سعيف علي
مديح الفوضى
طالما توجّست من الأفلام التي تحقق نجاحات ساحقة. الصّخب الجماهيري يبدو لي في كثير من الأحيان ضجيجا يملأ الفراغ ليس إلا. أجد الفوضى التي نُعت بها فيلم “In the Hand of Dante” للمخرج جوليان شنابل — والذي أتيح مؤخرا على المنصات الرقمية بعد طول ترقب — فوضى مفعمة بالجمال، وتجربة سينمائية تعيد للفن هيبته المفقودة في زمن السلع الجاهزة والتكرار البصري الممنهج.
هذه الفوضى تحديدا هي ما يمنح العمل مشروعيته الفنية في نظري. هي ليست عجزا عن البناء. لكنها خيار جمالي واعٍ للتمرد على هندسة السرد التقليدية. قد يطلب بعض النقاد حكاية خطية واضحة المعالم. وهذا مطلب مشروع من زاوية معينة، لكنني أرى أن هذا العمل يتشكل وينساب كالوعي البشري نفسه، بكل تقاطعاته وقفزاته، وأن محاكمته بأدوات النثر الإداري الجاف تفوت جوهر ما يحاول أن يقوله. مع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه الجرأة الشكلية لها ثمن فالفيلم يطلب من متفرجه صبرا استثنائيا، وهذا الصبر لا يكافأ دومًا؛ فبعض المشاهد الانطباعية، رغم جمالها البصري، تبدو تكرارًا لفكرة سبق تأسيسها. لكن هذا الثمن، في النهاية، هو نفسه ما يمنح العمل نكهته الخاصة وهويته المتمردة.
جرح الزمن
يرفض الفيلم المقتبس عن رواية نيك توشيز. الانصياع للترتيب الزمني التصاعدي، ويختار بدلا من ذلك آلية “تدفق الوجود”؛ حيث تتداخل الأزمنة لتقتنص لحظة الخلق الإبداعي في عريها التام. نحن لسنا أمام حكايتين منفصلتين، إنما أمام جرح إنساني وجودي واحد يتكرر عبر العصور مع اختلاف الأقنعة والمفردات.
تتسلل الكاميرا إلى القرن الرابع عشر لترصد عذاب دانتي أليغييري وهو يخط أبيات “الكوميديا الإلهية”. دانتي هنا ليس الأيقونة المقدسة. هو إنسان ممزق يحاول انتشال الجمال من رماد واقعه السياسي المرير. وفي الخط الثاني المعاصر، نتابع الكاتب “نيك توشيز” الذي يعيش تيهًا أسود في نيويورك وسط عالم الجريمة والمافيا، أثناء رحلته للتحقق من أصالة مخطوطة مفقودة لدانتي.
هذا التناوب يعكس سيكولوجية الإنسان المعترض على زمنه. الوعي البشري أثناء الأزمات لا يسير في خط مستقيم. إنما يتحرك عبر قفزات فكرية وروحية ترأب الصدع بين الماضي والحاضر. الكاتب المعاصر هنا امتداد للشاعر القديم، وكلاهما يخوض رحلة عبور شاقة داخل جحيمه الخاص بحثًا عن فجر لا يأتي، وإن كانت طبيعة كل جحيم وقسوته تختلفان اختلافًا جوهريًا، وهو ما سأعود إليه لاحقًا عند الحديث عن المكان.
صراع الرّوح والمادة
على المستوى التقني، قدم مدير التصوير رومان فاسيانوف تضادا سينماتوغرافيا حادا ومدروسا. اشتغل كحامل موضوعي للفكرة الفلسفية التي يدور حولها الفيلم. فقد صور عصر دانتي بألوان دافئة غنية بالظلال والحيوية وبأبعاد شاشة ضيقة (4:3)؛ حيث يعكس هذا الضيق في الكادر مفارقة عميقة، فرغم قسوة العصر، إلا أن الإطار مشبع بالثقل الروحي وبالتوق الحاد نحو الانبعاث، كأنه عصر المادة المقهورة لصالح الروح، وكل إطار فيه كأيقونة بيزنطية تضيق لتتسع.
