أسامة كمال أبو زيد
هناك معارك لا تبدأ لكي ينتصر فيها أحد، وإنما تبدأ لكي يظل الجميع مرابطين في الميدان. ومنذ سنوات طويلة، والشعر العربي يخوض واحدة من تلك المعارك التي تبدو في ظاهرها دفاعا عن الشعر، بينما هي في أغلب أحوالها دفاع عن الشعراء ومواقعهم وتعريفاتهم الخاصة للشعر. ثلاثة يقفون في قلب الميدان: العمودي، والتفعيلي، والنثر. ثلاثة أشكال شعرية تحولت مع الوقت إلى رايات، ثم إلى ما يشبه العقائد، وصار لكل راية حراسها الذين يرفعون أصواتهم دفاعا عنها، كأن الشعر نفسه قد اختار خندقه.
والمفارقة أن الشعر، ذلك الكائن المراوغ الذي ظل عصيا على التعريف النهائي، لا يبدو معنيا كثيرا بكل هذا الصخب. الشعر لا يعرف أن له شكلا مقدسا، ولا أظن أن قصيدة عظيمة سألت شاعرها يوما: هل جئتني من باب العمود، أم من نافذة التفعيلة، أم تسللت إلي من شرفة النثر؟ الشعر يأتي أولا، ثم يأتي الشكل. وربما كانت مشكلتنا أننا كثيرا ما نضع العربة أمام الحصان، فننشغل بالسؤال: كيف كتبت القصيدة؟ قبل أن نسأل السؤال الأهم: ماذا فعلت بنا؟
هل ارتجف شيء في الداخل؟ هل فتحت القصيدة نافذة في جدار المعنى؟ هل تركت وراءها دهشة أو وجعا أو سؤالا داخلنا بعد أن نغلق الصفحة؟ تلك هي الأسئلة التي تخص الشعر حقا، أما شكل القصيدة فليس أكثر من أحد الأبواب التي يمكن أن يدخل منها الشعر.
فالوزن ليس ضمانا للشعر، كما أن التحرر منه ليس شهادة حداثة. قد تكون القصيدة عمودية ولا يكون فيها من الشعر إلا ظله، وقد تأتي على التفعيلة فتمنح اللغة إيقاعا جديدا، وقد تنساب في سطور نثرية ثم تبلغ من الشعر ما تعجز عنه دواوين كاملة. ليست المشكلة في الوزن ولا في غيابه، وإنما في تلك الرجفة الخفية التي تجعل اللغة تتجاوز وظيفتها المباشرة، وتجعل المعنى قادرا على أن يلمس شيئا فينا لم نكن ندرك وجوده.
ومن هنا تبدو علاقتنا بتاريخ الشعر أكثر تعقيدا من تلك المعارك الصغيرة التي تنشأ بين أنصار القديم والجديد. فالشعر، بوصفه فنا تاريخيا، لا ينفصل عن زمانه ولا عن طبقته ولا عن شروط اللحظة التي يولد فيها، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعيش بلا ذاكرة. الجديد لا يولد من فراغ، والماضي لا يتحول إلى جثة لمجرد أن شاعرا قرر أن يعلن القطيعة معه. التاريخ ليس سجنا، لكنه أيضا ليس شيئا يمكن محوه ببيان حداثي.
ولعل ما يغيب عن كثير من هذه المعارك أن تراثنا النقدي والفلسفي نفسه كان أكثر رحابة مما نتصور. فالفلاسفة العرب لم يروا الشعر مجرد زخرفة لغوية أو انفعالا عاطفيا، بل نظروا إليه من خلال المخيلة والمعرفة معا، وكان ابن رشد، في واحدة من أكثر الرؤى دلالة، يضع الشعر في مساحة لا يتعارض فيها العقل مع الخيال. فالشعر يمنحنا المعرفة، لكن معرفته ليست معرفة الكتاب المدرسي، ويثير تفكيرنا وخيالنا دون أن يتحول إلى محاضرة.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية التي ينبغي أن تشغل الشاعر الجديد: كيف يمزج بين المعرفي والجمالي من غير أن يطغى أحدهما على الآخر؟ كيف ينفتح على أسئلة عصره دون أن يتحول إلى منشور سياسي أو درس فلسفي؟ وكيف يستخدم المعرفة لتوسيع الخيال، لا لإغلاقه؟ فالعالم الذي نكتب فيه لم يعد العالم نفسه؛ العلم كشف للإنسان وجوها جديدة للوجود، والحروب كشفت هشاشته، والسياسة والمال والسلطة صنعت صورا جديدة للاستعباد، وتهاوت أوهام كثيرة كانت تمنح الإنسان إحساسا زائفا بالأمان. وكل ذلك منح الشعر أسئلة جديدة، لكنه لم يمنحه صياغة واحدة أو قالبا جاهزا ووحيدا.
