د. رضا عبد الرحيم
يقول الاستاذ مصطفى بهجت بدوى فى كتابه “كلام عنا وعن إسرائيل” :
إن إسرائيل – كما أقول دائما- لا تهدد كيان فلسطين فحسب، ولكنها تمثل خطرا حقيقيا حتى على أصغر بيت فى أبعد قرية من هذا الوطن العربى كله. و
الدليل القاطع هو ما حدث فى بيروت وفى صيدا وما يمكن أن يحدث فى أى موقع آخر أو قرية أخرى فى أى جزء من أرجاء الوطن العربى كله” بمغامرة تسلل” إسرائيلية” . ومن هنا وجب أن تهب الدول العربية هبة رجل واحد وتصفى خلافاتها وتستعد –بحق وبجد- لمواجهة عدوها الألد.
تتمحور مسرحية الحجر لكاتبها الدكتور أحمد عساكر حول المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الكيان الإسرائيلى المغتصب لآراضينا ، وهى أى المقاومة الفلسطينية شىء هام وضرورى للعرب كأمه واحدة تعانى من تهديد وجود بسبب هذا السرطان الذى زرع على أرضها.
ففى الفصل الأول والثانى يعرض الدكتور أحمد عساكر فى مقابلة ذكية لا تخلو من دلالات نفسية رؤية كل طرف فى هذا الصراع المستمر والأبدى ، فالكيان الإسرائيلى يطرح خططه المستقبلية من خلال نقاش بين أعضائه ، ونعرف منها كيف يستخدم أمريكا كهراوة لسحقنا ، وتنفيذ كل خططه والتى بالفعل حدثت على مسمع ومرأى منا جميعا :
مارزل: إن الدولة القوية فى العالم الآن هى أمريكا ، تتبعها بريطانيا، والدول العربية التى حولنا أقواها مصر وإيران وسوريا والعراق.
– ماذا؟!
مارزل: سنزرع فتنة بين أمريكا وإحدى هذه الدول التى ذكرتها، وسنجعل الرئيس الأمريكى وهو حليف لنا قوى وصيد ثمين يتجه نحو إحداها ولتكن دولة العراق فهذه التى أريدها الآن.( ص 18: ص 33)
وقد أفاض الكاتب فى كشف خططهم الشريرة ، والتى تنفذ على أرض الواقع حاليا نحو مصر والأمة العربية كلها، نقرأ:
مارزل: مصر خنقناها من الجنوب، خنقناها بالسودان والماء، وها نحن نخنق السودان ونخنقه من جنوبه الذى نخطفه منه. وحاصرنا غربه وفصلناه منه. ثم لنا بها معاهدات لن نخرقها الآن . مصر ليست الآن. بل سوريا ومن بعدها إيران هما التى أبغى وأيضا لا يهمنى من الأولى ومن الثانية ولو الأمر بيدى لأخذت الدولتين معا. إنهما من دول محور الشر الذى كوناه ولنسميها دول راعية للإرهاب.(ص27)
بينما قادات المقاومة غارقون فى الخلافات والحديث عن الماضى الذى لا طائل وراءه ، فالوقوف على الأطلال أرث عربى خالص، فنحن العرب كثيرو الالتفات إلى الماضى، وقلما ننظر إلى المستقبل ، ولا أقول نخطط له. وهذا ما أراد توضيحه الكاتب فى الفصل الثانى :
قائد فصيلة: خمسون عاما سيدى وهو يشيعون فينا القتل والتذبيح كأنها أنشودتهم الخالدة .
آخر: ألم يرتوا بعد سيدى من أنهار تسيل وبحور تجرى لدم رجالاتنا وقادتنا طوال هذه السنين-طوال هذا التسبيح- أقصد التذبيح؟!
أبو القاسم: أنهم يريدون أن يقتلعونا من هنا.إنهم يسرقون ماضى أجدادنا، يدمرونه يريدون أن يقتلعونا من جذورنا وكلما اشتد ساعدنا وقويت حركة مقاومتنا، دعونا إلى سلامهم.(ص 36: ص 49)
أبو القاسم( المشهد الثانى من الفصل الثانى) : نحن السلام. ديننا السلام.لا أيها الرئيس. إنهم هم دعاة الحرب، ناقضوا السلام.أيديهم ما زالت ملوثة بدماء الأبرياء فى المدن والمخيمات من دير ياسين وصابرا وشاتيلا وقانا وغيرها.
ويظهر الشيخ المجاهد القعيد أحمد ياسين فى المشهد الثالث من الفصل الثانى ليضع يده عن أسباب الفرقة بين زعماء الكتائب وقادة الفصائل الفلسطينية، وهو ما ينطبق أيضا على دول هذا الوطن العربى الكبير، نقرأ بعض مما قاله :
الشيخ: ألا تروا أيها القادة والزعماء أننا قد انقسمنا إلى شعب كثيرة وفرق عديدة.
أبو مصطفى: بلى أيها الشيخ. والله فرق وشعب كثيرة ومتفرقة.
الشيخ: وألا ترون أيها الزعماء والقادة . أن عدونا كلنا واحد؟!
أصوات: بلى..بلى
الشيخ: إذن لماذا هذه الفرقة؟! لماذا الفرقة؟ لماذا الفرقة غالبا ودائما لماذا أيها القادة؟!
أصوات: إنها الفرقة دائما أيها الشيخ.
الشيخ: بل إنه البحث عن مجد شخصى، عن بطولة زائفة لنصرة قضيتنا. لا لإقامة دولتنا ونصرة شعبنا أو شعوبنا.( ص 56، 57)
كان الشعب الفلسطينى وما زال فى حاجة إلى قيادة حقيقية تكون بيقظة وضخامة الخطر الذى يواجهه، وحينما كانت تبرز مثل هذه القيادات فإنها كانت تعبىء الشعور الوطنى خلفها بسرعة وفاعلية، كما حدث فى حالة الشيخ عز الدين القسام ، الذى كان مجرد مأذون شرعى فى حيفا ولكنه يؤمن بأهمية الثورة المنظمة لمنع إقامة وطن يهودى قومى فى فلسطين..وأن على الفلسطنين أن يعتمدوا فى كفاحهم ضد الصهيونية على أنفسهم أولا. لقد بدأ الشيخ القسام ثورته بمجرد عشرة من رجاله، لا يملك كل منهم سوى بندقية ومبلغا ضئيلا من المال.. وقرروا توجيه ثورتهم أولا ضد سلطة الأنتداب التى تقوم بتسليح اليهود.ثم استشهد القسام مع رجاله فى معركة غير متكافئة ضد السلطات البريطانيا فى 20 نوفمبر سنة 1935. ولكن هذا الاستشهاد ألهب المشاعر الوطنية فى فلسطين بدرجة ضخمة .. وأبت الجماهير إلا أن تسير عشرة كيلو مترات مشيعة جثمان الشهداء ، الأمر الذى كان مقدمة طبيعية إلى الثورة الفلسطينية الشاملة فى سنة 1936.
نعود إلى تفنيد الشيخ القعيد لمغزى هذا الصراع ، نقرأ:
الشيخ: إنهم يريدوننا فى صراع دائم، فى صراع مع عدونا، وفى صراع مع بعضنا، ومع أنفسنا.ليبقى نزيف الأرض والثروة والزرع ودمنا لتبقى جثث شهدائنا. ليبقى دمنا ونفطنا يمد الغرب بالرخاء والتقدم وبالرفاهية والثراء.
ويعرج الكاتب فى الفصل الثالث إلى تاريخ مجزرة مخيم جنين، مستفتحا حديثه بسؤال من الذى جنى على جنين؟ ليستكمل ما بدء من أسباب الضعف والهوان الذى أصاب هذه الأمة ، وإذا كنا قد لمسنا الفرق بين تفكيرهم وتفكيرنا ، ووضع الشيخ القعيد يده على أسباب الفرقة فى الفصل الثانى ، فها هو يشير من خلال هذا الفصل عن داء آخر أصاب الأمة وهو داء الخيانة -الذى كان هو أحد ضحاياه- حتى أن أحد الجنود فى الفصل الخامس يصرخ قائلا: إن عدد الخونة سيدى فاق عدد العدو..أنهم كثيرون، ويقول آخر: إن خطرهم أكبر من خطر العدو.(ص 138)
الشيخ: إننا مرصودون يا أبا القاسم.. العدو يرصد تحركاتنا. يرانا ويعرف خطوات رجالنا ، وما أظن تلك الدقة التى يصطاد فيها قادتنا. تلك المهارة التى يبديها فى اغتيالهم ، إلا خيانة داخلية من عناصر تنتمى لنا..إن أباتشيهم لا تستطيع أن تفعل شيئا وهى فى السماء لولا أن واحدا على الأرض يدلها ويرشدها وينير بصيرتها السوداء.(ص83)
فإذا كانت مذبحة مخيم جنين تظهر وجه الصهاينة القبيح ؛ من قتلهم العزل من السلاح ودفنهم فى مقابر جماعية، فهى أيضا تظهر أن هذا القبح أصاب كل من منع وصول السلاح عن أهل المخيم .وكل من مد هذه الملعونة إسرائيل بكل هذه الأسلحة الحديثة.
