قراءة في كتاب “صورة الشعب بين الشاعر والرئيس” للدكتور سيد ضيف الله

د. شاكر عبد الحميد

“كل شيءٍ فيه شيءٌ من الإنسان

كل شيءٍ فيه شيءٌ من الأوثان

كل شيءٍ فيه شيءٌ من الظالم

كل شيءٍ فيه شيءٌ من المظلوم”..

فؤاد حداد

يمثل هذا الكتاب دراسة مهمة في النقد الثقافي وهو يقوم ‑ في جوهره ‑ على أساس جهد علمي لافت، اهتم خلاله مؤلفه الدكتور سيد ضيف الله بتحليل عمليات تمثيل صورة الشعب لدى ثلاثة من الرؤساء المصريين (عبد الناصر، السادات، مبارك)، وقام كذلك بالتحليل لهذه الصورة كما تجلت في خطبهم، وتجسدت أيضًا ‑ على نحو مواكب ‑ في كتابات شاعر كبير مثل فؤاد حداد، كما أنه اهتم بدراسة تطور المجتمع المصري وتطور الخطاب السياسي فيه عبر تلك الفترة التي تمتد من عام 1952 حتى 1985 (قرابة 33 عامًا).

هكذا قام ضيف الله بالتأصيل النظري للمفاهيم الأساسية التي استخدمها في تحليلاته وهي: “التمثيل، الموقع الثقافي، الخطاب الاستعاري، السنة الأدبية”، ووضع يده بشكل جيد على موضوعات مهمة مثل: تمثيل الشعب باعتباره الآخر، بناء الهوية في النظام الأدبي، النقد الثقافي والمادة، بناء الهويات، إضافة إلى الموضوع الأساسي للكتاب وهو: تمثيل الشعب عند فؤاد حداد وجمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك.

وقد أشار الكاتب على نحو واضح إلى أن هذا التصور السائد للشعب على أنه آخَر- كما ورد لدى رايموند وليامز وهومي بابا وغيرهما و كما جاء في خطب الرؤساء وأشعار حداد- أشبه باستراتيجية بلاغية مهمة في تنفيذ هذه النصوص وتوصيل محتوياتها.

 وظهر في الكتاب أيضًا ذلك الاهتمام بموضوع “الاستعارات في الخطابات” بوصفها “دراسة للثقافة من حيث هي تمثيلات متصارعة، حيث الخطاب الاستعاري خطاب يتكون من مجموعة من الاستعارات ذات أنماط مختلفة ترتبط فيما بينها بعلاقة تفرضها استراتيجية خطابية معينة تهدف لتحقيق الانسجام الخطابي من ناحية، وتسعى لتمثيل جانب مختار من الموضوع المستهدف تمثيله من ناحية أخرى، وهو هنا الشعب”.

لقد كتب فؤاد حداد قرابة 38 ديوانًا شعريًّا، وثلثا هذه الأعمال ‑ تقريبًا ‑ كتبت في السنوات الأخيرة من حياته، وكتبها وهو مريض، ونوَّع خلالها في الأشكال والموضوعات والشخصيات والأساليب (وقد كانت تلك فترة حسني مبارك)، أما الفترة الخاصة بحكم عبد الناصر (1952 : 1970) فحدث فيها تدفق إبداعي أيضًا لدى حداد، كما امتازت تلك الفترة بالأحداث والإنجازات والمحن، بيد أن فترة أوائل الخمسينيات ونهايتها تقريبًا بعد النكسة وما بينهما لم يرد ذكرها في الكتاب إلا قليلاً، مما قد يُظهر صاحبه على أنه قد تحامل ‑ على نحو ما ‑ على عبد الناصر، وربما على حداد، مع إهمال واضح للسياق الثقافي الحاكم في تلك الفترات.

في فترة السادات كثرت خطاباته، وقلت إبداعات حداد ‑ على الأقل المنشور منها ‑ خلالها. هكذا ظهر خلال الكتاب اهتمام أكبر بخطب السادات وأقل بأعمال حداد، بيد ان هذه الأعمال ‑ على قلتها ‑ فيها رؤية عميقة للشعب ومحاولة لإيقاظه، وكشف لأبعاد عديدة في الشخصية المصرية والواقع المصري . وفي فترة مبارك حدث تدفق شعري لدى حداد، وحدث فقر استعاري في خطابات مبارك .. وهكذا فإنه بينما كانت استعارة “أنا كبير العائلة”، أو “مصر عائلة أنا كبيرها”، وأخلاق القرية هي السائدة لدى السادات (صورة الأب والكبير والزعيم)، فإن مبارك كان يكثر من القول “إن مصر بلد الاستقرار”، ومع ذلك فقد كان يردد كثيرًا مقولات مثل: “الشعب المصري بطنه واسعة، الشعب جعان، الشعب مجرم، الشعب عالة، عدواني، همجي …”، وكما ورد في هذا الكتاب، كانت الاستعارة السائدة لدى حداد في تلك الفترة هي “الحياة تشبه الموت”.

هكذا تعمقت الرؤية الفلسفية والتأملات في كتابات حداد، وهكذا تواجهنا صور المرايا والقطط اللي بسبع أرواح والحريق اللي بيراسل الأشباح والشجر الذي يأكل الديابة والعرب “اللي لابسين بِدَل (جمع بدلة) العنكبوت”، هناك نوع من التأمل في الحياة والموت الشجي والولع بالفانتازيا، كما في قوله: “لو رميت في الجو قشرة موز راح تلاقي عيون تتزحلق ثم تتزحلق معاها الودان”. أو قوله: “إحنا في زمن الحوادث والفرجة الهستيرية”، وكذلك: “إذا كانت الكوابيس قذرة فالنوم أقذر”. كذلك تزايدت لدى حداد أيضًا عمليات تداخل في الأصوات وولع بالسخرية والتأمل للذات والحياة والفرجة عليهما والتجريب وقصائد النثر والخيال الذي بلا حدود والجروتسكية والنزعة الكارنفالية، يقول مثلاً: “وسهرنا ليالي الوباء على المصباح الكهربائي، شاكرين إديسون، متذكرين تنيسون”.

ومن الإشارات المهمة في هذا الكتاب ما قاله سيد ضيف من أن “حدة الصراع بين الخطاب الاستعاري لفؤاد حداد والخطابين الاستعاريين لكل من السادات ومبارك قد زادت من إيمان فؤاد حداد بتصوراته الاستعارية عن ذات الشعب المتخيل المستندة للعرب، أمة وليس قبيلة، وللفقراء شعبًا اختار الانتماء له والدفاع عنه”.

 كان فؤاد حداد نموذجا للمتمرد على النمطي والسائد والتقليدي، فهو المسيحي الذي اختار الإسلام دينًا، وخريج المدارس الفرنسية، والمترجم عن اللغة الفرنسية الذي اختار أن ينطق بالعربية بل وبالعامية وهو المتقن للفصحى المتبحر فيها، و ابن كبير المحاسبين في البنك الأهلي الذي يختار الشيوعية منهجًا، ويكون مسلمًا مؤمنًا ومتصوفًا وماركسيًّا وناصريًّا خلال الوقت نفسه بلا تناقض ولا ازدواجية، بل في مزاج أقرب إلى المزاج الصوفي والفني المتجاوز للتناقضات، إنه شاعر الشعب دون شك.

من الجوانب المهمة في هذا الكتاب  أيضًا  إشارات مؤلفه إلى تلك التحولات في الخطاب الاستعاري لدى فؤاد حداد من الأعمال الأولى التي ظهر فيها ما يشبه المطابقة مع خطب عبد الناصر، ثم في الأعمال التالية التي ظهر فيها نقد مؤسسات المجتمع والتعاطف مع الضعف البشري، كما تناقص لديه التعاطف مع البطل الإيجابي المطلق الذي يمثل الشعب لأنه كان قد بدأ يسير في طريق خذل خلاله هذا الشعب. هكذا تحول حداد من الانتماء الطبقي إلى الانتماء للإنسانية، ومن الانتساب للغلابة فكريًّا إلى الانتماء إليهم نفسيًّا، وهو انتماء أعمق من مجرد الانتماء الطبقي ذاته، ثم فتح دائرة الذات القومية على دائرة الذات الإنسانية الهويات (الجماعات) المتخيلة وفقًا لمقولات بندكت أندرسون.