بل ربما كان هذا هو سر الشعر: أنه يقترب من أكثر القضايا تعقيدا، ثم يترك فيها مساحة لا يستطيع العقل وحده أن يملأها. هناك منطقة بين المعرفة والحدس، بين ما نفهمه وما نشعر به، وبين ما تستطيع اللغة أن تقوله وما تعجز عن قوله. وفي تلك المنطقة بالذات يولد الشعر. ولهذا لا يمكن تحويل التجربة الشعرية إلى طريقة يمكن تعليمها للشاعر كما يتعلم الصائغ صناعة قطعة من الذهب؛ لأن ما يصلح في قصيدة قد يفسد قصيدة أخرى، وما يمنح نصا حياته قد يكون سببا في موت نص آخر.
ولذلك أيضا لا أجد معنى في تحويل أشكال الشعر إلى خنادق. فالعمودي ليس عدوا للتفعيلي، والتفعيلي ليس خصما للنثر، والنثر ليس بالضرورة إعلانا للحرب على كل ما سبقه. هذه الأشكال جميعا مجرد أوعية محتملة، وما يملؤها هو الشاعر. وقد يكون الوعاء جميلا وفارغا، وقد يكون متواضعا وممتلئا بالحياة.
معركة الشعر الحقيقية إذن لا تجري بين العمود والتفعيلة والنثر، وإنما بين الشعر وما ليس شعرا… . بين نص يوقظ فينا روحا جديدة وملهمة، ونص لا يفعل أكثر من إثبات حضور صاحبه.
وهنا تصبح «معركة الشعر المقدسة» في أحسن أحوالها مجرد صيحات متبادلة بين الشعراء، يريد كل منهم أن يثبت حضوره في المشهد، وأن يمنح الشكل الذي اختاره قداسة لا يملكها. وربما كان أخطر ما في هذه المعارك أنها تجعل الشاعر مشغولا بإثبات أن ما يكتبه شعر، بدلا من أن ينشغل بكتابة الشعر نفسه. فيتحول الانتماء إلى شكل إلى بديل عن الموهبة، ويصبح الدفاع عن الطريقة أهم من الدفاع عن القصيدة.
والشعر الحقيقي لا يحتاج إلى كل ذلك.
لا يحتاج الشاعر الحقيقي إلى أن يعلن في كل قصيدة أنه ضد العمود، أو مع التفعيلة، أو من أنصار قصيدة النثر. يكفيه أن يكتب. فإذا كانت لديه موهبة، ستعرف القصيدة طريقها، وإذا لم تكن، فلن ينقذه شكل مهما كان حديثا أو قديما.
أنا لا أريد أن أنتصر للعمود على التفعيلة، ولا للتفعيلة على النثر، ولا للنثر على الاثنين. أريد فقط أن أستعيد للشعر حقه في أن يكون أوسع من هذه الخنادق كلها. أريد أن أمسك بأوصاله قبل أن تمزقه المعارك، وأن أبث فيه بعضا من ومضات الخيال، وأن أترك له متسعا لكل صوت صادق، ولكل تجربة حقيقية، ولكل شاعر يستطيع أن يضيف شيئا إلى هذا العالم.
فالشعر ساكن في كل شيء: في قصيدة قديمة، وفي أغنية، وفي سطر نثري، وفي بيت شعر، وفي وجه امرأة، وفي مدينة غارقة في الملح، وفي رائحة بيت غاب أهله، وفي مقعد ظل خاليا بعد صاحبه. لكنه، رغم ذلك، لا يسكن كل ما كتب. هناك مسافة دقيقة بين أن يكون النص مكتوبا بلغة جميلة وأن يكون شعرا، بين أن يدهشنا الكلام وأن تهزنا القصيدة.
وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نحرسها.
أما الأشكال، فلتتعدد، ولتتجاور، ولتختلف، وليتناحر أصحابها كما يشاؤون. فليست القضية أن ينتصر شكل على شكل، وإنما أن ينتصر الشعر على كل ما ليس شعرا.
لأن الشعر الحقيقي، المسكون برجفة المعنى، لا يخوض معركة ليثبت وجوده، ولا يحتاج إلى راية أو خندق أو كاهن يحرس حدوده.
يكفيه أن يرتجف المعنى مرة واحدة في قلب إنسان











