د. سيد ضيف الله
مقدمة
لهذا البحث أربعة أسئلة أساسية يؤسس بها اختلافه عن الدراسات السابقة:
- كيف قرأ فؤاد حدّاد الثقافة عبر قراءته لذاته الشعرية في علاقتها بالشعب باعتباره آخر؟
- إلى أي مدى نجح فؤاد حدّاد في تشكيل الهوية الثقافية لذاته الشعرية في حوارها مع السنن الأدبية؟
- إلى أي مدى يختلف نسق تمثيلات الشعب من موقع التكلم الخاص بالشاعر “فؤاد حدّاد” عن نظيره من موقع التكلم الخاص بالرئيس في الخطابات الرئاسية لـ(ناصر، السادات، مبارك) الموازية زمنيًا للخطاب الشعري؟
- هل ثمة علاقة بين نسق تمثيلات الشعب في الخطابين الاستعاريين؛ الشعري، والرئاسي، وإخفاق مشروع التحديث ذي الصبغة القومية التحررية الذي بدأ في النصف الثاني من القرن الماضي؟
****
يتضح من أسئلة البحث اعتماده على أربعة مصطلحات رئيسة:
- التمثيل (Representation)
في كتابهما “النظرية الثقافية، مفاهيم مفتاحية” يرصد كل من أندرو إيدجر (Andro Edgar)، وبيتر سيدجيك (Peter Sedgwich) مصطلح التمثيل في عدة سياقات؛ أولها استخدامه عند الإشارة للعلاقة بين اللغة والأفكار؛ وهذا تمثيل لغوي؛ لأن اللغة تنوب عن خبراتٍ إمبريقية بالعالم لتقدمها. وثانيها التمثيل في السياق السياسي؛ ويكون من خلال كياناتٍ مؤسسيةٍ أو جماعاتِ ضغطٍ من أجل تحقيق مصالح لذوات أو جماعات سياسية، وهذا المعنى للتمثيل وثيق الصلة بالمفاهيم الليبرالية الحديثة للعملية الديمقراطية، أما الاستخدام الثالث لهذا المصطلح فهو ما نسميه التمثيل الثقافي؛ وهو ما يُعنى به هذا البحث؛ حيث يشير إلى سوء التمثيل ويهدف لبناء هويات مَنْ يُساء تمثيلَهم. “هذا البناء للهوية ربما يدعم بقوة طرح التساؤلات العديدة عن الأيديولوجيا والقوة وأشكال الخطاب المتورطة في إجراءات مثل هذه الصور المختلَقة. وبالتالي، فإن بناء مفاهيم ذات صلة بموضوعات النوع والعنصر أو الجنس هى أسئلة تمثيل. (…) إذا كنا مقتنعين بأن اللغة ليست فقط مرآة للعالم وإنما تبينه، فإن هذا يقودنا لدورها في الخبرة الاجتماعية بالعالم. إن سؤال دور التمثيل يمكن أن يثار أيضًا في سياق خطابات المعرفة”.
(Andrew Edgar &peter Sedgwick (ed). 2008.P.294).
- الموقع الثقافي (Cultural Location)
هذا المصطلح استخدمه هومي بابا (Homi Bhabha) في كتابه “موقع الثقافة”، ويعني به “الشروط الخطابية التي تكون بها ذاتٌ سياسيةٌ حقيقة عامة”،(هومي بابا 2006 ص73)، وهو هنا يميز بين المواقع السياسية والمواقع الثقافية؛ فالمواقع السياسية؛ (تقدمي، رجعي، برجوازي، راديكالي.. إلخ) لا يتم تحديدها خارج حدود توجه خطابي ما، له شروطه، وبالتالي فإن المواقع السياسية هى بمثابة هويات وقد تم بناؤها، أما المواقع الثقافية فهي بمثابة مواقع التكلم التي يتم منها بناء الهويات، وهي تتباين بتباين الموقف “من منطلق السببية والحتمية الذي يتم منه فهم الموقع السياسي هذا أو ذاك، بل وفهم كل معرفة؛ على أساس أنه لا توجد معرفة خارج التمثيل (المرجع السابق، نفس الصفحة).
ومن ثم؛ فإن بحثنا لا يتعامل مع التمثيل والموقع الثقافي باعتبارهما مصطلحين منفصلين، وإنما باعتبارهما مصطلحين متضافرين؛ لا يحضر أحدهما دون الآخر، بل ولا تُنجز الهوية الثقافية إلا بهما معًا. وهو ما يوضحه ستيورات هول (Stuart Hall) بقوله: “إن عمليات التمثيل ترتبط دائمًا بالمواقع التي نتكلم أو نكتب منها؛ أي بمواقع نطقها. فنظريات النطق (enunciation)الحديثة تشير إلى أنه بالرغم من كوننا متكلمين “باسمنا”، كما يجري التعبير، أي متكلمين عن ذواتنا ومنطلقين من تجربتنا؛ فإن المتكلم والذات الجماعية المتكلم عنها لا يتطابقان إطلاقًا ولا يتطابق موقعهما تمامًا على الإطلاق (…) [إذ يجب] أن نتعامل مع الهوية بوصفها إنتاجًا لا يكتمل إطلاقًا، وهو في صيرورة مستمرة، ويتشكل من داخل التمثلات، لا من خارجها، ومن هذا المنظور تُطرح شكوك حول مزاعم مصطلح “الهوية الثقافية” بسلطته وأصالة مفهومه”. (ستيورات هول، 2013، ص76).
- الخطاب الاستعاري (Metaphorical Discourse)
هذا مصطلح استخدمه ليونيل وي (Lionel Wee) ليشير به إلى نسقٍ من التمثيلات، يبرز في الخطاب عند اشتماله على مجموعة من الاستعارات ترتبط فيما بينها بعلاقة ما تفرضها استراتيجية خطابية معينة؛ ومن ثم يتم تمثيل جانب مُختار من الموضوع المستهدف تمثيله، ثم تتم إعادة موضعة له في سياق ما، مع الحرص على تحقيق الانسجام الخطابي، ومن أمثلة هذه الاستراتيجيات الخطابية استعارات الاحتواء واستعارات المماثلة”. (Lionel Wee (April 2005) P.224).
نستخدم في بحثنا هذا مصطلح الخطاب الاستعاري ترجمةً لمصطلح (Metaphorical Discourse) وصيغة الجمع منها خطابات استعارية، بينما نستخدم مصطلح الخطبة وصيغة الجمع منها خطب ترجمة لمصطلح (speech)، وحتى لا يحدث اضطراب عند استخدام المصطلحين فقد صححنا توثيق مصادر الخطب الرئاسية الموجودة المأخوذة من موقع مكتبة مصر المعاصرة، وموقع الرئيس جمال عبد الناصر، وموقع الهيئة العامة للاستعلامات؛ وهي المواقع التي رجعنا إليها للحصول على مادة الخطب الرئاسية، لتتفق مع هذا التمييز الاصطلاحي الذي نراه ضروريًا في هذا البحث؛ حيث إننا لا ندرس قصيدة شعرية أو ديوانًا شعريًا في موازاة خطبة سياسية؛ وإنما ندرس خطابًا استعاريًا شعريًا في موازاة خطاب استعاري رئاسي؛ للكشف عن نسق تمثيلات الشعب باعتباره آخر في كليهما.
- السنّة[1] الأدبية (Literary Canon)
يُؤرخ عادة لهذا المصطلح بالقرن الرابع الميلادي، حين كان يُستخدم للإشارة إلى كتب الإنجيل الموثوق بها وثوقًا نهائيًا، (Andrew Edgar &peter Sedgwick (ed) 2008.P.35) ورغم تغير سياق استخدام المصطلح فقد بقى يلابسه بعض آثار تاريخيته؛ حيث يُستخدم للإشارة إلى الأعمال الأدبية التي يُنظر إليها باعتبارها الأعمال التي “تُعبّر أحسن تعبير عن لغة محددة، وربما تؤخذ في الواقع على أنها تعبير عن هوية ثقافة أو أمة معينة”. (المرجع السابق، نفس الصفحة).
نوظف في بحثنا، هذا المصطلح، من منظور نقدي مضاد لغاية التجنيس الثقافي والمركزة الأدبية التي يُشَرْعِن لها مصطلح السنّة الأدبية؛ لعدم استناده لقيم إنسانية متنوعة بطبيعتها، بل تجسيده لموازين قوى في لحظات تاريخية واجتماعية وحضارية معينة يُراد دومًا تأبيدُها. وبالتالي تكون المُحصّلة إقصاءً مستمرًا للمجموعات الثانوية التي لا يُتاح لها إبراز سننها الأدبية المعبرة عنها، فضلًا عن أن يتسع مفهوم الإبداع الأدبي ليقدم لنا السنة الأدبية المجسِّدة للتيار السائد في الثقافة والمعبّرة في آنٍ ومن تلقاء ذاتها عن سنن المجموعات الثانوية في هذه الثقافة أو تلك.
