“فحولة اللغة” تنقذ الواقع في رواية “سنوات النمش”

وحيد الطويلة يدخل قرية مصرية يصارع أهلها من أجل البقاء

د. شريف صالح

في مجمل المشروع الروائي للكاتب المصري وحيد الطويلة، ومنه روايته الأحدث “سنوات النمش”، تحضر الفحولة بصفتها امتداداً للذكورة، في عنفها وتباهيها بذاتها. وهذا ما يشكل ظاهرة سردية قائمة بذاتها.

يحضر مفهوم الفحولة في رواية “سنوات النمش” (دار المحرر) للروائي المصري وحيد الطويلة، ولكن ليس بالمعنى النقدي القديم لوصف براعة كبار الشعراء، وإنما يحمل المعنى البيولوجي المباشر في سائر الحيوانات، أي الفحولة في مقابل الأنوثة، وهو معنى يُحتفى به، ويتناسب مع قرية نائية في براري الدلتا، غرب النيل.

فوحيد الطويلة لا يستعير قرية متخيّلة، وإنما يكتب عن مسقط رأسه، ويتيح لكاميرا السرد نقل الذكريات والبدايات الأولى، لقرى جديدة نشأت في مناطق نائية، أقرب إلى المستنقعات داخل جغرافيا محافظة كفر الشيخ (شمال القاهرة).

مجتمع بدائي في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، يصارع من أجل البقاء، فلا توجد مدارس ولا وحدة صحية ولا طرق، مجرد بيوت من الطين والقش غالباً، يعيش فيها فلاحون فقراء.

تسرد الرواية تاريخ عائلة، وليس مجرد أسرة صغيرة، عبر ثلاثة أجيال، عشرات الرجال والنساء والمصاهرات، وقصص الحب والأرض والميراث واللصوص، وفي نحو 33 فصلاً تحضر دائماً علاقة الرجل بالمرأة، وزيجات الأقارب، والطلاق والخيانة، والرغبات المحرّمة، وبينما يتباهى الرجل بذكورته، تظهر أيضاً سيدات قويات يعلمن سحر الأنوثة، وبعضهن يتماهين مع الرجل في أدق تفاصيله.

فالراوي مثلاً يصف الأب بقوله “قليلون هم الرجال الذين يتحدث ظلهم بدلاً من ألسنتهم وأجسادهم، وأبي من هذا الصنف النادر” (ص: 12)، وكذلك يصور صراع الذكورة والأنوثة في عشرات المقاطع مثل قوله “لسنوات لم ينجب من عمتي زهرة شقيقة أبي، وكان عليها أن تخضع للقانون غير المكتوب: من لا تنجب فلتنتظر ضرة في الصباح” (ص:28).

ويحدثنا عن جرأة العَمّة التي جربت حظها في الزواج مرة واحدة، وتسعى بكل حيلة للعثور على زوج آخر، لدرجة أنها “ضربت ابن خالتها على ظهره وشدّته من شاربه: مش عيب الشنب دا ومش عارف تجيب عريس لبنت خالتك” (ص:37).

يتناسب هذا التعبير الصريح، حدّ الفجاجة، عن الذكورة والأنوثة، والتباهي بهما، مع بدائية القرية، فليس ثمة شيء آخر يدعو للفخر غير ما يملكه الرجل أو المرأة، فكل شيء يدور حول الغريزة، والتشبث بالبقاء بأي ثمن.

لصوص وشرفاء

حتى المنظور الأخلاقي لقيم الشرف والأمانة والحياء، يبدو هشاً ويجري التلاعب به، لخدمة النشاط الغريزي، بل يصعب أحياناً الفصل بين من هم اللصوص ومن هم الفلاحون الشرفاء.

إنه مجتمع الجوع والكبت والحرمان، يخوض فيه الأبطال بقوة الغريزة، معركة شرسة من أجل البقاء على قيد الحياة. عشرات النماذج القروية تتجاوز شجرة العائلة الكبيرة العدد، كما رآها الراوي طفلاً، إذ يأخذ القرّاء في رحلة اكتشاف الأشياء والوجوه والرغبات الأولى، بين جدران وشوارع وحقول قرية نائية نسيتها الحكومة، ولا تعرف عنها شيئاً.

بعض هؤلاء مثل الأب أو “الشيخ حامد” يظهرون في روايات ونصوص سابقة كتبها الطويلة، وهو هنا كأنه يروي مقطعاً من سيرة الطفولة. يستحضر فلاحين عبروا الحياة بآلامهم وشهواتهم، ومضوا من دون أن يبقى لهم أثر، ولكن لا تزال نوادرهم ومغامرتهم حية في ذاكرة طفل خجول مصاب بالنمش، فلقد آن له أن يفتح قمقم الذكريات، ويطلقهم في هواء السرد.

وراء الاستعارة

الاستعارة ليست مجرد زينة لغوية، كي تجعل الكلام أشد تأثيراً في النفس، ولا بوابة للتخييل، وإنما هي أيضاً قناع يُخفي كلاماً ويُطلق كلاماً آخر، كي ينوب عنه ولا يقصده في ذاته، وبهذا المعنى تصبح الاستعارة قناعاً لحماية الذات، نختبئ وراءها خوفاً من مواجهة ذواتنا على حقيقتها، أو واقعنا كما هو، من دون زيادة أو نقصان.

وأمام واقع شديد البؤس والتردي والسقوط الأخلاقي، باستثناء نضال والد الراوي المرتبط بثورة يوليو (تموز) والساعي إلى تطوير القرية، وأخذ الموافقات اللازمة لإنشاء مؤسسات حضرية مثل المدارس، تبدو معظم الشخصيات وكأنها وحوش في غابة.

لكنها تملك ما لا تملكه الوحوش، أي اللغة ونظام الاستعارة لتلطيف القسوة، وتخفيف الطمع، ومنح الذات عبر اللغة، كل ما حُرمت منه في الواقع، فمعظم خطاباتنا العربية هي خطابات فحولة، للمبالغة والتباهي.

هي قناع لتجميل واقعنا، وعود وأحلام أكثر منها حقائق صادقة، ومن ثم تحضر اللغة، ووحيد الطويلة بارع في توليف الفصحى والعامية، للتعبير الأمين عن روح الريف المصري.

وتحضر الفنون عموماً، باعتبارها أقنعة أو حيلاً لتجميل الواقع وتجاوز قسوته، فالمحب يقضي نصف شبابه على “الطرق الخشنة كي يصل محبوبته”، ومن الوجع ينشد “آه يا رجلي الوجعاني، حايشاني على الزين الغالي” (ص117:).

النبرة الساخرة

كثيراً ما يصف الراوي المجرمين واللصوص باستعارات حماسية، تدعو إلى افخر والسخرية في آن، أكثر من الإدانة، مثل قوله “يحكي لنا كل صباح حكايات المجرمين، نتدفأ بها من برد نشفت أصابعنا منه” (ص(118: وحين ينتزع الأب موافقة على إنشاء مدرسة إعدادية، يصفه الراوي بأن “ذراعه أطول من مآربهم” (ص:149).

ولا يمل اللجوء إلى أفعل التفضيل، والعبارات التي تجسد انتصارات في معارك مجهولة، وأحكام تفخيم لا دليل عليها، مثل قوله عن “الشيخ نادي” إنه “أكثر من لبس الجلباب أناقة في برّ مصر، أكتاف عريضة تأسر القماش، حين يسافر للمدينة يتخيلونه أميراً من بلد آخر” (ص:150).

وتحضر النبرة الساخرة دائماً في بنية النص، بجميع فقراته تقريباً، مثل القول “كان عليه أن يفاوض اللصوص القدامى والجدد” (ص:151)، وكأنه يتحدث عن أشخاص ذوي حيثية، شيّدوا بيوت وأركان تلك القرية، أو يشحن الراوي السخرية بإسقاطات لا تخفى: “عاماً بعد آخر، كل حرامي أو هارب بنى عشته فوق علواية. يُقال إن أصحاب المقام العالي في الجريمة اتخذوا أعلى القمم ليطلوا منها على من هم أدنى منهم” (ص:175).

في تبسيط، نحن إزاء راوٍ بطل يستعيد طفولته ومراهقته، ليس بدافع الحفر داخل نسيج ذاته، بقدر ما يعرض رؤية بانورامية عن قرية بدائية، اختفى من أسسوها، وكأن الراوي شاهد أخير على عصر اندثر، وانطوت حكاياته الأولى.

وجوه ومصائر

وبينما يشير باقتضاب لبعض الحروب والأحداث السياسية، كان وعي البطل يزداد بنفسه، وحبه للفن والغناء، ولأنها سيرة مستعادة ينتهي منها في لحظة آنية، وهو أب لبنتين، يستعيد هواية الغناء مع السياح في معبد كوم إمبو جنوب مصر، ومن ثم لا تسير الرواية سيراً خطياً محكماً، وإنما تغوص في الحكايات والوجوه والمصائر، وتستند إلى إرث الفحولة في منحيين خطرين: البيولوجي واللغوي.

هذا الازدواج الدلالي يحضر أيضاً في عنونة النص نفسه “سنوات النمش”، والمفردة تتكرر وتشير إلى بقع جلدية أصيب بها الراوي في طفولته: “إذا كنت تتخيل أن النمش مرحلة ومرّت، فأنت واهم، النمش ليس جيناً ولا قدراً، النمش ضرورة، كي يعيش هذا المكان دوماً على حافة الهاوية، بشر إن لم يجدوا من يتعاركون معه، تعاركوا مع بعضهم، كأنها تسلية، لكنها تسلية بالدم” (ص132:).

ما قيل عن الفحولة، كممارسة بيولوجية ومجاز لغوي، ينطبق على النمش أيضاً، فهو يحضر بوصفه عيباً يصيب جلد بعضهم، وأيضاً وفق تأويلاته اللغوية، قد يفسر بوصفه الكلام المكذوب المزخرف، فما أكثر ما يسرده الراوي، أو ترويه الشخصيات على لسانها، من كلام مزخرف مكذوب، كأنه نمش مجازي ضروري، لجأ إليه رجال ونساء القرية لإنقاذ واقعهم البائس، والانتصار في معاركهم البائسة أيضاً

 

شريف صالح

20 مقال
•           كاتب مصري •           فاز بجائزة ساويرس عن مجموعة "مثلث العشق" عام 2011 •           فاز بجائزة دبي الثقافية عن مجموعة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع