عبد المنعم أديب
ليس أصدق من أن يُعبر صاحب القضية عن قضيته، أن يرسم ملامحها وملامحه حيالها، أن يخط حدودها وحدوده فيها، أن يبلور لُبَّ رؤيتها، وكيف استقرَّت في قلبه وعقله.. ثم يلتقط له صورة رصد، وتذكار محبة؛ لتحفظها ذاكرة الصورة، وحافظة الحكايات. وهذا ما تحقق في فيلم “حمام سخن”؛ الذي وضع الريشة في يد الفنانة “منال خالد” لتضرب بها على شريطها السينمائي ضربات قوية الملامح رقيقة السمت، لتُودِعَها رؤية الجانب الأنثوي لحكاية القهر؛ السياسي والاجتماعي.
فيلم “حمام سخن” صدر منذ عام 2021م، وتدور أحداثه قبل عِقد من هذا التاريخ. لكنَّه فيلم إنساني صالح لعبور حاجز الزمن، قادر على منح تجربة مشاهدة جديرة بالتأمُّل؛ خاصةً في ظل ندرة الأفلام الحقيقية الجادة في الأفق الإبداعي المصري. شاهدتُ هذا الفيلم في عام صدوره، وأردت الكتابة عنه منذ لحظة مشاهدتي. لكنْ شاءت الأقدار أن أؤجِّل الكتابة خمس سنوات كاملات؛ فأعدت تجربة المشاهدة، وكم سعدتُ بإعادتها! .. صرت أشد سعادةً بإيجاد فرصة للتعريف بتجربة فنية حقيقية، قد تعمى عنها عيون الكثيرين، في ظل تعتيم مقصود وغير مقصود.
فيلم “حمام سخن”، الذي أخرجته وأنتجته “منال خالد”، وكتبته الصحفية “رشا العزب” بالمشاركة مع مخرجته؛ فيلم درامي طويل، متعدد القصص. يحوي ثلاث قصص؛ تكاد تتساوى فيه القصتان الأوليان في المساحة، وتحتل القصة الثالثة أربعين بالمائة من الشريط السينمائي. وهنا لا بد من التفريق بين شريط طويل يضمُّ ثلاثة أفلام قصيرة، وشريط فيلم واحد يضمُّ ثلاث قصص مُتضامَّة مُتعاضدة تُكوِّن جسده. وفيلمنا هذا من الصنف الثاني، ولا بد لإدراجه تحت الصنف الثاني من البحث عن المشترك الذي يضمُّ القصص الثلاث، لتصير فيلمًا موحدًا.
بالتأمُّل العميق في قصص الفيلم، نجد الكثير من المشتركات التي مثَّلتْ الأعمدة الراسخة في بناء الفيلم. فكلُّ القصص ذات إطار زمني واحد؛ حيث تدور في الأيام الأولى المتعاقبة من الثورة المصرية “ثورة يناير 2011”. وهذا الإطار أحدث لُحمةً وتوحُّدًا في البناء الفيلمي؛ حيث لا يكاد يُفرِّق المشاهد بين القصص زمنًا. وكلُّ القصص تتناول قيمة “القهر” سياسيًّا أو اجتماعيًّا، عارضةً الكثير من مظاهره في الأحداث. وكلُّ القصص تشترك في موقف “الحصار” وشعور “المطاردة”؛ فالقصص الثلاث تناولت حكايات مُطارَدات من الشرطة، ألجأتهُنَّ المطاردة إلى الحصار في ثلاثة أماكن مختلفة. وكلُّ القصص تشترك في المنظور والأفق النِّسويّ؛ من حيث الرؤية، وبُؤر التركيز، ومجريات الصراع، والبطلات.
وكلُّ القصص مذهبها واقعي؛ أقصد هنا واقعية الإطار الحدثي -إلى حد تأريخه-، وواقعية الأحداث والمواقف، وواقعية الحوار، وواقعية أماكن التصوير. وكلُّ القصص تُكرِّس جهودها لإبراز فساد الشرطة المصرية في ذلك الإطار الزمني. كما أن الجوَّ المخيِّم على خلفية القصص هو جو الثورة والتمرُّد، وقد اختارت المؤلفتان أن يؤخِّرا شعور الثورة، وجو التمرُّد خطوةً بل خطوات إلى الخلفية المُبطِّنة للأحداث؛ لأنهما قدَّما شعورًا آخر هو الحصار، بما يعنيه الحصار من الضيق والخوف والترقُّب والانكماش واللهاث، وبما يدفع إليه من تصرفات مندفعة هائجة طائشة.
وهنا، يكمن لبُّ الفيلم في فكرته وشعوره؛ أن حصار الشخصيات في الفيلم لم يدفع إلى تلك التصرفات التلقائية من الاندفاع الجنوني، والطيش، وإبراز السيء في الداخل الإنساني. بل أثمر الحصار في الفيلم عن مواقف مباينة تمامًا؛ مواقف التعاضد والألفة والتسامح. هذه المواقف التي تبين عن الجوهر الحقيقي للشخصية المصرية، وللسيدة المصرية.
لقد استخدم الفيلم هذا الشعور بالألفة المتولّد من الضغط اللحظي؛ ليظهر آثار التضامن الاجتماعي في وجه القهر. ويُحسب للفيلم عدم اكتفائه بإظهار القهر المسلط على النساء، بل أعرب عن مظاهر القهر الاجتماعي عامةً. لعلَّ أظهرها القهر السياسي العام في الدولة، الذي ولَّد الثورة، والقهر الهائل من الشرطة المصرية الذي مارسته على الجميع مما يقع تحت طائلتها. كذا القهر على الرجال المقهورين من الظروف، بل على رجال الشرطة الأقل رتبةً أنفسهم المقهورين من الأعلى رتبةً، المُهانين المُنكَّل بكرامتهم في هدوء وبساطة؛ وكأنها طبيعة الدنيا! .. باختصار، أظهر الفيلم كيف يمارس المجتمع كله القهر في صورة دائرية معاد تصنيعها صالحة للاستخدام والتصدير!
ولعلَّ مكمن إنسانية الفيلم هو صعوده من دائرة النسوي إلى دائرة العام الإنساني. ولعلَّ صلب شاعريته هو كيفية توليده الرأفة واللين والتضامن، من دوائر القهر والمطاردة والحصار.
وقبل الفراغ لكل قصة، أذكر أشياء أخرى مشتركة في البناء الفيلمي في القصص جميعًا. أولها أن أماكن التصوير حقيقية (محل هواتف، عمارة سكنية، حمام بلدي)، وثانيها أن التكوين الفيلمي جاء مقتصدًا بما يلائم قصر مدة العرض؛ سواء على صعيد التعريف بالشخصيات أو الحوار بينها. وثالثها أن الفيلم استخدم المونتاج الصوري لاستدعاء أحداث الثورة (خلفية الأحداث)، أو للانتقال بين القصص الثلاث. ورابعها أن الفيلم يظهر رجال الشرطة أجسادًا وحسب، مع تجنب إظهار وجوههم ما أمكن. والسر في هذا أنه يريد تجريدهم من شخصانيَّتهم، ويقدمهم في صورة “ذوات قاهرة” وحسب، ولا يخفى الدور الهائل الذي يُناط بالوجه في تحديد هُوِيَّةٍ وشخصية مستقلة لكل إنسان. وخامسها الإبداع التمثيلي الذي شمل فريق الممثلين جميعًا؛ حتى لَيصعب خصُّ أحدهم بالذكر. وإنْ برز دور الفنان الحقيقي “أسامة أبو العطا” في بث الرُّوح في القصة، وإصباغ الواقعية عليها في يُسر تام؛ كذا الفنانات منى مختار، ورجوى حامد، وكارولين خليل، وزينة منصور.
أما سادسها -وهو أشدها تميزًا- شريط الصوت في الفيلم الذي صممه “محمد فوزي”. فقد اعتمد الفيلم بذكاء شديد على التغذية السمعية من التلفاز والراديو عاملًا أساسيًّا في وضع المشاهد في قلب الأحداث، وتعريفه بخلفياتها، أو في نقل القصة إلى أخرى. وفي سبيل ذلك، أُدرجتْ الكثير من المواد الإخبارية المُتلفزة، والمواد الإذاعية، وبعض الأغاني والأفلام. وفي الفيلم استدعاء رمزي؛ حيث تظهر -مرئيةً ومسموعةً- لقطات من فيلم الكرتون الشهير “مولان”، بما يستدعيه من دلالة نسوية، في ظل القصة الثانية.

القصة الأولى: سؤال المواطنة، وشعور الثقة
تدور القصة الأولى ليلًا إلى الصباح، في يوم 25 يناير، كما أبان دفتر صاحب المحل. وتقع أحداثها في محل هواتف في ميدان التحرير أو في محيطه. ونرى فيها شخصيتين رئيسيتين: صاحب المحل الذي ما كاد يغلق محله إلا وشابة تقتحم عليه المحل طالبةً التحدث في الهاتف. وقد عرف صاحب المحل، من حوارها مع أمها، أنها من الشباب المحتجين الذين قلبوا اليوم رأسًا على عقب، ونشروا رجال الأمن في كل مكان. ثم تطلب منه الانتظار في المحل، فيُفاجئها بسؤال: “أنت مسلمة ولا مسيحية؟” .. ترتبك الشابة، لكنْ تطغى عليهما اللحظة المتسارعة؛ فنلتقي بشخصية أمين الشرطة الذي يطارد الشابة. ثم نشهد كيف آواها صاحب المحل، وتستَّر على أمرها من الأمين.
والقصة دائرة حول سؤال المواطنة، الذي تبلور في تحرِّي صاحب المحل لديانة الشابة. والملخص للمعنى أن المطاردة ألجأت الشخصيتين لطرح الثقة لحظيًّا في بعضهما، ثم إلى استرداد الثقة والتوحد أمام غول القهر المتمثل في شخصية أمين الشرطة، ومَن وراءه.
وتبدو الكتابة في منتهى من الذكاء، حين سأل صاحب المحل أمين الشرطة عن سبب الاحتفال بعيد الشرطة، فلم يحر الأمين جوابًا. ثم أتاه رد بارع ساخر من صاحب المحل. والإضاءة التي صممها “محمود لطفي” مدير التصوير في القصة مميزة جدًا، فقد اعتمدت على الإضاءة الواقعية، دون أية استزادة من مصادر تفسد واقعية المشهد. وقد لجأت المخرجة والكاتبة في القصة إلى حديث النفس وبعض الحوارات الذاتية لإبراز المعاني وتوفير المبررات لشخصياتهما.

القصة الثانية: سؤال ضغط الحياة، وشعور الأمومة
تدور القصة الثانية عصرًا إلى الصباح، في يوم 27 يناير، كما أبانت نشرة الأخبار المذاعة على التلفاز. وتقع أحداثها في عمارة سكنية قديمة في منطقة غير محددة، لكنها تشبه عمارات وسط المدينة. ونرى فيها ثلاث شخصيات رئيسية: الممرضة “نعمة” صاحبة المنزل، التي يكاد مالها ينفد، وهي مطالبة بالكثير من الضغوط والأعباء المادية (حديث النفس عن مطالبة صاحب العمارة، وحديثها عن شراء الطعام للبيت، ولقطة تبرز 20 جنيهًا هي آخر ما في يدها من مال). وواضح غياب الزوج عن حياتها؛ الذي ألجأها إلى مواجهة كافة الأعباء وحدها. ونرى “نعمة” تخرج إلى العمل لتتقاضى أي أجر متأخر من مشفاها، على أمل سد عجزها عن الإنفاق. والشخصية الثانية هي ابنتها الطفلة فرح التي تشاهد التلفاز، وتعترض بدورها على تصفيف أمها لشعرها بهيئة معينة. وتبدأ أحداث الحصار مع الشخصية الثالثة السيدة المُطارَدة من الشرطة، لأنها سبَّت أحد الضباط، والتي تختبئ في فناء العمارة، فيوصد أمين الشرطة باب العمارة بالأقفال، ليحافظ على طريدته لحين فراغهم لها.
تصور القصة مبررات الثورة في شخصية الممرضة التي لا تكاد تقدر على كفاية بيتها، في ظل ضغوط الحياة وشدة عبئها الكامن على المواطنين. ثم تبرز هذا الجانب الأمومي الآسر الذي تولَّد من حديث السيدة المطاردة مع الطفلة الصغيرة؛ كيف حوَّل هذا الجانب الأسر والحصار إلى موقف ألفة وشفقة في غاية الرقة.
وقد اعتمدت القصة على مشهد رمزي لطيف. نطالع فيه “نعمة” وهي تنظر في المرآة لآثار تغضُّنها مع السنين، وفي الخلفية صورة قديمة لها تخلو من التجاعيد والتغضن. وفي الوقت نفسه نسمع صوت المذيعة تنقل لنا الثورة على الحكم المستمر منذ ثلاثين عامًا؛ فكأنها تجاعيد الثلاثين عامًا التي يصرُّ الثوار على إزالتها.
كما اعتمدت القصة أيضًا على حديث النفس في سد الفجوات الدرامية، وتقديم المبررات. وكذا أجاد مدير التصوير “طارق حلمي” في تقديم إضاءة طبيعية وواقعية للمشاهد، وفي التصوير من وراء حديد باب الشقة، الذي بدا ذا بُعد رمزي؛ حيث الطفلة حبيسة في الشقة، والسيدة المتظاهرة حبيسة على السلم. وفي لقاء الحبيستين تتولد الأمومة والتعاطف، وتنبع الشفقة.

القصة الثالثة: سؤال الآمال المحطمة، وشعور التضامن
هذه أكبر قصة على الشريط، وبها سُمي الفيلم. تدور القصة في ساعات العصر، يوم 28 يناير (جمعة الغضب)، كما أبانت نشرة الأخبار. وتقع الأحداث في حمام بلدي من تلك الحمامات الموجودة في وسط المدينة. نرى فيها خمس شخصيات: صاحبة الحمام “فوزية” التي تعاني من قهر الضابط الذي يستغلها -بأغراض وطرق لم تفصح عنها-، والعاملة السابقة في الحمام، والتي صارت تعمل في الأفلام “زهرة” أو “سالي” (تمَّ نداؤها بالاسمين في القصة. ولعلَّ سالي هو اسمها بعد التغيير)، وتظهر شخصيةً طموحةً حققت حلمها، وتريد الاستعلاء على صديقتها الأخرى؛ المحبطة التي ما تزال عاملة في الحمام “رباب”، والتي تنقم على الأولى حالها الآن.
ثم نشهد الشخصيتين الثوريتين: “سلمى” الشابة الصغيرة المُحتجَّة التي تقص شعرها كالذكور، و”جيهان” السيدة الناضجة المحجبة المطلقة، التي تنقم على كل ظروفها الاجتماعية (خاتم الطوارئ)، والاقتصادية، والسياسية العامة. كلتاهما خرجتا في ظروف مختلفة، لكن جمعهما بطش وقهر الضابط نفسه الذي يستغل صاحبة الحمام. فحبسهما في الحمام إلى أن يعود إليهما.
وهكذا اجتمعت خمس شخصيات ذوات آمال محطمة، كلهن يشعرن بالخيبة -لسبب ولآخر-، تجمعهن جدران الحمام، والقاهر المشترك، وترقب اللحظة الثورية. إلى أن يقررن جميعًا التضامن حين سماعهن نداءات الثوار:
بلدي .. العيشة مرار
بنقولها قوية .. فين الحرية؟!
اصحوا يا جدعان .. دا الشعب جعان
وفي هذه القصة، نجد عمقًا للشخصيات أشد من الأوليَيْنِ، ونجد تنوعًا في الشخصيات والدوافع والمبررات. كما نجد تغيرًا واضحًا في نمط الإضاءة على يد مدير التصوير “Zbigniew Rybczynski”؛ حيث الاعتماد واضح على الإضاءة الصناعية، وتنوع مصادر الإضاءة. كما نشهد تغيرًا ظاهرًا في المعالجة اللونية في القصة.
ولجأت القصة إلى لقطة رمزية؛ حيث نرى “سالي” الساعية للنجومية ناظرةً في مرآة مكسورة، فتعي ساعتها أن لها وجهين وعينين. فتنكسر حينها، وينطفئ البريق الزائف الذي بدا عليها.
أما عن ألمع مشاهد القصة -والفيلم كله-، فهو المشهد الأخير. وهو مشهد رمزي بعيد المعاني. حيث نرى النسوة مجتمعاتٍ متحلِّقاتٍ حول الحمَّام، يتناقشن في مصير الثورة. ونسمع فجأةً أغنية الفنانة “شادية”: “إن راح منك يا عين .. هيروح من قلبي فين”. وهن يغنين بقوة، في أداء متصاعد “دا القلب يحب مرة .. ميحبش مرتين .. ميحبش مرتين” .. ثم تسأل “جيهان”: “تفتكروا هنعرف نوصل للشارع تاني؟!” .. ثم يكررن المقطع “دا القلب يحب مرة .. ميحبش مرتين .. ميحبش مرتين” .. والكاميرا تصعد إلى سقف الحمام؛ حيث بقعة النور المُسلَّطة الواهبة الضوء للمكان كله.