***
إن تمثيل الشعب باعتباره آخر من موقع تكلم فؤاد حدّاد يمكن فهمه بشكل أعمق عند قراءته في ضوء التمثيل المناظر له من موقع تكلم الرئيس؛ لا لنجيب فحسب عن سؤال علاقة تمثيل الشعب في الخطابين بما آل إليه مشروع التحديث ذو الصبغة القومية والتحررية في النصف الثاني من القرن العشرين، بل لنفحص عمليًا مدى صدق قول إدوارد سعيد حين يقول: “إن دور المثقف هو أن يقدم سردياتٍ بديلةً ومنظوراتٍ للتاريخ مغايرةً لتلك التي يقدمها مقاتلون نيابة عن الذاكرة الرسمية وعن الهوية، والرسالة القوميتين (..) إن المثقف ما هو إلا ذاكرة مضادة، تملك خطابها المُعاكس المخصوص الذي يمنع الضمير أن يُشيح بنظره أو أن يستسلم للنوم”. (إدوارد سعيد، 2005، ص160).
وعلى هذا، حرصنا على أن تكون فصول هذا البحث تعبيرًا عن أسئلته بأكبر قدر ممكن من التوازن؛ فاشتمل البحث على أربعة فصول؛ في الفصل الأول قدمنا تصورنا للمدخل الملائم لهذا البحث للدخول إلى مجال النقد الثقافي من خلال “تمثيل الشعب”. وفي الفصول الثلاثة من الثاني إلى الرابع قمنا بدراسة نسق تمثيلات الشعب في خطاب فؤاد حدّاد الشعري والخطابات الرئاسية عند ناصر، والسادات، ومبارك، مراعين التوازي الزمني بين وقت كتابة القصائد داخل الدواوين الشعرية، ووقت إلقاء الرؤساء لخطبهم منذ عام 1952، وحتى عام وفاة فؤاد حدّاد 1985. ثم تأتي الخاتمة لا لتقول كلمةً خاتمة في هذا الباب، وإنما لتطرح أسئلة نأمل أن نثيرها أو يثيرها غيرنا في أبحاث أخرى ومن ثم قدمنا مقترحات لدراسات تعد استجابة لأسئلة يثيرها نهج النقد الثقافي.
***
إن دراسة شعر العامية أمرٌ مثيرٌ للعديد من الإشكاليات التقليدية، ونحن نراه كذلك حين ننظر إليه من شرفة النقد الأدبي المستند في جوهره على التمييز بين ما هو أدبي وما هو غير أدبي إلى معيار لغوي، وقد تضيق حدود هذا المعيار، وقد تتسع بحسب فهم النقاد في زمانهم ومكانهم للغة والعلاقة بين مستوياتها، لكن لا يستطيع هذا المنظور أن يخرجنا من دوّامة هذه الإشكاليات حتى في أكثر تجلياته مرونةً في فهمها للغة؛ ففي الوقت الذي يُسمح فيه بدراسة شعر العامية على أساس التمييز بين ما هو شعر وما هو غير شعر، والتخلص من النظرة النقدية القديمة ذات الموروث البلاغي للغة ومستوياتها باعتبارها ذات تراتب قيمي وجمالي، فإن هذا المنظور للنقد الأدبي ينطلق من تصور مؤسسي للشعر رسخته المؤسسات التعليمية والثقافية وأقسام الأدب واللغة والمستند لسنن أدبية يُطالب النقادُ الأدباء المعاصرين لهم بالامتثال لها باعتبارها النماذج الجمالية، وما هذه السنن الأدبية إلا دليلٌ على استمرار خضوع منظور النقد أدبي في تمييزه بين ما هو شعر وما هو غير شعر إلى معيار لغوي تراتبي وثيق الصلة بتراتبية اجتماعية وثقافية.
إن التغافل عن مدى عمق الصلة بين مفهومٍ للأدبية مستند إلى تراتبية لغوية وتصور مؤسسة النقد الأدبي ذات الموروث البلاغي للمجتمع باعتباره مجتمعًا مستندًا إلى تراتبيات اجتماعية وثقافية هو أمرٌ يمكنه أن يفسِّر إلى حدٍ بعيد وجود بقية الإشكاليات التي يثيرها شعر العامية باعتباره شعرًا خارجًا على السنن الأدبية، وفي قلب هذه الإشكاليات النظر إلى شعر العامية باعتباره مهددًا للقوميات المستندة للتراتبية العرقية المُتخيّلة (القومية العربية) والتراتبية الدينية المُتخيلّة )الأمة الإسلامية).
وبسبب ذلك، اخترنا فؤاد حدّاد نموذجًا للدراسة ليس باعتباره ممثّلا لشعر يعاني الإهمال النقدي، وإنما بوصفه شاعرًا استطاع أن يعيد تشكيل هويته بإرادته الفردية في مخالفةٍ صريحة للتقاليد المجتمعية المتوارثة، فهو المسيحي الذي يختار الإسلام دينًا، وهو المسلم الذي يختار الإسلام من أجل الإنسان لأنه دين الأغلبية الفقيرة، وهو خريج المدارس الفرنسية الذي يختار أن ينطق ويكتب بالعربية، بل ويكتب شعره بالعامية وهو السابح في ملكوت الفصحى والسبّاح في بحور موسيقاها. وهو ابن الطبقة فوق المتوسطة الذي يختار الشيوعية منهجًا للتفكير وأفقًا للحياة. وهو الماركسي العاشق في حضرته الزكية للنبي المصطفى وأصحابه الأخيار، فإلى أي مدى استطاع فؤاد حدّاد وهو كل ذلك، أن يخرج من أسر التمييز المقنن الذي تشرّع له السنن الأدبية، والأهم إلى أي مدى استطاع أن يُخرِج “الشعب” من أسر الوجود في موقع الآخر أثناء تمثيله له في خطابه الاستعاري؟
***
إن اختيار النقد الثقافي لـ”الجماهيرية” معيارًا للتمييز بين النصوص هو الوجه الآخر لعملة التمييز التي وجهها الأول هو “الأدبية” باعتبارها معيارًا للتمييز بين النصوص؛ ذلك أن الجماهير ليست إلا آخر نتوجه إليها بخطاباتنا بهدف السيطرة عليها وتحويلها إلى امتدادٍ للذات أو عدو لها. ومن ثم فالجماهير مُنتج ثقافي أو تصورات ذهنية عن بشر يتم تمثيلهم باعتبارهم “شعبًا” أو “جماهير”. وفي كل الآحوال هم آخر نسعى باعتبارنا ذاتًا خارج حيز الجماهيرية للسيطرة عليه بغرض قمعه أو بغرض إصلاحه أو بغرض تثويره. والمأزق في كل الأحوال أنّه لا أحد يمكنه أن يتحدث بوصفه الجماهير أو الشعب وأنَّ كل أحدٍ يمكنه أن يتحدث بوصفه من الجماهير، ومن هنا يكون تمثيل “الشعب” استراتيجيةً بلاغيةً بحسب تعبير هومي بابا غرضها تشكيل عقول البشر الموجودين في زمان ومكان معينين لتكون عقولًا منتميةً لأمةٍ مُتخيّلة بحسب الموقع الثقافي لصاحب هذا الخطاب أو ذاك.
إن القول بآخرية الجماهير تجعلنا ننزع عن النقد الثقافي رداء المدافع عن الفئات المهمَّشة بنفس القدر الذي ننزع به عن النقد الأدبي رداء المدافع عن الجمالية. ومن هذا المنطلق فإن دراستنا لتمثيل الشعب في خطاب فؤاد حدّاد مقارنًا بتمثيلات ذات الشعب في الخطابات الرئاسية لجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك يمكنها أن تكشف عن حقيقةٍ واحدةٍ؛ وهى أن الجماهير/ الشعب ذاته آخرٌ يتم تمثيله باعتباره كذلك، وهو في آنٍ استراتيجيةٌ بلاغيةٌ، وقد حاولنا الكشف عنها بدراسة التصورات الاستعارية عن هذا الشعب/ الجماهير من مواقع ثقافية مختلفة لتكون النتيجة أننا أمام هويات يتم بناؤها باختلاف مواقع تمثيل الذات الجماعية في الخطابات الاستعارية.
**
تمثيل الشعب باعتباره الآخر
“الجماهير هم الأناس الآخرون. ولا توجد جماهير بالفعل؛ إنما توجد فقط طرق لرؤية الناس باعتبارهم جماهير”.
(رايموند وليامز)
نحاجج هنا بأن الشعب هو آخرٌ وتمثيله في خطاب شعر العامية متأثرٌ بنظام العقل نفسه الذي يمتح منه الخطاب الرئاسي في تمثيله للشعب باعتباره آخر، فكلاهما (خطاب شعر العامية والخطاب الرئاسي) يستخدمان الشعب باعتباره استراتيجيةً بلاغيةً، بوصفها حيلةً من حيل التفاوض بين السيطرة والمعارضة في تعيين الذات/ الأمة. صحيح أن الشعب كيان سياسي محدد بحيز جغرافي وله ذاكرة ناتجة عن تراكم حوادث تاريخية، لكن زعم تمثيل الشعب في خطاب أو ممارسة لغوية يجعل منه استراتيجية بلاغية بحسب هومي بابا، بل “استراتيجية معقدة من استراتيجيات الإحالة والمرجعية الاجتماعية، فزعم أن الشعب تمثيلي يثير أزمة في سيرورة التدليل وفي التوجه الخطابي. ونكون عندها إزاء منطقة مفاهيمية متنازع عليها؛ حيث ينبغي التفكير بشعب الأمة في زمن مزدوج؛ فالشعب هو الموضوع التاريخي لضربٍ من البيداغوجيا القومية، معطيًا للخطاب سلطة قائمة على أصل تاريخي متعين مسبقًا في الماضي، والشعب أيضًا هو “ذات” سيرورة من التدليل ينبغي أن تمحو أي حضور قبلي أو أصلي للشعب – الأمة كيما تُبرز مبادئ الشعب المهولة الحيةّ، بوصفها راهنة ومعاصرة، بوصفها دال الحاضر الذي تتم من خلاله الحياة القومية وتكرارها كسيرورة من إعادة الإنتاج”. (هومي بابا، 2006، ص257).
إن كون الشعب منطقة مفاهيمية متنازعًا عليها يجعل من التفاوض وسيلة أساسية لبناء الهويات. والتفاوض (Negotiation) مصطلح أساس – عند هومي بابا والنظرية ما بعد الكولونيالية بشكل عام – في بناء الهويات؛ إذ نكون مضطرين للتفاوض حين نُرغم على إجراء تعديل فيما هو مفروض علينا مع الإبقاء على البنية لأننا لا نستطيع تغييرها تمامًا. ومن ثم، فالمفارقة كامنة في طبيعة المهمة المكلف بها المثقف الإصلاحي؛ حيث يكون مُطالبًا بأن ينصح الجماهير الساخطة والرافضة لشىء مفروض عليها وتريد تغييره، سواء كان هذا الشىء احتلالا/ استبدادًا/ تهميشًا/ تمييزًا / فسادًا، بأن تكون ساخطة، لكن بالكلمة لا بالفعل، بالصوت لا بالعصيان المسلح!! ويستعير هومي بابا في تقريب هذا الإيمان المزدوج لدى الإمبريالية، للأذهان بتشبيه فيتز جيمس ستيفن في مقالته عن “أسس حكم الهند”، حيث ينقل عنه هومي بابا قوله: “إن برميلًا من البارود إما أن يكون غير مؤذٍ أو أنه قد ينفجر، لكنكم لا تستطيعون أن تحولوه إلى وقود منزلي بالاقتصار على تفجير القليل منه وحسب، فكيف يمكن لكم أن تعلّموا جماهير عظيمة من الشعب أنّ عليها ألا تكون راضيةً عن الحاكم الأجنبي، إنما ليس كثيرًا، وأنّ عليها أن تعبّر عن سخطها بالكلمات والأصوات، إنما ليس بالأفعال، وأن عليها أن تطالب بهذا الإصلاح أو ذاك (مما لا تفهمه ولا تكترث له) دون أن تقوم بعصيان مسلح ضده تحت أي ظرف من الظروف”. (هومي بابا، 2006، ص233).
وفي سياقنا المصري ثمة إشارة ذكية لمثال على هذا التفاوض وردت عند صلاح عيسى حين كان يحلل موقف البرجوازية من القضية الوطنية مع الاستعمار وكيف أنها كانت تتفاوض داخل الإطار الاستعماري دون محاولة حشد الجماهير وتجنيدها خوفًا من ذلك الخيار؛ حيث يقول: “إن البرجوازية المصرية كانت دائمًا تحاول أن تحل القضية الوطنية داخل الإطار الاستعماري، وهو ما يتضح من محاولاتها المستمرة للعب على التناقضات الثانوية داخل هذا المعسكر والاعتماد عليه بشكل أساسي. ويستتبع هذا بالضرورة استخدام أسلوب المفاوضة كأسلوب وحيد لحل القضية الوطنية، ورفض الأسلوب البديل لذلك وهو تنظيم الجماهير وتجنيدها… إما لعجز البرجوزاية عن ذلك أو لخشيتها منه وهو الأرجح”. (صلاح عيسى، 1986، ص146).
ومن الأهمية بمكان هنا، أن نشير إلى أن مفهوم التفاوض عند هومي بابا يتجاوز منطقة التفاوض بين مجموعات تتعارض مصالحها السياسية في لحظة زمنية محددة ليصل به إلى أن يكون حاضرًا أيضًا بالضرورة في لحظة التحرر أو بالأحرى لحظة الجدل بين سرود تقليدية ثابتة لهوية (الشعب) لتطابق ثقافة قومية متخيَّلة وبين زمن غائي أسطوري؛ إذ يكون الشعب، في لحظة تحرره من الاستعمار والنظم السياسية التابعة لها، حرًا من السرود التقليدية للهوية الثابتة في السرود التقليدية المثبتة والمؤطرة له بقدر ما يقوم بعملية تفاوض بينها وبين الأشكال الأخرى الغريبة عن هويته المثبتة في سروده التقليدية؛ لأن الشعب بحسب هومي بابا هو “ذلك المبدأ ذاته من (إعادة التنظيم الدياليكتيكية) في بناء ثقافته من النص القومي مترجمًا إلى أشكال غريبة حديثة من تكنولوجيا الإعلام، واللغة والملبس. فالموقع السياسي والتاريخي المتغيّر للنطق يغيّر معاني الميراث الكولونيالي ويحوّلها إلى دوال تحررية لشعب المستقبل الحر”. ( هومي بابا، 2006، ص94).
إن الموقع السياسي والتاريخي يؤثر في بناء الهويات، والهويات تتغير نظرًا لكونها تُبنى من مواقع نطق متغيرة سياسيًا وتاريخيًا، دون أن يعني ذلك التأثير الكبير لسمة التغير في المواقع على بناء الهويات أن الهويات لا تتأثر في بنائها بما هو ثابت يتجاوز المواقع السياسية والتاريخية المتغيرة للنطق. فالتراتبية التمييزية اللغوية والجمالية هما لصيقتا الصلة بتراتبيةٍ تمييزيةٍ إنسانيةٍ ، وهذا المركب من التراتبيات سمة ثابتة ومستمرة ومؤثرة في بناء الهويات ولا تقل في تأثيرها عن تأثير عامل التغير المصاحب للمواقع السياسية والتاريخية التي يتم منها بناء الهويات. فالدراسة الأدبية الشكلانية كان وما زال لها دور كبير في إعادة إنتاج النظام القديم في التراث البلاغي سواء في تمييزها “ضد” أو “من أجل” شعر العامية. وذلك باستمرار تكريس سنن (Canons) أدبية باعتبارها سننًا طبيعية، بينما هى سنن ثقافية. ولعل تاريخ مصطلح السنة يدلل على ذلك بوضوح، فلمصطلح السنة خلفية كنسية دينية؛ إذ كان يُستخدم ليشير للكتب الموثوق بها والنهائية للإنجيل، واستخدامه في السياق الأدبي كان للإشارة لعيون الأدب من منطلق الاعتقاد في وجود قيم جمالية عالمية، والاعتقاد كذلك أن الأعمال الفردية متضمنةٌ بشكل نسبي في السنّة باعتبارها أحسن تعبيرٍ عن هذه القيم العالمية، وبالتالي تُوجت الأعمال السننية (Canonical) باعتبارها التعبير الأحسن عن أمة بعينها أو ثقافة بعينها، ومن هنا نحتاج لأن نعيد النظر في مفهوم السنة الأدبية ليس باعتبارها التعبير الأحسن عن هوية أو ثقافة ثابتة عبر التاريخ، وإنما من منطلق أنها تعبير عن صراعات القوى داخل كل هوية وداخل كل ثقافة؛ إذ يتم باسمها التمييز ضد المجموعات المهمشة في هذا السياق الثقافي أو ذاك (Andrew Edgar & Peter Sedgwick (ed.),2008,,P.35.).
ومن ثم نقترح أن آخرية الشعب وثيقة الصلة بكيفية بناء الهوية وشديدة الارتباط في آنٍ بسنن التراث البلاغي المستمرة في الدراسات الأدبية الشكلانية الحديثة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة؛ هى عملة دائرية النهوض الجهنمية، وأن كسر هذه الدائرة يعني تحقيق نهوضٍ لفترة زمنية تتحدد بمدى الحفاظ على تجسير الفجوة بين (النخبة الثقافية/ السياسية) و(الشعب) على نحو يغيّر من شكل آخرية الشعب، كما نقترح أن ذلك يتحقق بإقامة تمييزٍ آخر مستندٍ لأساسٍ مختلف جذريًا عن التمييز البلاغي/ الأدبي القائم على مغالطة أن (الثقافي طبيعي)؛ وهذا التمييز المقترح هو التمييز على أساس مدى تمثيل الشعب/ الآخر بشكل متوازن وفقًا للمبدأ الحواري؛ ذلك المبدأ الذي أشار باختين إلى أنه ليس مجرد مبدأ روائي، بل مبدأ ثقافي إنساني[2]. فإدراكنا لجوانب تشابهنا مع الآخر أصعب من إدراكنا لجوانب الاختلاف والتنافر معه، وكذا فإن خضوعنا للتاريخ واللغة باعتبارهما أداتي سيطرة أيسر علينا من مقاومتهما ونحن نرسم صورة ذاك الآخر؛ ذلك أن صورة الآخر لا تتوقف على الآخر في الواقع فحسب، بل بشكل أكبر على إدراكنا للآخر في الواقع ومن أي موقع نبني صورة ذاك الآخر، وهذا عينه ما يجعل من المبدأ الحواري مبدأ ثقافيًا يتجاوز الأدب، وهو ما يؤكده تودروف بقوله لقد: “تحول تفكير باختين حول الرواية إلى شكل من أشكال الأنثربولوجيا، ومن هنا تجاوزت نظرية الأدب حدودها ثانية، بسبب إنجازاتها وما تحقق عن طريقها: “إن الوجود الإنساني نفسه هو الوجود المتغاير الخواص (Heterogeneous) بصورة غير قابلة للاختزال؛ إن (الوجود) الإنساني هو ما يوجد فقط في حالة حوار”. (تودروف، 1996، ص17). فالكاتب المدرِك للآخر بشكلٍ متوازنٍ يمرُّ بمعاناة شديدة وهو يقاوم الإكراهات التي تمارسها عليه اللغة والتاريخ حين يمثِّل الآخر كيلا يمثِّله من أجل الذات.
إن الوقوف على تفاصيل عملية تمثيل الشعب لا يستلزم أي بحث عما هو خفي في النصوص، ولا عما هو مضمر من أنساق ثقافية[3] في الخطابات، بل إن الظاهر والسطحي والمعلن هو المبتغَى. ذلك أن تمثيل الشعب عملية تستند إلى مبدأ أساس؛ وهو أن الشاعر – وكذلك الرئيس – ليس الشعب، ومن ثم يقوم كلاهما بالحديث عن الشعب ووصفه وسبر أغواره ورسم صوره المختلفة باعتباره “آخر” يكتبان أو يتحدثان إليه عن نفسه. إن الشعب آخر لأننا حين نتحدث عن الشعب نتكلم عن أناس آخرين وفي الوقت نفسه نعيش معهم، “فالجماهير هم الآخرون دائمًا (…) وكوننا معهم هو جوهر المشكلة بطبيعة الحال. فنحن أيضًا جماهير بالنسبة للآخرين. فالجماهير هى الأناس الآخرون. ولا توجد جماهير بالفعل؛ إنما توجد فقط طرق لرؤية الناس باعتبارهم جماهير”. (رايموند وليامز، 1986، ص330-331).
والملحوظ أننا نستخدم في الفقرة السابقة مصطلح الشعب، بينما يتحدث ريموند وليامز عن الجماهير، ومن هنا يلزم التنويه إلى تمييزنا بين المصطلحين، مستندين في ذلك لتفرقة على حرب بينهما بقوله: “الشعب غنيٌ وقويٌ بتنوعه وحيويته، فيما الجمهور فقير وخاوٍ بأفراده الذين هم نسخ عن بعضهم البعض، والشعب يتكوّن من أفراد فاعلين مستقلين لهم عقولهم، فيما الجمهور كتلةٌ عمياءٌ لا عقل لها تنتظر قائدها الذي يفكر عنها، والشعب يبدع ويصنع حضارته، فيما الجمهور ليس ذاتًا، بل مادة الاستبداد”. (علي حرب،2011، ص61-62).
وعلى هذا يكون تمثيل الشعب باعتباره جماهير عملية سلب منظمة لهويته، وتحويله مادة للاستبداد، وبالتالي يصبح الحديث عن الشعب، بينما هو جماهير في نسق التمثيلات، ليس حديثًا من أجل الشعب، ولا دفاعًا عن مصالحه بقدر ما تتفق هذه المصالح مع الذات المدافِعة عن مصالح الشعب/ الجماهير، بل إن الدفاع عن مصالح الشعب/ الجماهير سبيلٌ ممهدٌ لكسر عزلة الذات الشعرية أو ذات الحاكم وموضعة هذه الذات – المعزولة أو المنعزلة – في الشعب/ الجماهير من خلال خلق شعب المدافعين عن الشعب/ الجماهير.
إذن، ليست ثمة ضرورة لاتباع عادة النقد الثقافي في البحث عن الأنساق المضمَرة، ذلك أن المعلَن يكمن فيه مبدأ آخرية الشعب بالنسبة للشاعر وللحاكم سواء على مستوى الوجود على طرفي ثنائية (المخاطِب/ المخاطَب) أو على مستوى تباين المواقع الثقافية (Cultural Locations) على نحو تطلب أن يصوغ المخاطِب (الذي هو الشاعر/ الحاكم) المخاطَب (الذي هو الشعب) صياغةً تعيد تحديد هوية المخاطَب (الشعب) وفقًا للسنن الثقافية التي يفرضها السياق التاريخي، ليتحول إلى جماهير، أو ليبقى شعبًا.
إن الموقع الثقافي/ السياسي[4] لكل من الشاعر والحاكم مختلفان وإن اتفقا على جهة توجيه خطابيهما وهي جهة “الشعب/ الجماهير”. إن تحول جهة المُخاطب بالخطاب الشعري من الحاكم الممدوح لدى الشاعر الكلاسيكي ليكون الشعب الكادح لدى الشاعر الحداثي، جعل ثمة إمكانية لوجود سمات بطولية كامنة في المادح؛ وذلك لكون الممدوح هو الشعب، بعد أن كانت عملية مدح الحاكم تخلق بطلًا من ورق، وبعد أن كانت بطولة الشاعر بالسلب – أحيانًا كثيرة – من بطولته بوصفه إنسانًا. إن توجُّه الخطاب الشعري إلى الشعب/ الممدوح الجديد مواكبٌ لتحوّل أكبر وهو تحوُّل في طبيعة العلاقة بين الحاكم والشعب، ويمكن رصد بذور هذا التحول مع بداية نشأة مصر المدنية الحديثة عندما فرض الشعب إرادته جزئيًا واختار محمد علي واليًا لمصر خلافًا لإراداة الخلافة العثمانية في بداية القرن التاسع عشر.
وعلى الرغم من أهمية لحظة بزوغ هذا التحول في العلاقة بين الحاكم والشعب، فإن أسبابًا كثيرة جعلت من هذا التحول تحولًا شكلانيًا؛ إذ بقي الحكم وراثيًا؛ حيث لا إرادة للشعب في اختيار الحاكم، وبقي الحاكم ولي النعم حيثما يكون الشعب/ الجماهير، رعية. وربما انعكس ذلك على تمثيل[5] الشعب في خطاب ملوك الأسرة العلوية إما بتجاهله، أو بالأحرى، رفض داخلي لوجوده وتوجيه خطاباتهم لآخر أكثر فاعلية في السياق المحلي (النخبة السياسية، الجيش) أو في السياق الدولي (القوى الغربية)، وإما بتمثيل الشعب على نحو يكشف عن تعالي الراعي على الرعية.
ولتوضيح ذلك الأمر، يمكننا أن نشير للحظتين دالتين؛ وهما لحظة تولية الملك فاروق، ولحظة تنازله عن العرش وكيف تجلّتا خطابيًا على نحو يكشف عن عدم فاعلية الشعب في لحظة تولي الحكم، وتنافر إرادة الحاكم مع إرادة الشعب وقد استحوذ عليها الجيش في لحظة إجبار الحاكم على تنازله عن العرش. وفيما يتعلق بلحظة تولية فاروق عرش مصر، فقد كان لبريطانيا الكلمة الفصل ليس في الاعتراف به كوليٍ للعهد فحسب، بل وفي إقرار نظام تولي العرش من بعده على قاعدة الأكبر فالأكبر من أبنائه الذكور. وذلك في خطاب أرسلت به بريطانيا إلى السلطان فؤاد، ليرد الأخير عليه ببرقية شكر للملك جورج الخامس ملك إنجلترا على تكرم حكومته بإصدار هذا الأمر[6]. أما في لحظة التنازل عن العرش، فقد ظهر من عملية صياغة وثيقة تنازل فاروق عن العرش أمران: الأول أن تمثيل الجيش لإرادة الشعب بوصفه صراعًا ثقافيًا بين خطابات متصارعة حسمته قوة السلاح. الثاني أن حسم هذا الصراع ضرورةٌ لأنه صراعٌ لايقبل التجاور بين الإرادات في الخطاب الواحد
مقتطف من وثيقة تنازل فاروق عن العرش
“نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان
لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها، ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة ونزولًا على إرادة الشعب: قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا“.
(محمد حسين هيكل، 1953، ص377)
لقد ذكر محمد حسين هيكل في مذكراته السياسية أن الملك فاروق حاول أن يضيف كلمة “وإرادتنا” إلى جوار عبارة “نزولًا على إرادة الشعب” فيما يتعلق بقرار التنازل عن العرش لولي العهد، لكن سليمان حافظ – الذي صاغ الوثيقة – رفض وحاجج فاروق بأن “ذلك لا ضرورة له لأن التنازل أمر ملكي”!! (المرجع السابق، نفس الصفحة).
