Kill bill

Kill bill
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مصطفى ذكري

 يُفكِّر في العمل، يُفكِّر في الإنجاز البسيط المحدود الذي يحفظ ماء وجههالمِهَني. يُفضِّل دائماً أن ينطلق من طموح مُتواضع. يتخيَّل أن قدراتههائلة، لكنه يبقيها ملجومة، أو يطلقها على أمر هين لا يتطلب منه سوىالمجهود المبذول لتحريك إصبع القدم، وليس هذا شبيهاً بالمجهود المبذول منقِبَل أوما ثورمان في فيلم ترانتينو kill bill عندما جلستْ في عربة الممرضالذي داوم على اغتصابها طوال سنوات الغيبوبة، لتحريك إصبع قدمها بعد أنأنفذت في عقب قدمه سلاحاً أبيض. زاغتْ قواه أمام العمل كحُمُر مالا مالاالوحشية الفَّارة على بساط السافانا الإفريقي أمام جماعة أسود، حُمُرمُستَنْفِرة فرَّت من قسْورة. دخل المدير عليه ليطمئن على مسار العمل. انتفض جمال من على المكتب، وتقدم قاطعاً على المدير مسيرته التي تنتهي فيالعادة بجوار المكتب من الداخل والنظر في شاشة الكمبيوتر.

 استجاب المديرلمقاطَعة جمال في منتصف الغرفة، وابتسم له قائلاً: أخبار الشغل؟ رفع جمالإبهام يده اليمنى في الهواء بعلامة الإنجاز والجودة، وكاد بطن إبهامه يختموجه المدير، ثم رفع إبهام يده اليسرى في الهواء لدعم إبهام يده اليمنى. لميفهم المدير غمزة جمال على الممثل الإنجليزي روان أتكينسون المشهور بتأكيدعلامة الإنجاز والجودة بإبهاميه عندما تسوء الأمور. ابتعد المدير بوجههقليلاً للخلف، وتجاوز التعبير الغريب على وجه جمال وقال: يعني ممكنالمُذكِّرة تخلص النهاردة؟ قال جمال: طبعاً.. حتى لو اضطررت للبقاء ساعتينأو ثلاثة بعد مواعيد الشغل. قال المدير بترحيب: قوي قوي. تراجع جمالالأمتار القليلة التي أنقذته من افتضاح أمره أمام المدير، وجلس على كرسيه،وهو يؤكد لنفسه أن قدراته هائلة، وأن المسألة تتعدى حدود الخيال، هو علىيقين بأن قدراته حقيقة واقعية، لكن لماذا لم يلتقط المدير غمزة روانأتكينسون؟ لو أنجزتُ المذكِّرة لكان لي الحق في المرح من جهله المطبق.

رفع جمال أصابعه أمام فمه ليكتم سيلاً من الضحكات الأنفية المصحوبة بتصدعاتمخاطية، وهو يتذكَّر مستر بن في فيلمه عندما شرَّع طاقتي أنفه ثم وضع علىفوهة واحدة حبَّة كاجو وسدَّ ظلمة الثانية ثم أطلق عزم النفخة القوية،فطارت حبة الكاجو لتطفيء تليفزيون البار. نظرتْ زميلة من المكتب المجاورباستغراب ناحية جمال، واعتقدتْ للحظة أنه غصَّ بشيء ما شربه. رفع جمال يدهفي الهواء للزميلة ثم نادى على ساعي المكتب، وطلب منه كوباً من الماء وآخرمن الكاكاو بالحليب. تنحنح جمال نحنحات جادة، وهو ينظر إلى مذكِّرةقانونية مطبوعة على ورقة أمامه، وإلى شاشة الكمبيوتر التي لم ينجز عليهاسوى سطرين من الصياغة النهائية والتعديلات المؤشَّرة بسهام حمراء علىالورقة المطبوعة. تذكَّر جمال بحسرة كلمات الخبير القانوني، وهو يشرح لهبعض الصياغات، وتأكيده على نص كتابتها، وكلما حَاوَل الخبير القانونيكتابة نص الصياغة على هوامش الورقة المطبوعة، أصَّر جمال على معرفتهبالصياغة القانونية، وأنه يكفي الخبير أن يضع له سهماً هنا وتأشيرة هناككاختصارات يتذكَّر بها، لكنه الآن يرى أمامه على الورقة المطبوعة شفرات لايستطيع فكها، لكنه يعرف بيقين أنها سهام ونقاط وتأشيرات كانت منذ أسبوعينعلى الأكثر، وهي موجودة هنا لإسعاف ذاكرته. فكَّر جمال في موهبته التيجعلتْ الكثيرين يعتقدون أنه عبقري لا يحتاج بين الحين والآخر سوى إشارةهينة ليعرف منها سريعاً المطلوب منه، والدليل في رأيهم على استجابته،تعبيرات وجهه التي تُنبيء أنه أدرك كل شيء، بينما هو في الحقيقة يفوته كلشيء، ويحتاج إلى مزيد من الشرح والرعاية والتشجيع. جاء ساعي المكتب بكوبكبير من الماء وآخر من الشاي، وما أن تفوَّه الساعي بتعليل إحضاره للشايبدلاً من الكاكاو بالحليب إلا وأسعفه جمال بإشارة رضا وقبول وابتسامة فهمعميقة. حَاوَل الساعي أن يُعلم جمال سريعاً دون مُقاطَعة أنه سيترك لهمفتاح المكتب على حافة ثلاجة المطبخ. بعد الساعة الثالثة ظهراً وجد جمالنفسه وحيداً في المكتب، فأخذ المفتاح من على حافة ثلاجة المطبخ، وأغلقالباب الخارجي بتكتين متتاليتين. شعر بالأمان، وخالطته سعادة غامضة،توقَّف على أثرها أمام غرفة المدير، وأرهف السمع، وكأنه سيسمع سبب سعادتهالخاطفة. هزّ رأسه بتعجب، وهو يفتح باب الغرفة. جلس بأريحية على كرسيالمكتب المريح، رفع قدميه على سطح المكتب، أزاح بإهمال ما يعوق راحتهما،قلَّب بين يديه فتَّاحة رسائل من النحاس المصقول، ولمّا وجدها مُدببة، بسنشريرة، فسخ بها درج مكتب المدير، وهو يقول عبارة الممرض مقلداً صوته بقدرالإمكان، وهي العبارة التي تذكَّرتها أوما ثورمان بعد أن رشقتْ المطواة فيعقب قدم الممرض

: My name is buck and I’m here to fuck

 

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق