عايدة محجوب
إضبارة رقم/3
الحالة/ أم المديرة الابنة، الحاجة نفازه، ابنة الحاجة رضية، من نسل الحاجة مبروكه.
حيثيّات الزمان والمكان/ أثناء تناول وجبة الغداء مع أم رحيّل في بيتٍ على رأس القاره.
المناسبة/ رفضت الابنة الثلاثينية الجلوس مع الضّيوف مراعاةً للعادات البدويّة، ومنع انكشاف البِكر على الغرباء، وأيضًا نظرًا لحالة الإنكار الشّديدة التي تتلبسُ الفتاة الغضوب.
لم تقل شيئا، فقط نظرت إلى الساعة ثم مشت. كانت الأصوات العالقة في أعماقها تُجبرها على العراك يوميًّا وافتعال المُشاجرات مع من يعملُ لديها. على الإفطار لم تقل صباح الخير؛ فمزاجها العكر لا يتحمل التفوه بكلماتٍ روتينيّة لا مجال لها. تناولَت الفتيتة بالحليب وسط تذمّرها غير المكترث بمجهود أمها لمجرد أن الحليب أرخى وجهًا كريميًّا على سطح الإناء. صوتها يهدر: “حتى الفتيته تفشلون في إعدادها”. صوّبت أمها نظراتٍ ناحيتها تنذرها فيها من موجة النّكد غير المُبرّر، وتأمرها بصمتٍ أن تهدأ وتبلع نوباتها الصّباحية، حتى تُداري موظفيها، وترحم رجفتهم التي يتخبطون فيها عندما يكون مزاج المديرة ابنتها عَكِرا.
اكتفَت بتناول معلقتين من الفتيتة الباردة، ثم أزاحتها جانبًا، وصفقت الباب خلفها بعنفٍ وهي تخطو أولى خطواتها الصّباحية تجاه العالم. ركبت سيارتها البيجو 505 التي ورثتها عن أبيها غير عابئة بالموديلات الجديدة. وضعت شريط الأغاني المفضل للمطرب “بوعبعاب”، تُريد المحافظة على ذاكرتها مع أبيها وتجديدها كل يوم؛ لتقِيَها فراغ الأيام من بعده، وتُبقيَه معها أطول وقت.
لكن الأصوات اللّاهثة داخلها تنفر من الفكرة، والأشخاص أصحاب المشاكل لا ينقرضون، يركب بجوارها المسؤول عن معلف الأبقار، ليشتكي لها من تقصير الطّبيب البيطري الذي أهمل مسؤولياته ولم يُحضِر الدّواء المطلوب، فأصاب العجول مرضٌ سيكلفها مبلغًا طائلًا للعلاج. كالت السّباب للمسؤول والطبيب وهي تضرب بعنف على مقود السيارة. وعندما نطقت جاء صوتها عميقًا كفحيح الأفعى “أنتم لا تنفعون بنكلة، حفنة من البهائم لا تعرفون إدارة أمورها، فما بالك بالمزرعة كاملة”.
فَرْمَلت السيارة فجأة وطلبت منهُ النّزول وأن يختفي من أمامها. كان استعادة هدوئها أمرًا عسيرًا فقرّرت تغيير مسار السيارة وذهبت لطريقٍ لم يُعبّد، فصار وقع عجلات السيارة على الحصى وتمايلها يمينًا ويسارًا يُشتّت أفكارها. حينها ظهر المهندس الزراعي أمامها وبنظرةٍ واحدةٍ من عينَيها عرفت أن المصائب تنهمر من جسده الـ…! كيف يكون بهذا الجسد الممتلئ بالشّحم واللّحم ويفترض به في الوقت نفسه أن يمر على جنينة المانجا والموز وهي مساحات شاسعة تتطلّب التحرّك طوال اليوم؟ لو كان فيلًا لأصبحً رشيقًا! يبدو أن جسده يفضحُ تخاذُلَه. كان مرتبكًا وقطرات العرق تنزّ من جبينه لم يُلقِ التّحية، بادر بالقول مسرعا: “نحتاج للأموال فورا”. تقاعس العمال عن حقن أدوية التسميد في المياه الخاصة بالدورة الأولى من الزراعة، فانتشرت الأمراض في قلب الموز، وأثّر على جيل الأمهات، أما المانجا فتساقطت الحبات على الأرض ولم يُغلّفها أحَد.
كادت أن تُلقي عليه كوب الشاي الذي في يدها، لكنّها تراجعت احترامًا لكبر سنّه ليس إلّا، لكنها واكتفت بالتّقريع، “هل أنتَ شيخُ منصر؟ أم مهندس؟” صاحت في وجهه: “مسؤولية من تلك المهام الإشرافية؟”. طلبت منه الترجّل من السيارة وترك المزرعة نهائيًا، وعقلُها الذي لا يهدأ يبحثُ عن حيلةٍ لعلاج تلك المشكلات المتراكمة. هل تذهب للسّت مرزوقة وتسألها إدارة مشاريعها الزراعية؟ إنها تثقُ في حنكتها وإدارتها الصّارمة كمن يدير منزلًا يمشي على عقارب الساعة، لا تريد التّعامل مع فَشَلةٍ مرّةً أخرى على حدّ قولها، فهي لم تجِد الأموال في الشارع. فكّرت في استثماراتها وشركة الأسمدة التي نهبَ عاملٌ “ابن حرام” البضاعة المتكدّسة داخل أحد المخازن، حتى قرّرت تغيير طريقها الصباحي والذّهاب إلى السيدة مرزوقة لتعرض عليها العمل. فطِنت إلى الطّرق المُتعرجة التي تؤدّي إلى بيتها وهي تتذكّر الحارات بصورة مغبشة. أخيرًا وقفت أمام بيتها. رأتها من مسافة بعيدة تقفُ أمام سيارةٍ نصف نقل مزدحمة بالأنفار الذين يشتغلون في المزارع. كان الازدحام خليطًا من وجوه الفتيات والفتية الناعسة الذين أتَوا من قُراهم البعيدة للعمل. استغربت السيدة مرزوقة تلك الزيارة غير المتوقعة وطلبت من السائق إيقاف موتور السيارة توفيرًا للديزل. لأوّل مرّةٍ في ذلك اليوم انفرجت أسارير المديرة الابنة عن ضحكةٍ خِلافًا لمزاجها العَكر. “صباح الخير يا ست مرزوقة صاحبة اليد الخضراء”. رفعت السيدة مرزوقة حاجبها الأيسر مستغربة: “صباح النور أهلًا وسهلا، خير يا طير!”
ردت قائلة: أحتاجُ منكِ معروفًا قبل أن يكون طلبًا.
ردّت مرزوقة بصبرٍ فارغ: “أسرعي وقولي ما عندك فيومي مزدحم، وأنت ترين أمامك السيارة منتظرة”.
حكت لها في عُجالة موقفها من الأعمال وأنها تحتاج إلى خبرتها في الإدارة. ردت مرزوقة: “أعرف أنك في نهاية الطريق ستلجئين إليّ، عندما تعاملتِ مع المهندس الزراعي والرجل الآخر اللذين يُديران أعمالك علمتُ أنك ستقَعين في المأزق، اتركي لي مهلةً لأفكر، لا أعدكِ بشيءٍ حاليًّا”. ولّت ظهرها للمديرة الابنة وسارت باتجاه السيارة، ثم كوّمت جسدها في المقعد الأمامي إلى جوار السائق، وضربت الباب وراءها بُعنف، بعد أن دقّت على هيكل السيارة مُعلنةً بدء مسيرة الشقاء اليومي، مُردّدةً “يا فتّاح يا عليم يا رزّاق يا كريم”.
جمدت الابنة في مكانها، وضاق صدرها، وهزمتها الحاجةُ إلى صدرٍ حنونٍ يضمّها ويرشدها، فلم تجد شخصًا إلا جدتها التي تسكن في نهاية المزرعة لتحدثها وتفرغ ما في عقلها وقلبها. أدارت مفتاح السيارة وعندما همّت بالانطلاق سمعت صوت قرقعة، ثم قفزت السيارة عدة أمتار قبل أن تتوقف نهائيًا. لعنت في سرّها “هذا هو ما كان ينقصني!”
تذكّرت أنها لم تتّبع خطوات أبيها في الاعتناء بالسيارة هذا الصباح بسبب مزاجها المخنوق؛ فلم تخرج مقياس الزيت وتتأكد منه، ولم تر منسوب المياه في طبلة السيارة. بعد عدة إجراءات علّمها لها أبوها منذ الصّغر دبّت الحياة في السيارة ووجدت نفسها تجلس إلى جوار جدتها التي فرحت بقدومها. توسدت قدم جدتها التي احتضنتها تلقائيا ووضعت يدها على جبينها وتمتمت “بَرّا يا نفسْ.. بَرّا يا عِينْ، يا شافي يا مُعافي تِشفيها وتْعافيها، سُقْتْ عَليكي سِتّ زينبْ وسِتّ رِضِيّة، تِلبسي نْعالك وتِركَبي جمَالِك وترقِي جبالِك وتِرجَعي لمنْ طلعتي مِنهم، بَرّا يا نفس بَرّا يا عين، الله أحدْ مِنْ كُل حَدّ”.
فجأة تقلّبت في نومها وتدحرجت المُديرة الابنة حتى سقطت عن سطح المنزل، ولحسن حظ أمها وحظّها، تلقّفها جبلٌ من الرّمل الأبيض يسكن هامدًا إلى جوار البيت، فلم تتأذَ، لتهُبّ من أحلامها المُفرطة خرعة، وقلبها يتخبّط هلعًا في صدرها، وتصطدم بجسدٍ تخطّى الثلاثين، رطبٍ من كثرة الأحلام، لا يمتلك سيارةً ولا مزرعةً ولا شركة، ولم يُحكَ يومًا أنها تجادلت مع أحدٍ حتى إنها لم تأكل فتيتة منذ خمس عشرة سنة.
……………………………..
*نص من المجموعة القصصية “طقس الجديلة” الصادرة عن دار كلمات.