إن هذه الحجة لا تنطلي على أحدٍ إلا إذا كان مرغمًا على التسليم بزوال إرادته، وبالتالي محوها لغويًا من الوثيقة، لا سيما أن فاروق نفسه وإن ظل يستمد شرعيته من وراثة الحكم، المقنَّن نظام تولية العرش فيه على يد بريطانيا، وإن كان – أيضًا – قد رباه أبوه – الملك فؤاد الأول – على اجتناب الاختلاط بالشعب، فقد أورثه وعيًا ملكيًا بأهمية الشعب كقوة ثقافية في خطابه السياسي. إذ يبدو أن الحرص على إقامة التحالف، بل التوحيد بين إرادة الحاكم وإرادة الشعب سنّةٌ ثقافيةٌ يحرص على اتباعها كل الأنظمة الحديثة والتيارات السياسية على اختلاف سياقاتها التاريخية ومواقعها الثقافية. ففي خطبة الملك فؤاد الأول في افتتاح البرلمان المصري 1924 وصفٌ للعلاقة بين العرش والأمة بأنه “الاتحاد المقدس الذي لا انفصام له”[7].
إن ما أرغم فاروق على محو إرادته ليس الجهل بوجود إرادة أخرى يجب عليه التماهي معها (وهى إرادة الشعب) لتتحقق إرادته عبر عملية تمثيل لإرادة الشعب، وإنما استحواذ طرف ثالث على تمثيل هذه الإرادة بقوة السلاح المُحاصِر لقصر التين بالإسكندرية أثناء توقيع وثيقة التنازل عن العرش، وهو ما تجلى واضحًا في الإنذار الذي وجهه الفريق أركان حرب محمد نجيب للملك فاروق. ففي هذا الإنذار تتبدى قوة موجِّه الإنذار باعتباره الجيش “الممثل لقوة الشعب” والمدافع عن الشعب “الجائع الفقير” و”غير الآمن على حياته أو ماله أو كرامته”، لكن يظهر واضحًا أيضًا قيام صائغ الإنذار بعملية تأويل للفاسد والمرتشي والماجن والثري ثراء فاحشًا تأويلًا يدين موضوع التأويل (اللاشعب) باعتباره نتاج الذات الملكية الفاسدة المرتشية الماجنة.. إلخ، ويدين بطبيعة الحال الذات الملكية؛ الأمر الذي يجعل من صيغة الطلب المستخدمة، ولقب جلالتكم الذي يخاطب به نجيبُ فاروقًا أمرًا مثيرًا للدهشة، إذ كيف تجتمع الجلالة مع الفُجر والفُحش والمجون؟! وكيف لا تستخدم صيغ الأمر والزجر، بينما تُستخدم صيغة الطلب مع مَن زعم المخاطِب أنه الماجن والفاحش؟!
مقتطف من نص الإنذار الموجَّه إلى فاروق
من الفريق أركان حرب محمد نجيب
باسم ضباط الجيش ورجاله
إلى جلالة الملك فاروق الأول
“إنه نظرًا لما لاقته البلاد في العهد الأخير من فوضى شاملة عمّت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وامتهانكم لإرادة الشعب حتى أصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته أو ماله أو كرامته. ولقد ساءت سمعة مصر بين شعوب العالم من تماديكم في هذا المسلك حتى أصبح الخونة والمرتشون يجدون في ظلكم الحماية والأمن والثراء الفاحش والإسراء الماجن على حساب الشعب الجائع الفقير(..) مما أفسد الحقائق وزعزع الثقة في العدالة وساعد الخونة على ترسم هذي الخطى فأُثري من أثري، وفجَر من فجر، وكيف لا والناس على دين ملوكهم. لذلك فوّضني الجيش الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم”.
(محمد حسين هيكل، 1953، ص376-377)
لقد سبق أن أشرنا إلى أن “التحالف المقدس” بين الحاكم والشعب هو بمثابة سنة ثقافية عابرة للخطابات السياسية على اختلاف الأنظمة السياسية والمواقع الثقافية، نشير هنا إلى سنة ثقافية أخرى وهي تطهير الشعب؛ أعني الحرص على تمثيل الشعب وقد نُزع عنه الماجن والفاحش والمرتشي والخائن والعميل فأصبح شعبًا مطهَّرًا؛ حيثما تكون الخطابات السياسية – على اختلاف سياقاتها التاريخية ومواقعها الثقافية – خطابات مُطهِّرة للشعب. وهنا نشير أيضًا إلى أن التطهير شرط “التحالف المقدس” بين الحاكم والشعب؛ إذ لا يتوحد حاكمٌ مع غير المُطهَّرين.
إن عملية تطهير الشعب ليست مسألة بسيطة، وإنما هى عملية ثلاثية الأبعاد؛ حيث تنطوي على طردٍ للشوائب (اللاشعب) ونقدٍ للشعب باعتباره الضحية المذنبة، واصطفاءٍ للشعب باعتباره المتماهِي مع المُخاطِب. وإذا كان من السنن الثقافية التي وقفت عليها حتى الآن أن يكون التطهير شرط التحالف المقدس بين الحاكم والشعب، فإن من السنن الثقافية أيضًا أن تشتمل عملية التطهير ذاتها على الأبعاد الثلاثة في كل خطاب سياسي. وهنا نطرح السؤال، وهل هذه السنن الثقافية (التحالف المقدس – تطهير الشعب – أبعاد عملية التطهير من طرد ونقد واصطفاء) موجودةٌ في الخطابات السياسية على اختلاف السياقات التاريخية والمواقع الثقافية بسبب انتهازيةٍ سياسيةٍ تَسِم كل الخطابات رغم اختلافاتها الظاهرة في أيديولوجياتها السياسية، أم أن تمثيلات الشعب أنساقٌ ثقافيةٌ تتجاوز الأيديولوجيات السياسية لتكون جزءًا من الثقافة المشتركة التي تتجلى في كافة الخطابات السياسي منها والشعري ؟
أعتقد أن مسألة تمثيل الشعب هى مسألة أنساق ثقافية تتجاوز الأيديولوجيات السياسية؛ ذلك أن فكرة تمثيل الشعب تستند إلى الاعتقاد بوجود رابط قوي يجمع بين أفراد هذا الشعب بحيث يميزهم بوصفهم مجتمعًا بشريًا عن غيرهم من التجمعات البشرية الأخرى، ولأن طبيعة هذا الرابط تختلف تاريخيًا وجغرافيًا فقد تبلورت أشكالٌ متعددة من القومية. وهو ما يجعلنا نعتقد في أن كل شكل من أشكال القومية يمثل نسقًا ثقافيًا له دور فاعل في أيديولوجيات سياسية مختلفة ومواقع ثقافية متباينة. ومن ثم، فإن الصراع الظاهر للعيان بين الأيديولوجيات السياسية قد لا يكون في جوهره إلا صراعًا من أجل إثبات كل أنصار أيديولوجية سياسية، إخلاصهم الذي لا يُقارن بإخلاص غيرهم من أنصار الأيديولوجيات الأخرى لذلك النسق الثقافي المتبلور حول اعتقادٍ في شكلٍ محددٍ للقومية، ولكن ما أشكال القومية تلك؟! وهل أشكالها متعاقبة تاريخيًا أم متعاصرة؟
لا يمكن الزعم بأن ثمة قومية حقيقية وقومية غير حقيقية، فكل القوميات متخيَّلة ومتوهَّمة (بندكت أندرسن، 1999، ص14) ما دامت قد تجاوزت نطاق المجتمع البدائي أو القروي الذي يرتبط أفراده برابطة الدم ويعرف كل فرد فيهم الآخر بصلات القرابة القائمة على الدم، غير أنه يمكن القول بأن القومية المستندة إلى وحدة اللغة بين أفراد تجمع بشري هو شكل عرفته المجتمعات البشرية في نهاية القرن الثامن عشر، ثم هيمن عليها؛ حيث كانت القومية المستندة إلى وحدة الدين بين أفراد التجمع البشري تشكل ما يمكن أن أسميه “القومية الدينية” هى المهيمنة على المجتمعات البشرية قبل ذلك، وتشاركها في الحضور تلك القومية المستندة إلى صلات القرابة والمصاهرة بين أفراد التجمع البشري والتي شكلت “حكم الأسرات” في أوروبا الإقطاعية، وهذا الشكل من “قومية المضاجعة” (المرجع السابق، ص80) يُعد قومية حقيقية كقومية المجتمع القروي ما بقي أفراده يعرفون بعضهم بعضًا، وقد يتسع نطاقه ويتجاوز حدود الأرستقراطية الإقطاعية فيبلور شكلًا من القومية القائمة على وحدة الدم ويمكن أن نسميه “القومية العرقية”، وهنا يصبح قومية متخيَّلة.
نتصوّر أنّ كل شكل من أشكال تلك القومية يمثل نسقًا ثقافيًا أو ثقافة مشتركة تحرِّك عقول وجوارح قطاعات كبيرة من أفراد المجتمع، وأنه وإن كان للوهلة الأولى يبدو أن العلاقة بين أشكال القومية تلك هي علاقة تعاقبية، فإن واقع الحال يكشف عن وجود صراع بين تخيلات الأفراد، وهي كلها تخيلات تدور حول هذه الأشكال من القوميات/ الثقافات المشتركة الحاضرة في داخل المجتمع الواحد في نفس اللحظة التاريخية من أجل تعيين هوية “الشعب”. ومن ثم فإن الإيهام بأن القومية القائمة على وحدة اللغة والمهيمنة بفضل الطباعة والمصاحبة لصعود الطبقة البرجوازية اجتماعيًا والرأسمالية اقتصاديًا قد هيمن على المجتمعات البشرية ومحا من واقع البشر “قومية المضاجعة” و”القومية العرقية” و”القومية الدينية” لا يخرج عن أن يكون محض أحلام.