أحيانًا كنت أشعر أن المؤلف قد بالغ في تطبيقاته في الاستخدام لمفهومي «التمثيل» و«الخطاب الاستعاري»، بينما تراجع اهتمامه بمهفومي «الموقع الثقافي» و«السنة الأدبية». وأحيانًا كنت أشعر ايضا أن المؤلف ينتزع النص من سياقه، أي انه كان لديه ذلك الخطاب الضمني المتحيز عن الآخر وبخاصة عن عبدالناصر باعتباره آخر.

 ومن مفردات أو عبارات أو استعارات قليلة حدثت عملية نزع لها من سياقها و قيام بالتأويل الخاص لها، و تحويل ايضا لللغة الاستعارية إلى لغة حرفية كي تخدم شيئًا متعمدًا عن قصد في نفس المؤلف او في لاشعوره، فمثلاً: عندما يتحدث عبد الناصر عن “المحبة”، التي هي الطريق إلى الرقي والقوة، ويقول إنها “إذا ألَّفت بين الجميع كما ألفت بين الضباط الأحرار قبل 23 يوليو فسنصل إلى الغاية التي ننشدها”، هنا يتم تناسى فكرة المحبة، ويتم التركيز على أن عبد الناصر يطالب بالتماثل بين الشعب والضباط الأحرار!! كذلك فإنه عندما أشار عبد الناصر إلى أن المواطن “كان في الماضي القريب عبدًا ذليلاً فاستطعنا أن نعيد له حقه في الحياة وفي الحرية، فعليه أن يؤدي واجبه وأن يدفع ضريبة الدم التي لا بد وأن يسددها للوطن”، يقول الدكتور سيد “إنه يتم تمثيل الوطن هنا باعتباره ‘محصل ضرائب‘، وإنهم لا بد وأن يدفعوا حياتهم فداء له”!!.

كذلك فإن تلك الإشارات إلى مخاطبة ناصر للجماهير على أنهم “جماهير آخرون” أو أنهم “مَن كان يصفهم بأنهم عبيد أذلاء في الماضي، وأنهم أشبه بالمقيمين وليس المواطنين، فيها كذلك ترسيخ نموذج الضباط باعتباره التجسيد البشري للذات المتخيلة للشعب”، كلها أمور تحتاج إلى مراجعة .. وأنا لا أتحدث هنا عن عبد الناصر مدافعًا عنه ولا عن فترته، ولا عما كان فيها من تسلط ودكتاتورية او أحادية في الرأي وغياب للديمقراطية، وهى أمور يعرفها الكثيرون، ولكني أتحدث عن منهج التحليل لأية مادة، أيًّا كانت، وعن التحيزات التي قد تتطفل من جانب الباحث، عمدًا شعوريًّا، أو لا شعوريًّا، فتجعل الخطاب أو التحليل غير بريء.

وحتى عندما يقول عبد الناصر “لقد رأينا أن خادمًا في سراي عابدين كان يحكم 22 مليونًا من المصريين، وبلغت الاستهانة بمصر وشعبها أن كان يقال إن في مصر 22 مليونًا من النعاج”، يقول المؤلف إن إعادة سردها يحقق أثرًا معنويًّا سلبيًّا على المخاطبين الذين يذكرهم المخاطب بنظرة الحاكم القديم لهم على أنهم نعاج، ومن ثم تذكيرهم بفضل الضباط الأحرار عليهم، وإن استعارة لقب “نعاج” تردد في سياق خطبه تنتج استعارات لا تناقضها مثل “الشعب شعب من المحرومين”، و”الشعب طيب يسهل استغلاله”، ومن ثم يقول المؤلف هنا أيضًا “وقد رأيت أن استعارة الشعب طيب يمكن أن تتطور باتجاه استعارة أخرى وهو الشعب طفل، فيدعم كل استعارة منها الأخرى”.

