تقريبًا، وهاتف القاطنين خارج القاهرة ومن لم تسمح الظروف بلقائهم؛ يلح عليه هاجس قوي بنسيان أعزاء لم يقابلهم؛ أمسك الهاتف الأرضي وضرب بأنامله على أرقام والدته ووقفت يده فجأه: «ماتت».. خضع لدوافع داخلية؛ ارتدى جلبابه الأبيض ونزل إلى الشارع، داهم عينيه مشهد كرة ترتطم بأقدام أطفال يصوبونها تارة ويزحزحونها تارات؛ توقف ينظر إلى الكرة.
فاجأته بكرة شراب، صنعتها بنفسها.. كان يلح على والده أن يبتاع له «كرة كَفَر» كالتي اشتراها زميله المقرب وتهرب منه والده كالعادة؛ أبوه يراها ترفًا لا تستحق أن تكون ضاغطًا غير محسوب على ميزانية الشهر، طلب من أشقائه الأكبر أن يصنعوا له كرة شراب بديلة لـ«الكَفَر»، لكنهم لم يهتموا؛ توقفوا عن لعب الكرة منذ استبدال ساحة بعيدة بملعب البلدة المجاور.. أخذ الكرة من والدته، لاحظ أنها صنعتها من قصاقيص أقمشة قديمة تجمعها لإرسالها إلى صاحب النول الوحيد بالبلدة، لينسج منها مَفْرَشًا؛ حبكت القصاقيص بتناسق دائري على بالونة جعلت الكرة تقفز بسهولة عند ارتطامها بالأرض، ارتدى «كاوتش باتا» مخصوص ليجربها بالبيت؛ أخذ «ينطط الكرة ويشوطها» في سعادة بالغة.
تجاوز شارع مباراة الأطفال، وأمسك بهاتفه، نقر على رقم البيت القديم، تذكر موت والدته، لكنه استمر في سماع نغمات التليفون الأرضي البعيد، والعزيز.
يهاتفها يوميًا، تصر أن تحدث صغيريه؛ خاصة الولد، تعلقت بالأحفاد الذكور لكن قلبها احتضن الجميع، يتذكر أنها كانت أكثر حُنُوًّا على البنات من أولادها، يتذكر أنه وأشقاءه كانوا يلومنها على ذلك، اكتشف منذ غادر طفولته أنها على حق.. يتذكر أنها كانت تكره انشغاله بهاتفه في حضورها؛ اعتادت أن تحكي معه طوال تواجده خلال زياراته البعيدة للبلدة.
يخرج إلى الشارع الرئيس؛ ينظر إلى العربات كأنه يراها لأول مرة، اقتحم الشارع ومجال رؤيته وصخب الشارع المعتاد، دراجة نارية سريعة؛ تمخر الأسفلت وكأنها مدفوعة بجاذبية ثقب أسود عظيم يسعى لابتلاعها؛ «بالتأكيد أن الموتوسيكل الذي صدمني كان يبرق مفاجئًا الجميع مثل هذا؛ مرق بسرعته فتجاوز الوعي والذاكرة، لم أشهد ولا أتذكر ما حدث قط، كأنني شخص آخر غير الذي كان عابرًا وقتها فتقاذفه الموتوسيكل المارق مع سيارة تريد أن تسبقه، لم أتذكر بعد الإفاقة إلا رقم هاتف أمي؛ قالوا إنهم لم يخبروها، كانت في أواخر العمر، حمدًا لله؛ لم تنتقل الصدمة إلى قلبها المريض».
تتدافع السيارات في عجلة، الكل يريد اللحاق بالعمل مبكرًا؛ إلا سيارة تتهادى ببطء سلحفاة وسط وحوش قناصة، سرعتها تتناسب مع «موديلها» القديم وهيئتها التي تشبه الخنفساء، غامت عيناه للحظات؛ وكأن صفحات دفتر ضخم في رأسه تتقلب سريعًا إلى صفحة محددة.
حملته أمه لتركب به السيارة الأجرة التي أحضرها والده للانتقال إلى بيت عروس عمه الأصغر في أسيوط المدينة؛ ركبا مع والده وعمتيه وزوجيهما، أجلسته في حِجرها، تقريبًا كانت تجربته الأولى مع استخدام العربات، تعلق بزجاج النافذة المجاورة، رأى منها كل ما في الخارج يجرون في الاتجاه المعاكس، أخذه الذعر واحتمى بحضن أمه: «ما كل هذا الخوف منا؟!.. لماذا يجرون هكذا؟!.. هناك سيارات أخرى بل أتوبيسات ضخمة تهرب منا.. كلهم يخافوننا؟!!».
اطمأن قليلًا؛ «هذه الترعة التي نمر عليها كلما ذهبنا لأقاربنا فوق الحمار أو سيرًا، وهذا الشجر الضخم فوقها.. لِمَ يجري الشجر أيضًا؟!!.. تطير فرعًا فرعًا، مقتطعة من أصلها، ثم يلحق كل جزء بأخيه تِباعًا؛ قبل أن تفر متكاملة إلى الجهة الأخرى.. هذه الأشجار مذعورة أم راقصة؟!.. رأيت في التليفزيون راقصات يكدن يطرن مثلهن؛ يبتعدن؛ يتفرقن، ثم يعدن إلى الاصطفاف».
على مسافة قريبة من مطعم شهير، يرى الزبائن أمام الطاولات وأطباق الطعام فوقها؛ يمتد بصره إلى «صينية» يبدو أنها خارجة للتو من الفرن؛ لا يستطيع تحديد محتواها: معجنات أم خضار.
كان قادمًا من مدرسته الإعدادية، حين فاجأتهم أمهم بطعام شهي في ريحته وهيئته، لم تعتد تقديمه لهم؛ كان «صينية فرن»، تضم أنواعًا عديدة من الخضار، إلى جانب قطع من اللحوم والطماطم تتخللها.. ما هذا الطعام؟!.. لم تتذكر اسمه، شاهدت كيفية طبخه في برنامج للطهي بالقناة الثانية، كانت أمّية لا تعرف القراءة والكتابة، فحفظت الطريقة من التليفزيون ونفذتها، كانت وليمة مشهودة في أيامٍ أسريةٍ دافئة.
عاد أخيرًا إلى البيت، جلس أمام التليفزيون، كان فيلمًا تسجيليًا عن صناعة الحرير؛ منذ ميلاد يرقات القز، يقول الفيلم إن «الأم تموت بعد الإنجاب مباشرة، تستهلك كامل طاقتها في وضع حوالي خمسمائة بيضة في المرة الواحدة والأخيرة دون غذاء، ثم يصنع الدود الوليد الشرانق؛ خيوط متينة ومتماسكة»، تنتهي إلى ملابس وأقمشة تصل إلى صفوة الصفوة.. كان ينظر إلى قطع الحرير البيضاء أمامه على الشاشة؛ لامعة وملساء وجميلة وجاذبة للأحلام، احتضن جسده لحظتها ملمس ناعم ومريح، مد يده وهي في ذروة تمتعها إلى الهاتف الأرضي.. قطع لحظة الهيام الأثيري، زعيق حاد قادم من مطبخ الشقة نحو أبنائه، تذكر «ماتت»، ثم سحب يده، فأصيبت وأدميت بنصل زجاج منضدة الأنتريه وهو يضم ذراعه.
تمدد على منضدة حديدية منسلًا من ملابسه إلى قميص خفيف ومفتوح يميل إلى الزرقة، دفعه أمامه عامل المشفى إلى غرفة العمليات ببطء، وسط جوقة من الاطباء والمساعدين والممرضين، يغطون وجوههم بكمامات وعلى أعين غالبيتهم عدسات طبية؛ لا يظهر من ملامحهم شيء؛ نسخ متشابهة.. مونيتور وأسلاك وخراطيم، مباضع وآلات يدوية وأقطان وشاش، وصقيع يهيمن على الجميع وينفذ إلى نخاع عظامه.. يمد عينيه إلى الباب، يكاد يجزم أنها خلفه؛ تنتظره، وقد تقتحم عليهم المكان.. ماذا لو سمحوا لها بالدخول؟!.. تستطيع أن تحادثه وتسري عنه؛ تسطيع أن تكسر وحشته في الغرفة؛ تستطيع أن تخلق بيئة للبشر وسط «المسخ» الطبي المتشابه، تستطيع أن.. إنها ماتت.. لا حس هنا إلا للصقيع.. كانوا قد وضعوا خرطومًا على منخره وفمه، فغامت دنياه وانقطع الوعي.
ـ كنت أدرك أنكِ خلف الباب، متى جئتِ؟
ـ لم أتركك
ـ كيف؟..
ـ في بيتك وعملك، في لَحْظِك
ـ إلى أين تأخذينني؟..
ـ سألدك ثانيةً
ـ إلى أين؟..
ـ إلى العودة..
ـ إلى أين؟..
ـ نحو النور.
قادته إلى أعلى.. انطلقا في تعرُّجٍ وبلا أي جهد، وبسرعة لا يستطيع إدراكها ولم يرها في دنياه؛ كانا أخف من الشعاع، دخلا في طبقات ملساء شبيهة بالسحب؛ تدثرهما كطبقات من أغطية حريرية أدرك نعومتها من قبل، كانت الأغطية صاقعة وحانية ولذيذة؛ تذيب كل الأوجاع السابقة وتمسحها كأن لم تكن.
رأى وجوهًا كثيرة لا عدد لها، لم يلتقيهم من قبل، إلا قليلًا.. عرفهم جميعًا وعرفوه؛ أحسنوا استقبالهما، متنعمون كرماء لا يخافون نفاد ما لديهم ولا يحملون نحو حوزاتهم همًا ولا يضمرون غواية التميز.. سرى خدر السعادة إلى كل خلاياه، لم تغم عيناه مع الخدر، ولم يستطع خياله المحلق تجاوز هذا الواقع المانح المبدع اللانهائي.
انطلقا بعدها نحو النور؛ ليس للنور مكانٌ محدد ولا مركز ولا منطلَق، استشعراه بكل الحواس، لم يعد يدرك: هل يتحركان في امتداد النور أم تنزّل هو حتى غَشِيَهم؟؛ الشيء الوحيد الذي كان يدركه وقتها أن الجزء ذاب في الكل، وأن المشاعر تمازجت، وأن الأرواح تلاقت وتوحدت.