ومن هنا، وإذا كانت القومية يتخيّلها الناس أو يتوهمونها تحت تأثير اللغة وما تنتجه من معاجم وتراث ثقافي في شتى مجالات المعرفة، فإن تعيين الشعب متأثرٌ – لا شك – بشكل القومية المُعتقد فيه ودرجة الصراع مع بقية الأشكال الأخرى من القومية؛ متأثرٌ بالثقافة المشتركة المتبلورة من تخيلات الناس حول الرابط الذي يشكل قوميتهم. وعلى هذا، يكون البحث عن “تمثيل الشعب” في خطاب فؤاد حدّاد بالتوازي مع تمثيلات الشعب في خطابات رئاسية موازية زمنيًا (ناصر – السادات – مبارك) هو بحث في تفاصيل عملية صياغة تخيُّلات أفراد المجتمع لتعيين هوية الشعب من مواقع تمثيل للذات الجماعية قد تتفق في شكل الهوية التي يتم بناؤها للذات الجماعية حينًا فتنتج صياغة واحدة من التخيلات والتوهمات، وقد تختلف حول هذا الشكل الذي يتم بناؤه لهوية الذات الجماعية فيتخذ شكل الخلاف السياسي؛ بما يكشف أن الهوية ذات بعد سياسي نظرًا لتشكلها متأثرة بموقع بنائها منه.
ومثلما كان من غير الممكن الزعم بأن ثمة قومية حقيقية وأخرى غير حقيقية استنادًا لكون كل القوميات متخيّلة، فإن من غير الممكن الزعم بأن ثمة تمثيلًا حقيقيًا للشعب وتمثيلًا غير حقيقي سواء في خطاب فؤاد حدّاد أو في الخطابات الرئاسية الموازية، وذلك استنادًا لمفهوم “الصدق الثقافي”[8]؛ والمقصود به مطابقة القول لمعتقد قائله. ومن ثم، كل تمثيلات الشعب هى صادقة ثقافيًا ما دام تجسيدها اللغوي مطابقًا لمعتقد منِتج هذه الخطابات، وليس ثمة وسيلة لإثبات مخالفة القول للمعتقد سوى بالوقوف على المسافة الفاصلة/ الواصلة بين القول والفعل؛ أعني الممارسات الاجتماعية والحياتية مصداقًا لمطابقة القول للمعتقد. ويبدو أن هذا التصور يجعل إمكانية التأويل للأقوال مقيَّدة بعدم الانحياز المبدئي تجاه كل خطاب بافتراض كونه محمّلا بوعي زائف أو تلاعبات خطابية مُدانة ثقافيًا، كما أن إمكانية التأويل هذه مقيّدة أيضًا بإجراء مطابقة للقول على الفعل، لا سيما أن أية محاولة لتخفيض إمكانية التأويل عبر الاعتماد على أثر الخطاب على المُخاطَب يعني أنها محاولة لرصد أثر موقع ثقافي – يمثله منتِج الخطاب – على جماهير متنوعة في انتماءاتها للمواقع الثقافية؛ مما يزيد من عدد التأويلات المحتملة، بشكلٍ يجعل الاقتصار على رصد أحدها – وهو بالضرورة أمر واقع – تحيزًا لموقع ثقافي بعينه. هذا فضلًا عما تعكسه محاولة تخفيض حدود التأويل للخطابات من إعلاء ضمني لقيمة الموضوعية العلمية المستخدمة في أحايين كثيرة لتسييد أو لتقويض الخطابات بالتبادل.
ومع ذلك، فحتى الرغبة في تخفيض سقف التأويل لحدوده الدنيا بالاعتماد على مطابقة القول للفعل هى رغبة غير مؤكد تحقيقها؛ نظرًا لأن الفعل في حد ذاته ظاهرة اجتماعية مثيرة بذاتها لتأويلات متعددة بتعدد المتفاعلين معها سلبًا وإيجابًا. ومن ثم، يصعب تقييد حدود تأويل القول بما هو مثيرٌ لتأويلات متعددة وهو الفعل أو السلوك الاجتماعي والسياسي. ومن هنا، نعتقد في ضرورة التنازل عن الرغبة في زعم الموضوعية وتقييد التأويل مثلما سبق أن تنازلنا عن الافتراض السابق بوجود وعي زائف في خطاب الآخر علينا كشفه أو فضحه لصالح وعي آخر يتسرّب خفيةً في خطابنا.
ويمكننا الزعم أن ثمة معيارًا أجدر بالاتباع في التمييز بين الخطابات؛ الأدبي منها والسياسي، وهو معيارٌ قابل لفحصه والتحقق منه؛ ألا وهو: إلى أي مدى أثّر إدراك الآخر/ الشعب في الخطاب على رسم صورة متوازنة لذاك الآخر/ الشعب؟ ومن المهم أن نشير إلى أن هذا المعيار هو المعيار نفسه، الذي طبقه إدوارد سعيد في نقده للذات الغربية المتمركزة حول نفسها مذكّرًا بأنه “إذا كنا لا ندرك أن جوهر الإنسانية هو إدراك التاريخ البشري بما هو مسار متواصل من معرفة الذات وتحقيق الذات، ليس بالنسبة لنا وحدنا، الأوروبيين والأمريكيين البيض الذكور، وإنما بالنسبة لجميع الناس، فهذا يعني أننا لم ندرك شيئًا على الإطلاق. توجد تراثات حصيفة أخرى في العالم. توجد ثقافات أخرى. يوجد عباقرة آخرون”. (إدوارد سعيد، 2005، ص46).
نعم، توجد ثقافات أخرى، وتوجد أيضًا أنساق ثقافية مختلفة داخل الثقافة الواحدة، ومن ثم توجد تخيّلات مختلفة ومتعددة للذات القومية، وبالتالي من الطبيعي أن توجد تمثيلات متعددة ومختلفة للشعب، لكن السؤال هو: هل هناك فرقٌ مفترض – مبدئيًا – بين التعبير اللغوي لتمثيل الرئيس للشعب والتعبير اللغوي لتمثيل المثقف/ الشاعر للشعب؟ بعبارة أخرى، هل ينبغي أن نميّز عند تطبيقنا لمعيار التوازن في رسم صورة الآخر/ الشعب لغويًا بين خطاب رئاسي وخطاب شاعر/ مثقف؟
نميّز عند تطبيقنا لمعيار التوازن في رسم صورة الآخر/ الشعب بين مقتضيات الخطاب الرئاسي وما يُفترض أن يكون من مقتضيات خطاب الشاعر/ المثقف. ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التمييز على أساس الخصوصية النوعية المستندة لمرجعية النظام الأدبي؛ حيث يكون التمييز بين الشعر وبين الخطبة السياسية فقط بتحديد خصائص مائزة للشعر استنادًا لسنن أدبية هى ذاتها ابنة مؤسسات صياغة النظام الأدبي في سياقات ثقافية متغيرة، كما هو الحال مع سنن الخطب السياسية. وإنما – وهذا هو المقصد هنا – التمييز بين موقع ثقافي للرئيس لا يفترض – بداهة – تعارضًا بين انتمائه للهوية (عرقية/ دينية/ لغوية/ أيديولوجية) وبين انتمائه للثقافة؛ ذلك أن الثقافة – من موقع تكلمه هذا – تكون “أكثر التصاقًا بالأمة أو الدولة (…) هى منبع الهوية”،Edward Said.1993.P.3-4) ). ولا شك أن الانطلاق من الموقع الثقافي للرئيس بفهمٍ للثقافة على أنها منبع الهوية وأنها ذخيرة المجتمع لأحسن الأفكار والمعارف، سينتج استجابات أكثر استعدادًا لإنتاج أصوليات قومية ودينية من الاستجابات الناتجة عن الموقع الثقافي للشاعر/ المثقف؛ لا سيما إذا كان منطلقًا من إدراكٍ لوجود تعارض بين انتمائه للثقافة وانتمائه للهوية (العرقية/ الدينية/ اللغوية/ الأيديولوجية).
فكَوْن المرء عربيًا، وكَونه مثقفًا، أمران لا يمكن مطابقتهما؛ ذلك أنه ليس عربيًا بكل ما في الكلمة من معنى، فهذه الكلمة “عربي” تنطبق جزئيًا على شخصه، لكن لا يمكن أن تنطبق كليًا على شخصه بكل ما توحيه من دلالات، كما أنَّ هويته باعتباره “مثقفًا” ليست عربية فقط؛ حيث إن “انتماءك لجزء بشكل تام يجعلك متنافرًا مع انتمائك لـ”كل جزء”. (Jacques Derrida.1992.P.82).
إذن، هناك تعارضٌ واقعٌ – لا محالة – بين انتماء فؤاد حدّاد للهوية العربية وانتمائه للثقافة باعتباره مثقفًا/ شاعرًا، والحقيقة أنه تعارضٌ أخطر من تعارضات أخرى أثارت اهتمام المعنيين بخطابه وبالخطابات الرئاسية، كتلك التعارضات بين(مصري/ عربي – لبناني/ عربي) أو (مسيحي/ مسلم) أو (اشتراكي – أرستقراطي) أو (شيوعي – مؤمن)؛ ذلك أن هذه التعارضات داخل الهوية الواحدة التي يمكن التوفيق بين تجلياتها الجغرافية والتاريخية؛ فهي إما انتماء لعرق أو لدين أو لأيديولوجيا، وكلها انتماءات مبنية على تخيّلات الناس وتوهماتهم لما يصيغ ويحدد قوميتهم. أما التعارض – الذي سميناه التعارض الأخطر – فهو ذلك التعارض بين الانتماء للقومية (عرقية – دينية) المستند لإدراك الذات لنفسها بالقياس إلى نفسها من موقع تمثيل له، بطبيعة الحال، سمة أيديولوجية وسياسية، وبين الانتماء للثقافة باعتباره انتماء الذات لنفسها بالقياس إلى الآخر.
إن التعارض بين تجليات الانتماء لقومية يُحلُّ تحت رعاية حرّاس يقظين للهوية على نحو يجعل التعارضات توسيعًا للذات على اعتبار أن الاختلاف هو اختلافٌ مع الذات من أجل الذات، تلك الذات التي تشكلت من اختلافاتها مع ذاتها. إنها ذات قومية “تحدد نفسها مع نفسها، وبالتالي تحدد هويتها الثقافية الخاصة، من خلال فكرة أنها موجودة لذاتها، وبالتالي تحدد ذاتها بالشكل الذي يجعلها أكثر مقبولية لذاتها، إنه اختلافٌ ذاتي، اختلافٌ مع النفس، اختلافٌ بالقياس إلى النفس التي تبقى مع نفسها مغلقة على نفسها (…) اختلافٌ بالقياس إلى النفس، مختلفة مع نفسها من أجل نفسها، في حالات الإغواء، الخطر، فرصة البقاء في البيت (مع نفسها)، والتمرد مع، من أجل تهدئته لكي يظهر داخليًا بسيطًا، حرًا داخليًا – محميًا جيدًا بواسطة حراس يقظين للهوية”. (المرجع السابق، ص25-26).
وصفوة القول، إن الموقع الثقافي للشاعر/ المثقف يفترض فيه أن يحدِّد الشاعر ذاتَه بالقياس إلى الآخر وليس بالقياس إلى الذات نفسها، الأمر الذي يتجلَّى في اختياره للنسق الثقافي الذي يمتح منه تخيلاته للقومية، مما يؤثر بشكل واضح على تمثيله للشعب/ الآخر. أما أن تزول المسافة بين الموقع الثقافي/ السياسي للشاعر/ المثقف وبين الموقع الثقافي/ السياسي للرئيس لدرجة التطابق فيمتح كلاهما تخيلاتهما للقومية من ذات النسق الثقافي؛ فتحدد الذات معناها بالقياس لنفسها ومن أجل نفسها وليس بالقياس للآخر، فهذا يعني أن التخيّلات المتطابقة للقومية لن تنتج سوى تمثيلات متطابقة للشعب/ الآخر. فحين يلتقي الشاعر مع الحاكم على حافة بئر لرؤية الذات بالقياس إلى الذات، رغم تنوع الأنساق الثقافية وتنوع أشكال القومية فإنهما يمتحان منه قومية واحدة وإن تنوعت تخيلاتها (دينية/ عرقية/ أيديولوجية.. إلخ)، وبالتالي يكونان أسيْرين لنهج واحد في تعيين هوية الذات الجماعية/ الشعب وإن اختلفت المواقف السياسية منها.
وهنا يكون من غير المتوقع أن يختلف تمثيل هذا الشاعر للشعب عن تمثيل ذاك الحاكم له؛ مما يعني أن هذا الشاعر يتنازل عن وعيه الفردي/ الكتابي بقدر ما يكون صدى صوت بئر الهوية الذي نهل منه ذاك الحاكم أغلبه حتى ارتوى، ولم يترك للشاعر إلا أن يكون المعادل الفني لبطريركيته السياسية عبر إعادة إنتاج بناء الهوية ذاته الذي بناه ذاك الحاكم للذات الجماعية/ الشعب، وفي الوقت نفسه يتنازل هذا الشاعر بذلك أن يحقق تفرّده الإبداعي بطريق المخالفة للسنن الأدبية وتراث الشعر الكامن فيه عقل الأمة المُتخيلة ويختار أن يحقق تفردّه الإبداعي بتمثل تراث الشعر وسننه الأدبية، ويمتثل له ليتحول إبداعه إلى تراثٍ متكوِّنٍ من، ومكوِّنٍ لعقل الأمة، وبذلك يكون بنّاءً للهوية الثقافية بنفس طريقة بناء ذاك الحاكم للهوية الثقافية للذات الجماعية، وإن حدث خلاف بينهما فهو خلاف مصدره اختلاف المواد المُستخدمة في بناء الهوية، لا في كيفية البناء، فضلًا عن مشروعية البناء من عدمها.
أما إذا انتهج شاعرٌ نهج إدراك الذات بالقياس إلى الآخر فإنه لا شك سيختلف عن ذاك الحاكم في نسقه الثقافي لشكل قوميته المتخيّلة، وهو ما سيؤسس لميلاد وعي كتابي/ فردي لدى الشاعر لتمثيله للشعب دون الامتثال للنماذج الثقافية المهيمِنة ولا السنن الأدبية التي يُتوقع منه أن يمتثل لها. إن مأزق هذا الشاعر هنا أن آخره الذي ينبغي أن يدرك ذاته بالقياس إليه هو الشعب. إن تماهي شاعر مع الشعب موتٌ لفردية الشاعر، وانفصال شاعر عن تراث الشعر مستحيل. فأي شاعر كان فؤاد حداد؟ وأي شعب أدرك فؤاد حدّاد ذاته الشعرية بالقياس إليه؟ وكيف يؤثر ذلك على نهجه في الامتثال أو الخروج على السُنن الأدبية؟
…………..……………..
[1] اقتراح السنة الأدبية ترجمة لـLiterary Canon هو اقتراح للدكتورة فريال غزول، وقد استحسنته واستخدمته عوضًا عن الأعراف الأدبية؛ لما تنطوي عليه كلمة السنّة من إحالة للخلفية التاريخية للمصطلح في المجال الديني.
[2] إن إدراكنا لجوانب تشابهنا مع الآخر أصعب من إدراكنا لجوانب الاختلاف والتنافر معه، وكذا فإن خضوعنا للتاريخ واللغة باعتبارهما أداتي سيطرة أيسر علينا من مقاومتهما ونحن نرسم صورة ذاك الآخر؛ ذلك أن صورة الآخر لا تتوقف على الآخر في الواقع فحسب، بل بشكل أكبر على إدراكنا للآخر في الواقع ومن أى موقع نبني صورة ذاك الآخر، وهذا عينه ما يجعل من المبدأ الحواري مبدأ ثقافيًا يتجاوز الأدب، ففي كتابه (1996) “باختين.. المبدأ الحواري” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بترجمة فخرى صالح، بيروت، ط2، يشير تزفيتان تودروف إلى دور باختين في تأكيد دور الإرادة الإنسانية في تشكيل الخطابات الأدبية وغير الأدبية ورفض فكرة التقويض التي ترهن تشكيل الدلالة بعوامل لغوية وغير لغوية تفوق الإرادة الإنسانية الفردية، مما يفضي – من وجهة نظرنا – للاستسلام للنزعة التوحيدية ومن ثم غلق باب التاريخ، حيث يقول تودروف: “تحول تفكير باختين حول الرواية إلى شكل من أشكال الأنثربولوجيا، ومن هنا تجاوزت نظرية الأدب حدودها ثانية، بسبب إنجازاتها وما تحقق عن طريقها: إن الوجود الإنساني نفسه هو الوجود المتغاير الخواص Heterogeneous بصورة غير قابلة للاختزال؛ إن “الوجود الإنساني هو ما يوجد فقط في حالة حوار” ص17. ويمكن الرجوع أيضًا إلى ميجان الرويلي وسعد البازعي (1995): “دليل الناقد الأدبي” فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط1، ص 146-147.
[3] نختلف هنا مع فهم عبدالله الغذامي للنسق الثقافي في كتابه (2001) “النقد الثقافي” حين يختزل الأنساق في نسقين (معلن/ مضمر) ثم يختزل العلاقة بين هذين النسقين في علاقة تناقض حتمي، ثم يختزل النصوص التي تحضر فيها الأنساق في النص الجمالي والجماهيري؛ لتصبح الجماهيرية وهي المعيار المفضل لدى الناقد الثقافي هي نفسها الشرط والدليل على وجود الصراع النسقي المحسومة نتيجته سلفًا لصالح المضمر المُدان لدى الغذامي على طول الخط. يقول الغذامي: “نطرح النسق” كمفهوم مركزي في مشروعنا النقدي (..) يتحدد النسق عبر وظيفته وليس عبر وجوده المجرد، والوظيفة النسقية لا تحدث إلا في وضع محدد ومقيد، وهذا يكون حينما يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر، ويكون المضمر ناقضًا وناسخًا للظاهر، ويكون ذلك في نص واحد أو في ما هو في حكم النص الواحد. ويشترط في النص أن يكون جماليًا، وأن يكون جماهيريًا” (ص76).
وهو ما يمكن ملاحظته في هذا الفهم للنسق الثقافي هو التغييب التام للإرادة الإنسانية الفردية في مقاومة الأنساق المهيمنة، فضلًا عن إعلاء النسق فوق التاريخ فيصبح ثابتًا لا يتأثر بالسياقات التاريخية. ومن ثم نميل إلى فهم فان ليتش للنسق الثقافي في كتابه “النقد الثقافي”.
Vincient B.Letitch: Cultural Criticism (1992): Literary theory, post structuralism, Columbia University Press, New York.
إذ الحديث عنده يدور عن ضرورة التمييز بين المجتمع والثقافة، فمع التشكيلات الاجتماعية نتكلم عن ثوابت وحتميات، أما الثقافة فتقترن بتشكيلات تتسم بالتنوع والتغير ومصائر محتملة وغير نهائية يكون للإرادة الإنساتية الفردية دور كبير في تحديدها في كل سياق تاريخي. يقول فينيست ليتش: “باستخدام كلمة ثقافة بشكل أساس على حساب مصطلح مجتمع، فإنني لا أهدف إلى المرادفة، (..) كون الثقافة بناء يفيد بأن الترتيبات الإنسانية قمعية وقابلة للتغير، في كل من الماضي والحاضر. إنها مسألة نقض الحتمية الاجتماعية وليس إنكارها. ومن ثم، فالقول بأن الناقد الثقافي يدرس “التشكيلات الثقافية” هو أمر مختلف عن القول بأنه يدرس “التشكيلات الاجتماعية”. فالقول المذكور أولًا ينطبق على الاهتمام بالشفرات المنطقية التأسيسية، والمعايير المؤسساتية، ممارسات الهيمنة والمعارضة، بينما القول المذكور أخيرًا يدور حول ملاحظات إمبريقية لكيانات خاملة”. ص 170.
[4] مصطلح “موقع الثقافة” هو لهومي بابا في كتابه الصادر بنفس العنوان بترجمة ثائر ديب (2006). ومن الأهمية بمكان هنا تمييزه بين “التنوع الثقافي” و”الاختلاف الثقافي”؛ فالتنوع الثقافي هو فقط معرفة بمحتويات وعادات ثقافية مما يولّد أفكارًا ليبرالية عن التعددية الثقافية والتبادل الثقافي، لكن مع استمرار التصور الطوباوي لكل ثقافة على أنها كلية الطابع ومكتملة بذاتها أو منعزلة وغير ملطخة بتناص مواقعها التاريخية من أجل تدشين ذاكرة أسطورية خاصة بهوية جمعية فريدة، أما الاختلاف الثقافي فهو سيرورة تدليل تتباين عبرها أقوال الثقافة أو الأقوال عن الثقافة وتتمايز وتقر إنتاج حقول المقدرة والاستطاعة والرجعية وقابلية التطبيق. وبالتالي فمفهوم الاختلاف الثقافي يركّز على مشكلة تجاذب السلطة الثقافية ومحاولتها السيطرة باسم تفوق ثقافي لا يُنتج هو ذاته إلا في لحظة التباين؛ وهي لحظة يكون فيها الانشطار بين الحاجة الثقافوية التقليدية إلى نموذج أو تراث أو جماعة أو منظومة مرجعية مستقرة، وبين النفي الضروري لليقين لدى الإفصاح عن حاجاتٍ ومعانٍ واستراتيجياتٍ ثقافية جديدة في الحاضر السياسي بوصفه ممارسة للسيطرة أو مقاومة، فالصراع سواء لدى اليمين أو اليسار يكون بين الزمن الغائي أو الأسطوري وبين سرد التقليدية. (راجع الصفحات 88-90) والجدير بالذكر أيضًا تلك الإشارة لهومي بابا لورطة أن يكون المثقفون مضطرين لتعريف أنفسهم على نحو مزدوج “بوصفنا في آنٍ معًا لا متمركزين في سيرورات تضامن الجماعة السياسية، وبوصفنا أنفسنا كفاعلين في التغيير، واعين بل متفردين؛ حملة الإيمان والعقيدة (..) أتكون هذه الرغبة في تعيين جزئي للهوية ضربًا من المحاولة الإنسانية الجميلة، بل المحزنة والمثيرة للشفقة لإنكار إدراكنا (..) بأن تقنيات السياسة وتكنولوجياتها لا حاجة بها أن تكون مؤنسنة على الإطلاق، أو أن تصادق بأي حال من الأحوال على ما نعتبره بمثابة الإنسانوي – الإنساني؟ يالها من ورطة” (ص132).
[5] في كتابهما “النظرية الثقافية.. المفاهيم المفتاحية” يميز كلٌ من أندرو إدجر وبيتر سدجويك بين معنيين للتمثيل. الأول معنى سياسي متصل بالمفاهيم الليبرالية للعملية الديمقراطية، حيث يكون من خلال كيانات مؤسسية أو جماعات ضغط من أجل مصالح ذوات سياسية، اما المعنى الثاني للتمثيل – ويريانه مختلفًا عن الأول – فهو ليس تمثيلًا لمصالح مجموعات، بل تصويرٌ لمجموعات بصور نمطية؛ بحيث “يمكن أن يوصف التمثيل بأنه إساءة تمثيل؛ لأنه تمثيل أو بناء هوية”.
Andrew Edgar &peter Sedgwick (ed.) 2008.p.294.
لكن نظرًا لأننا في عالمنا العربي على وجه العموم وفي مصر على وجه التحديد لم يكن التمثيل بالمعنى السياسي وفق المفاهيم الليبرالية للعملية الديمقراطية متحققًا، سواء في ظل الملكية حيث العرش بالوراثة وموافقة الاستعمار (بريطانيا)، أو في الجمهورية في ظل نظام يوليو، حيث الحكم للقوة العسكرية المسلحة ومباركة الاستعمار الجديد (أمريكا)، فإننا لا نفصل فصلًا تامًا بين التمثيل بالمعنى السياسي والتمثيل بمعنى بناء الهوية عبر التمثيل حينًا وإساءة التمثيل أحيانًا. إذ التمثيل بمعنى بناء الهوية يُمارس في خطاب الممِّثل السياسي طوال رحلته من لحظة التفكير في الوصول للسلطة حتى آخر جملة يقولها قبل الرحيل أو الإخراج من السلطة. ومن ثم يمكن أن نطرح سؤال التمثيل وإساءته على الخطاب الرئاسي والخطاب الشعري في آنٍ لرصد عملية التفاوض التي تجري بين المواقع الثقافية/ السياسية على طريق بناء الهوية للشعب؛ وذلك من منطلق أن الخطاب الرئاسي يقوم بعملية بناء لهوية الشعب وكذا الخطاب الشعري لأن اللغة ليس مرآة للعالم ولكن بناء له، ومن منطلق أن المُخاطِب في الخطاب الرئاسي يحدد مصالح الشعب وفقًا للهوية التي يبنيها لهم وليس وفقًا لعملية تمثيل سياسي حقيقية خارج خطابه السياسي، وكذا يفعل الخطاب الشعري. والأهم من المنطلقات السابقة الانطلاق من اعتقاد بأن السلطوية ليست قاصرة على الخطاب الرئاسي (الحاكم)، وإنما هى سمة تَسِم الخطاب ذاته إذا ما مارس تمييزًا أو إساءة تمثيل لآخر يؤدي لسيطرة ذات المُخاطِب عليه، ولا فرق في ذلك بين خطاب “تحرري” أو “خطاب سلطة”، ولا بين “خطاب نخبة” و”خطاب جماعة شعبية”، ونتفق في ذلك الاعتقاد حول مفهوم السلطوية مع كل من نادر كاظم وعماد عبد اللطيف. راجع في ذلك:
-نادر كاظم (2006): الهوية والسرد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص212-321.
– عماد عبد اللطيف (2006): من الوعي إلى الفعل.. مقاربات معاصرة في مقاومة الخطاب السلطوي، ص71 ضمن:
Colloque International univerite de caire ) 2006). Discourse et Relations de pouvoir, Faculte des letres , Department de Francais.
[6] راجع كامل مرسي (د.ت): أسرار مجلس الوزراء، على الشبكة الدولية للمعلومات:
www.faroukmisr.net/king_farouk10_2.htm.
[7] خطبة الملك فؤاد الأول في افتتاح البرلمان المصري في 1924، راجع موقع ذاكرة مصر المعاصرة التابع لمكتبة الإسكندرية:
www.modenegypt.bibalex.org/TextViewer.aspx?ID=1159&type=Speach
[8] هذا المصطلح اقترحه نادر كاظم (2006) في كتابه: “الهوية والسرد”، في سياق حديثه عن الأحاديث المكذوبة على الرسول وكيف أنه من الناحية الثقافية يمكن اعتبارها صدقًا لكونها تتطابق مع اعتقادات الجماعة الثقافية المتمثلة في رواتها وناقليها وسامعيها (ص95) ويستند فيما يذهب إليه إلى قول أحد البلاغيين والكلاميين وهو إبراهيم النظام المعتزلي (221هـ) بأن صدق الخبر هو “مطابقة حكمه لاعتقاد المُخبِر صوابًا كان أو خطأ، وكذبه عدم مطابقة حكمه له” راجع الخطيب القزويني (1980): الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتاب اللبناني ط5، بيروت، ص86.