وفى جرعة مريرة مكثفة يشهد الفصل الرابع استشهاد الشيخ القعيد وابنة جنين وابنة زعيم المقاومة أبو القاسم، ليرسم لنا الكاتب لوحة شديدة القتامة يسيل لها الدمع ، ويغلى لها الصدر ، نعم. لا توجد دولة لفها ليل مثل ليل فلسطين مثل موت فلسطين .. جنازة وراء جنازة، شهيد وراء شهيد.
وإذا كان الفصل الأول قد أقر بنمط تفكير المقاومة الثابت باستخدام الحجر سلاحا للمقاومة يرهبون به عدو الله وعدوهم ، واللجوء إلى عمليات نوعية وفردية ، أبو القاسم: لم تعد مقاومتنا لتنحصر فى رجل منا يفجر نفسه فى سيارة أو دبابة أو بضعة جنود لهم.(ص 162)
فيبشرنا الكاتب بإن نصائح الشهيد الشيخ القعيد قد أتت أكلها ، وأن المقاومة الفلسطينية المشروعة غيرت من نمط تفكيرها ، لن تنتظر هجوم العدو على أرضها بل ستنقل المعركة على أرضه وداخل مستوطناته ، فمنذ لحظات الولادة الأولى ، اعتنقت إسرائيل العقيدة الهجومية فى الحرب، بما يسمح لها بالاحتفاظ فى يدها دائما بزمام المبادرة العسكرية، وهو أمر يوفر لها من البداية مزايا عديدة ضد أى طرف عربى تواجهه. فمنذ الهدنة الأولى التى تم التواصل إليها مع إسرائيل، كانت هى التى تبادر دائما إلى خرق الهدنة ضد الجانب العربى ، فى الوقت الذى كان فيه الجانب العربى يعتقد أن الطابع الدولى للاتفاق سيردع إسرائيل من خرقه! وهكذا، ففى ظل هذا الخرق الفاجىء للهدنة، زادت إسرائيل من مساحة الأراضى التى استولت عليها، بحيث أصبحت فى حينها 77% من أراضى فلسطين، بينما كفل لها قرار التقسيم 55% فقط.
وقال موشى شاريت وزير الدفاع الإسرائيلى، إننى أفضل أن نهاجم العرب ويديننا العالم..عن أن ننتظر الهجوم ويؤيدنا العالم.
.. نقرأ:
أبو القاسم: أعدكم أنه بعد تطهير بيتنا وأنفسنا وشعبنا من الخونة والعملاء ..أنهم ما عادوا ليخترقوننا ثانية.. هذه أولى مهامى وأهمها فى مرحلتى القادمة ولن أحارب .. ولن أفيق لعدوى إلا وقد انتهيت منها.
سأخرب بيوتهم كما يخربون بيوتنا وسأشتتهم كما شتتونا.. سأغير من تكتيكتنا وخططنا وحربنا معهم.. هؤلاء التى قلوبهم شتى ونحسبهم واحدا.. سأجعلهم شتى.. سأضربهم فى عقر دارهم.. سألقى عليهم ومن مجنيقنا بصواريخنا.. القسام الذى سيقصم ظهورهم .. والكاتيوشا التى ستذيب جلودهم.(ص 158)
ويأت المشهد الثالث من الفصل الأخير لشرح عملية فدائية عرفت برأس الأفعى يستهدف بها أبو القاسم رهط من الجنود الصهاينة وقائدهم وهى العملية التى وصفتها الصحف الإسرائيلية بيوم الفزع ، يوم الحزن .
وقد عاد منها أبو القاسم مثخنا بالجراح ويستشهد وينضم إلى مواكب الشهداء وهو يحلم ونحن معه :
أريد أن أرى هذا اليوم..الذى يرفع فيه شبل من أشبالنا ..علم فلسطين عاليا خفاقا على كل ربوة.. ويرفعه فى كل سفح من سفوحنا. أريد أن أرى هذا الفتى الذى يأتى بالنهار ويزيح عنا هذا الليل.(273).