أما العصر الحديث المعاصر، فصور باللونين الأبيض والأسود وبأبعاد شاشة عريضة (1.85:1). هذا الاتساع الأفقي يقابله فراغ روحي وسيادة مطلقة للجشع المادي، ليكون الأبيض والأسود حكما فلسفيا على عالم فقد ألوانه الأخلاقية وتحول إلى صراع بارد بين النور والظلمة. هل هذا التباين اللوني هو حنين إلى الماضي ورومانسية للعصور الوسطى. إدانة للحاضر وتجريد له من أي ألوان روحية؟ يبدو أن الفيلم يميل إلى الخيار الثاني، لكنه لا يخلو من نظرة شفقة إلى الماضي كعصر كان للإنسان فيه، ولو وهميًا، سقف من المعنى.
تتخلل الفيلم لقطات انطباعية مقربة لحركة الضوء على الأوراق وتفتح الأزهار، تستدعي شاعرية تيرينس ماليك. غير أن هذه اللقطات ليست حشوا تعبيريا عن “التفتح الروحي”، إنما تخلق فواصل تأملية توازن بين جمالياتها ووظيفتها في شرح مأزق الخلق الإبداعي. لكن ثمة ملاحظة مهمة إذ تصبح في بعض المقاطع هذه اللقطات متكررة إلى حد أنها تفقد قوتها الأولى، وكأن المخرج يثق في جماليتها أكثر من ضرورتها الدرامية.
تمزق وبرود
أبرز الفيلم قدرة فائقة لدى أوسكار إسحاق على التنقل بين شخصيتين متناقضتين ومتطابقتين جوهريا. هما الشاعر المتأمل والكاتب الفوضوي، حيث منح كل شخصية ملامح اغترابها الروحي الخاصة. كلاهما يعاني من عقم العالم أمام رغبته في الخلق، وكلاهما يبحث عن كلمة أخيرة تمنح الألم معنى.
في المقابل، فاجأ جيرارد بتلر الجميع بتقديم أداء مركب يدمج العنف المافيوزي بالكوميديا السوداء. مما أضفى حيوية واقعية تكسر حدة الإغراق الفلسفي. فشخصيته تمثل الصخب الدنيوي وصوت المادة الذي لا يهدأ. أما غال غادوت، فقد جاء أداؤها باردًا ومتصلبًا، ورغم أن النقد السائد اعتبر هذا نقطة ضعف. إلا أنه يمكن قراءته في سياق الفيلم كدلالة على الاغتراب وعدم تحقق الخلاص العاطفي؛ فالملهمة (بياتريش) ليست امرأة ملموسة. هي فكرة مجردة يصعب الإمساك بها، والبرود الأدائي يخدم فكرة الاستحالة والاشتعال غير المكتمل. هذا لا يعني أن الأداء مثالي، لكنه اختيار مثير للجدل، ويظل متماسكًا مع رؤية الفيلم الفلسفية.
أما الحضور الخاص لمارتن سكورسيزي وأل باتشينو فيتجاوز فكرة ضيوف الشرف، ليضفي ثقلًا رمزيًا وميتاسينمائيًا على التجربة. إن وجود سكورسيزي كمرشد لدانتي . هو توقيع رمزي يربط هذا العمل المتمرد بجذور سينما المؤلف الاحتجاجية. هل يحضر سكورسيزي هنا كمرجع سينمائي (صانع أفلام متمرد) أم كمرجع ثقافي إيطالي-أمريكي (جزء من تراث المافيا والهوية)؟ قد تبدو الإجابة مركبة، لكن الفيلم يقفز على الحقلتين معا، وهذه لعبة ذكية تثري الطبقات التأويلية.
جحيم معاصر
نيويورك المعاصرة في الفيلم ليست مجرد خلفية، إنما هي نص مواز لجحيم دانتي بطبقاته الثلاث. شوارعها المظلمة، أزقتها الضيقة، وأبنيتها الشاهقة، كلها تعيد إنتاج بنية الجحيم الدائرية. لكن كيف يترجم هذا بصريا؟ في مشاهد المطاردة الليلية، نرى الكاميرا تتبع نيك في أزقة ضيقة مضاءة بإضاءة خافتة. كأنها تعيد إنتاج دوائر الجحيم الأفقية في قلب المدينة العمودية. الزوايا العلوية السينمائية تحول المدينة إلى متاهة مفتوحة، حيث لا خلاص فيها إلا بالهبوط إلى الأسفل. تماما كما يفعل دانتي في رحلته.
