هويدا أبو سمك
«المرة الجاية. جوزك هيخلص عليكي!»
صُدِمت الفتاة من كلام أمها الجاف التي أعادتها إلى منزل زوجها رغمًا عنها بعدما ذهبت إليها باكية تشكو من ضربه لها. تعرف أن أمها لن تقف في صفها مهما فعل زوجها الخمسيني الثمين، ولكنها رغم ذلك تألمت لقسوتها.
«اللهم بلغت اللهم فاشهد!
احمدي ربنا على اللي إنت فيه!»
قررت «نورا» أن تتجاهل ما تقوله والدتها؛ فمهما قالت وشرحت المأساة التي تعيش فيها لن تتزحزح والدتها عن رأيها، فهي سلمتها منذ شهور وهي ابنة السادسة عشرة إلى رجل كبير يرأس عائلة كبيرة فقط من أجل نقوده، ومن وقتها و«نورا» تعيش في ذل كبير ووجع.
مات والدها وهي في العاشرة، كان فلاحًا بسيطًا، بعد رحيله خرجت «نورا» من المدرسة، وساعدت والدتها في بيع الفاكهة في السوق كل يوم، فكانت تحمل على رأسها الأقفاص ولم تسمح لها الأم بالشكوى.
لم تعرف سبب قسوة والدتها أبدًا، ولكن والدها أخبرها في مرةٍ وهي صغيرة أنها ابتلاء من الله ويجب الصبر عليه، لم تقتنع وقتها وهي طفلة، وما زالت حتى الآن لا تقتنع.
تستطيع «نورا» أن تتحمل ساعات النهار. تقضيها في تنظيف الحوش وإطعام الطيور واللعب معهم، وكنس البيت الكبير والفسحة الكبيرة التي أمامه، وتحضير الطعام مع شقيقة زوجها الكبيرة التي تُسوّد عليها عيشتها، ولكن عندما يأتي المساء وتحين لحظة قربه منها تتجمد وتصرخ؛ فينهال عليها بالضرب والسباب.
في ليلة زواجها أخبرتها أمها أن من حق زوجها أن يفعل بها ما يريد، لم تفهم ما تقصده الأم كثيرًا. كانت فقط تتذكر كلام جارتها «أحلام» التي تزوجت من ابن عمها وأخبرتها في مرة قائلة: «المتجوزين دول حياتهم كلها قلة أدب». ولم يخطر على بال «نورا» أنها ستطعن بتلك القسوة من آلة حادة ستمزق داخلها دون رأفة.
لم يمر يوم دون أن يضربها زوجها، وفي مرات تقوم أخته بهذا الواجب بدلًا عنه، ولكن إن خُيِّرت -في الحقيقة- فستفضل ضربه هو عن ضرب أخته، فشقيقة زوجها لا تمتلك ذرة رحمة في قلبها.
يستمر زوجها في لمسها رغمًا عنها وتستمر هي في الصراخ دون إرادتها. يتهمها بأنها جعلت سمعته في الوحل، يذلها في كل مرة ويعايرها بأنه دفع ثمنها كاملًا من الأفدنة التي أخذتها والدتها.
في أحيان تكره «نورا» كونها فتاة جميلة، ورثت عيني والدها الزرقاوين وبشرته الناصعة، ولها ضحكة تذوب لها القلوب، في مرة أخبرتها أحلام أن أمها تغار منها، فعندما كانت تقف «نورا» أمام المرآة لتضع الماكياج مثل أي فتاة كانت أمها تضربها وتمنعها من ذلك.
لم يكن يُهون عليها «علقة» المساء إلا الأرجوحة التي صنعتها بيدها وعلقتها على الباب الخشبي للحوش تحشر جسدها الصغير على اللوح الخشبي الصغير، ثم تضغط بقدميها في الأرض فتطير في الأنحاء.
منذ شهور وهي تبكي، تتمنى لو تتخلص من هذا الكابوس، أن يموت زوجها مثلًا رغم أنه ليس طاعنا في السن، أن يطلقها، أن ترأف بها والدتها وتعيدها للمنزل، أن تقتنع شقيقة زوجها أنها طفلة صغيرة وتسرحها. ولكن كل آمالها تموت كل ليلة وكل نهار.
عناق الأرجوحة لنورا كان سبيلها الوحيد للنجاة، وسيلتها للطبطبة والمواساة، تضمها في حنو فتسلم لها نفسها برحابة صدر؛ فتمنحها السلام والطمأنينة والحرية.
في ذلك المساء شعرت أن أرجوحتها ما زالت تعانقها، لم تنتظر أن يلمسها زوجها لتبتعد عنه، لم تدخل غرفة النوم، احمر وجه زوجها من الغضب، لم يضربها هذه المرة بل خرج مسرعًا، تبعته «نورا» ورأته يمسك السكين ليقطعَ حبل أرجوحتها ويقذف بها بعيدًا.
شعرت بالألم يعتصر فؤادها، أسرعت نحو السطح، وقفت على حافته بسهولة، وطارت.