هكذا يقول المؤلف “إذن تمثيل الشعب باعتباره شعبًا من المحرومين وسهل استغلاله لا ينفي عنه، بل يؤكد الاشتراك بين ناصر وخادم سراي عابدين في فكرة واحدة على الأقل، وهي النظر إلى الشعب باعتباره قطيعًا وإن اختلفا في اعتباره قطيعًا من النعاج أو من البشر، أو في اعتباره يستحق الاستهانة به، أو يستحق ملء بطنه وكساءه وحمايته من المستغلين”، هل هذا معقول؟! هذا وأيم الحق من عجائب التحليل والنقد الثقافي.

أيضًا عندما كان عبد الناصر يتحدث عن فئة من الذين كانوا يحكمون الشعب وليس الشعب كله ويقول “إن الإنجليز لم يكونوا يحكمون بأنفسهم، بل كانوا يحكمون بواسطة مصريين وبواسطة أساليب الاستعمار الفكري والعقلي التي عملت على بث الفرقة وتقويض الأخلاق”، هنا يلجأ المؤلف إلى بعض من آليات التمثيل وهي “التحريف بالحذف” و”التحريف بالإضافة”، فيقول “ومن هذا التشخيص يتبين أن الشعب مريض، وموضع المرض أخلاقه نتيجة لتبعيته للمحتل، وأعراض المرض استعلاء الحاكم على المحكوم، وادعاء الجاهل للمعرفة، وعدم إتقان العمل، والحسد والضغينة”. هنا نجد انتقائية في التمثيل لدى المؤلف نفسه، بالإضافة وعمليات أخرى تدخل في قلب التمثيل إلى نقيضه.

أما مفهوم التمثيل ذاته، فقد كان في حاجة إلى إضافات موضحة، فصاحب المصطلح هو كانط، أما التمثيل فهو العملية التي تصبح من خلالها المعرفة في متناول العقل، والتي من خلالها كذلك تتكون الصور التي نفكر حولها أو من خلالها. وهناك عمليات تمثلها وإعادة تمثيل وصورة نمطية كثيرة موجودة في الحياة الإنسانية والثقافة والفن والإبداع. وعملية التمثيل تكون أحيانًا أشبه بخريطة عقلية مباشرة لموضوع معين أو مكان، وقد تكون رمزًا أو كودًا أو مجموعة من الرموز العقلية في شكل صورة او فكرة أو تجريد، وقد تكون عملية تجريد عقلية للخصائص المميزة لشخص أو جماعة، وقد تكون مباشرة وغير مباشرة، دقيقة وغير دقيقة ومحرفة، أقرب إلى الواقع او بعيد عنه، وهناك انتقائية موجودة دوما في عمليات التمثيل وفقا لعمليات التصنيف للموضوعات التي نحبها أو نكرهها أو نقوم بالنظر إليها في ضوء عمليات كثيرة من التربية والتعليم والخبرة وغيرها (صورة المسلم/ المسيحي/ رجل الشرطة/ المثقف… إلخ).

كذلك كانت فكرة الآخر تحتاج إلى إضافات وتعميق، فالآخر ليس شيئًا واحدًا أو كتلة واحدة، فهناك: الآخر المتخيل، والآخر كصورة مروية، والآخر الغامض، والآخر الواضح، والآخر المبعد، والآخر الذي يتم تقريبه، والآخر كتمثيل موجود في هذا التجليات كلها أو خارجها، ولكن على أنحاء شتى وأنا أعتقد أن الشاعر ‑ وكذلك الحاكم ‑ إنما يمثلان نفسيهما أيضًا على نحو ما، على أنهما صورة مثالية تجسد حالات تمثيل للمنقذ والملهم والرائي والملائكي الذي يعلو فوق الآخرين.

على الرغم من ذلك كله فالكتاب يمثل إضافة مهمة للدراسات المعرفية في النقد الثقافي، كما أنه يحوي طبقات وطبقات من المعاني والتحليلات والشروح والاستبصارات الجميلة.

عودة إلى الملف

 

من أعماله: ـ العملية الإبداعية في التصوير ـ الكويت ـ سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 1987، 109. ـ السهم والشهاب…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع