بسمة حسن
لم يتسنَّ لكثير من محبي السينما مشاهدة الفيلم المغربي- الإسباني “زنقة مالقة” (Calle Malaga) 2025م خلال مهرجان القاهرة السينمائي الماضي في دورته السادسة والأربعين، والذي حضرت عرضه في دار الأوبرا حينها بعد إشادات كبيرة به دفعتني على غير العادة للاستيقاظ مبكرًا لمشاهدته طازجًا في فترة الظهيرة، ورأيت أن أكتب عنه الآن بعد أن توافر رقميًّا وأتيحت رؤيته لكثير من الناس.
ولعل أهم ما يميز هذا الفيلم عناصره الشكلية التي لا يمكن أن يكتمل مضمون الفيلم من دونها، فجاء الديكور والمكياج والملابس والإضاءة والموسيقى، أدوات مكملة ورئيسة وبطلًا مشاركًا في العمل ومعبرًا عن شخصياته، وهو ما زاده وهجًا وبهجة وتأثيرًا.
مع بداية التتر لا يظهر المكان أو الشخصيات بل جلبة البائعين في سوق زنقة/شارع مالقة لنركز على صوت الحياة الضاجة في هذا الشارع، حتى تأخذنا الكاميرا برشاقة في المشهد الأول في جولة مع الشخصية الرئيسية “ماريا أنجيليس” المرأة السبعينية الأنيقة وهي تتجول بخفة في سوق الزنقة، ملقية السلام على شباب الحارة والبائعين الودودين الذين يعرفونها ويحبونها حتى إنها تسأل عن أحوال أسرهم ما يوضح عمق الرابطة التي تجمعهم على مدار السنين، بينما تُقلِّب بأصابعها التي زينها طلاء أظافر أحمر اعتادت وضعه أعواد القرفة وحبَّات اليوسفي وتختار بعضها لتصنع وصفاتها الشهية، تقترب الكاميرا من تسريحة شعرها المنمَّقة وأذنها لترينا تفاصيل قرطها اللؤلؤي، بينما ترتدي سترتها الخضراء وفستانها المزركش بالورود الملونة وتصحبنا معها حتى العودة لبيتها.
غُلفَت القشرة الأولى من سيناريو “شارع مالقة” بقصة تقليدية هُرست وقتلت تناولًا في أفلامنا العربية، وهي رغبة الأبناء في الحصول على إرثهم بعد وفاة أحد الأبوين في أجواء كئيبة لم يخفف وطأتها سوى “شغب” الست ماريا، إلا أن المختلف في هذا الفيلم هو كيفية تناول شخصية “ماريا” المرأة الهرمة التي بنظرة تقليدية بلهاء لها فقد أصبحت الآن فاقدة للأهلية، لا يمكنها أن تعيش بمفردها، لا يمكنها أن تحب، لا يمكنها أن تختار وتقرر وتحدد مصيرها وطريقة حياتها، وليس لها مكان سوى دار مسنين، إلا أن الفيلم حطَّم هذه الرؤية وجاء عكس ذلك تمامًا وهنا يأتي تميزه فقدم نسخة مبهجة لحياة كبار السن.
تدور أحداث الفيلم حول “ماريا” امرأة من أصول إسبانية في خريف العمر لا تخلو من المرح والصحة تعيش في طنجة بالمغرب بعد استقرار جالية إسبانية بها منذ وقت طويل هربًا من حكم فرانسيسكو فرانكو، تُفاجأ برغبة ابنتها المأزومة ماديًّا ونفسيًّا العائدة من مدريد “كارلا” في بيع شقة أبيها والحصول على إرثها، تلك الشقة التي تمثل كل شيء لهذه الأم الحب والذكريات والأمان، تعرض الابنة عليها السفر معها إلى مدريد أو المكوث في إحدى دور المسنين بطنجة، ولكن هذا العرض لا يعجب الأم المشاكسة ترفض “ماريا” السفر، وعلى مضض تذهب للدار ولا يمر وقت طويل حتى تفتعل فيه المشكلات ثم تقرر وضع خطة ذكية طريفة للهروب من الدار والعودة لمنزلها، واسترداد كل قطعة أثاث فيه اضطرت لبيعها تحت ضغط الابنة، ورفض التفريط في بيتها الذي يعني لها الحياة.
قام ببطولة الفيلم كارمن مورا (Carmen Maura) في دور “ماريا”، ومارتا إيتورا (Marta Etura) في دور “كارلا” ابنتها، مع كل من أحمد بولان (Ahmed Boulane) في دور “أبسلام”، وماريا ألفونسا روسو (María Alfonsa Rosso) في دور “جوزيفا”، وهو تأليف المغربية مريم توزاني (Maryam Touzani) بالاشتراك مع زوجها نبيل عيوش (Nabil Ayouch) وإخراجها أيضًا، ورُشَّح لجائزة الأوسكار في نسخته الثامنة والتسعين لعام 2026م لأفضل فيلم روائي دولي تمثيلًا عن المغرب.
تلك النزعة المتمردة لكبار السن لم نعتدها في سينمانا الشرقية التي تظهر المسنين ضعفاء قليلي الحيلة وترسلهم إلى قبورهم وهم على قيد الحياة، بينما وجدت بشكل أكبر في السينما الأمريكية والأوروبية، التي انطلقت فيها سلاسل خاصة بأبطال تجاوزوا الثمانينات يتمردون على وصايا الأبناء الحمقاء بالجلوس والمكوث في المنزل وتحجيم تعاملاتهم وعدم الخروج والتحرك بزعم الخوف على حياتهم وهم في الحقيقة يتركونهم في انتظار الموت، ولعل هذا ما يميز “زنقة مالقة” الذي تمرد على هذه النظرة القاتمة لحياة كبار السن فقدم نسخة جديدة لامرأة في أواخر السبعينات من يراها ويرى ابنتها يدرك جيدًا من يمتلئ بالحياة ومن يفتقدها.
في مشهد الاصطدام الرئيسي بين “ماريا” و”كارلا” حينما تطلب منها السفر معها لمدريد، تبدي “ماريا” تعجبها من الطلب وتسألها مستنكرة كيف لها أن تترك المكان الذي عاشت فيه طوال هذه السنين وسكن روحها وتشعر فيه بالحياة، جاء رد الابنة بأنها ستعيش كجدة بجانب أحفادها تقضي الوقت معهم، وكأن هذه المرأة لم يعد من حقها أن يكون لها حياتها الخاصة والحرية في أن تحياها كيفما تشاء.
ساعد مكياج الشخصيات وملابسها وإكسسواراتها في الفيلم على بيان الفارق الواضح بين طاقة الأم وحبها للحياة وتفكيرها الإيجابي في كيفية حل مشكلاتها، وبين النظرة المتشائمة للابنة التي لا تجد أمامها سبيلُا سوى تخريب حياة أمها التي ترى فيما تفعله مبالغة لا تليق بامرأة في مرحلة الشيخوخة، فبينما تعج “ماريا” بالحياة ومفعمة بالحيوية وتتمتع بعينين لامعتين وتهتم بمظهرها وأناقتها وتضع زينتها وطلاء أظافرها وترتدي ملابسها الملونة وترى أنه لا بد وأن لكل مشكلة حلًّا، تبدو الابنة أمامها فاقدة الثقة في نفسها شاحبة تمامًا دون زينة ترتدي ملابس قاتمة، غلب يأسها عليها فانطفأت ولم تعد ترى بصيصًا من نور فافتقدت للحياة وهي في أوج شبابها.
في مشهد يوضح تلك المفارقة قبل احتدام الصراع بينهما ويمهده، يخرجان معًا لتناول القهوة، تطلب “ماريا” حلوى تلتهمها بشراهة ومتعة بجانب مشروبها غير آبهة بعواقب تناول الحلوى لامرأة في مثل عمرها، بينما تكتفي “كارلا” بفنجان قهوة يبدو أنه سادة، وعندما تقترح عليها “ماريا” أن تأكل بجانبها الحلوى الإسبانية (توكينو دي سييلو) التي اعتادتا تناولها تبدي رفضًا، وحينما تنظر إلى أظافرها تقدم عرضًا بتزيينها فترد “كارلا” بأنها لا تحب ذلك، تدرك “ماريا” موقف ابنتها وتنصحها بأنها يجب أن تعيش شبابها كما يجب مهما صعبت الظروف، حينها يبدو الغضب المبطن على ملامح “كارلا”، لتؤكد “ماريا” بتحدٍ في نهاية المشهد أنها ستستمتع بحياتها حتى آخر لحظة فيها.
عبَّر أثاث منزل “ماريا” أيضًا عن شخصيتها المبهجة والمفعمة بالحيوية، فيمكنك بالنظر إلى الثريا الكبيرة المضيئة المعلقة في صدر البيت التي تتدلى منها لآلئ ملونة، والورود الحمراء التي تملأ شرفتها وتعتني بها يوميًّا، وفضيَّاتها وكرسيها الخشبي العتيق الذي تجلس عليه يوميًّا بجانب فونوغرافها للاستماع لموسيقاها المحببة، أن تعرف صفات تلك الشخصية التي اكتست روحها قبل جسدها بالألوان والحياة.
قادت تلك الروح المحبة للحياة التي تمتعت بها “ماريا” لأن تجد الحب مع تاجر التحف (أبسلام) الذي أعجبه تحدي تلك المرأة وحيويتها وتمردها وتمسكها بذكرياتها وأثاث منزلها، فبعد أن اضطرت لبيعه رغمًا عنها، عادت مرة أخرى لتجمع قطع الأثاث واحدة واحدة، بعد أن ابتكرت طريقة لجمع المال، فاستردت ثريتها الملونة وحجرتها وأسطوانة الموسيقى التي تحبها والتي ساعدها في الحصول عليها بعد أن باعها لتاجر آخر لتبدأ قصة حبهما، وفي مشاهد طريفة تجمعها مع صديقتها الراهبة “جوسيفا” تحكي عن شعورها بأول ممارسة لعلاقة حميمة بعد اثنين وعشرين عامًا منذ وفاة زوجها وكأنها شابة تروي تجربتها الأولى في الحب.
وكما انتصرت العناصر السابقة لتفاصيل حياة هذه المرأة منزلها، وشرفتها، وطعامها، وملابسها، وزينتها، وأقراطها وحليها، انتصرت الكاميرا أيضًا لتفاصيل جسدها فحرصت على رصدها بلقطات قريبة لأذنيها، وعينيها، وأظافرها، وعروقها البارزة، تجاعيدها وملمس جلدها المتعرج، لتعلن عن جسدها كاملًا في مشهد حميمي يجمعها برفيقها الجديد، أصرت المخرجة عليه رغم تردد بطلة الفيلم لتؤكد أن الشيخوخة ليست عيبًا يجب الخوف منه أو تخبئته.
تقول مريم توزاني عن تجربتها إنها أرادت الخروج عن التصورات المحدودة للشيخوخة في السينما وتقديم نموذج مليء بالطاقة وحب الحياة والتفاؤل بالمستقبل وهو ما نجحت فيه بالفعل، لكننا لا نزال في حاجة لمزيد من هذه النوعية من الأفلام الباعثة على الأمل في وقت تزيد فيه الأعباء والضغوط والصعوبات يومًا بعد يوم، ولا سيما كبار السن الذين من حقهم أن يحيوا حياة مشعَّة ممتعة كاملة دون نقصان أو خجل من النظرة المجتمعية، ويجدوا من يعبر عنهم وعن رغباتهم تلك على شاشة السينما.