الاختلاف الجوهري أن جحيم دانتي كان منظمًا تحكمه عدالة إلهية قاسية. لكن جحيم نيويورك فوضوي تحكمه عدالة السوق والجريمة. هي أقسى لأنها تخلو من أي معنى متعال. إذا كان دانتي بحاجة إلى مرشد (فيرجيليوس) ليعبر الجحيم، فإن “نيك” المعاصر يفتقر إلى مرشد حقيقي. هذا الغياب تعليق بليغ على عصر فقد فيه الإنسان بوصلته الرمزية.
ايقاع متعثّر
لا يخلو هذا الطموح من ثمن. التنقل المستمر بين الخطين الزمنيين، وإن خدم فكرة “تدفق الوجود” يربك أحيانا إيقاع المشاهدة ويكسر التوتر الدرامي في لحظات كانت تستحق تصاعدا أطول. في مشهد الذروة، حيث كان من المفترض أن يتلاقى الخطان الزمنيان في لحظة كشف درامي. نجد أن الفيلم يغرق في تأمل بصري يخفف من وطأة الصدمة العاطفية التي كان يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا.
يضعنا هذا في مفارقة جوهرية. كيف نفرق بين الفوضى المنتجة والفوضى المربكة؟ الجواب، في تقديري، هو أن الفوضى المنتجة هي التي تأخذك إلى مكان لم تكن تتوقعه، بينما الفوضى المربكة هي التي تفقدك في متاهة بلا مخرج. الفيلم ينجح في الأولى معظم الوقت، لكنه يقترب من الثانية في بعض فصوله الوسطى، حيث تتكرر الإيقاعات البصرية وتضيع الخيوط الدرامية في ضباب التأمل. هذا ليس نقضًا لمشروعيته . هو اعتراف بأن الجرأة الشكلية لها كلفة، وأن الفيلم الذي يرفض إجابتك بحكاية مريحة يخاطر أحيانًا بأن يفقدك في منتصف الطريق، لا أن يأخذك معه.
لماذا نخلق وسط الألم؟
يكتب دانتي وهو منفي، ويكتب نيك في عزلة نيويوركية تحت تهديد المافيا. كلاهما يكتب وكأن الكتابة فعل مقاومة للعدم، وكأن القصيدة هي آخر حصن للروح.
لا ينشأ الجمال في الفيلم من تصوير الخلق بوصفه إلهاما ساطعا.ينشأ من عراك مع المادة ومعاناة يومية مع الكلمة التي تأبى الانقياد. يصور شنابل عذاب الكتابة في مشاهد حارة، حيث يكاد القلم أن يخترق الورق، كما أن الضوء يخون الشاعر في لحظة الحاجة. الخلق هنا ليس هروبًا من الألم، إنما احتضانه وتحويله إلى شكل. يترك الفيلم سؤالًا معلقًا، ربما كان أجمل ما فيه: هل هذا الخلق فعل يأس أم فعل أمل؟ الإجابة لا تقدم، وربما هذا هو الصدق الوحيد الممكن.
عناد الفن
يثبت فيلم “In the Hand of Dante”، رغم عثراته الإيقاعية. أن المغامرة الحقيقية في الفن لا تكمن في تقديم إجابات متماسكة. لأنه يمتلاك الشجاعة لترك الأسئلة الوجودية الكبرى معلقة في الفراغ. الأسئلة التي يطرحها عن الهوية، وعن الخلق، وعن الزمن، وعن الخلاص، لا تجيب عنها الحبكة، إذ تظل مفتوحة لتذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يريدنا أن نرتاح.
يرفض الفيلم أن يهضم بسرعة، ويترك المشاهد في حالة قلق، تماما كقصيدة جميلة لا تنتهي بنقطة إغلاق جافة. ينتهي بفاصلة تفتح الوعي على آفاق من الدهشة والتيه الروحي. هذه هي وظيفة الفن الأسمى. ألا يقدم لنا العالم جاهزا. أن يمنحنا الأدوات لنعيد بناء العالم بأنفسنا، كل حسب جحيمه الخاص وفردوسه المحتمل.
يبقى السؤال الأخير عالقا في ذهني، وأتركه مفتوحا. بعد مشاهدة هذا الفيلم، من مد يده لنا — دانتي الشاعر المتألم، أم نيك الكاتب الفوضوي الذي كانت نيويورك جحيمه، أم أننا في النهاية مجرد ظلال عابرة بين جحيميهما؟








