“سطور من دفتر أحوال شارع 9”.. رواية عن الموظفين لـ وداد معروف

سطور من دفتر أحوال شارع

د. إبراهيم منصور

   تمتاز الكاتبة “وداد معروف” بنشاطها المتعدد، فهي موظفة أنهت سنوات خدمتها في وزارة التربية والتعليم، وهي حاصلة على الدكتوراه في الإعلام، وقد طبعت كلا من رسالة الماجستير ورسالة الدكتوراه في كتابين أكاديميين، أما إنتاجها الأدبي في القصة القصيرة فقد بلغ ٦ مجموعات قصصية، وفي الرواية لها روايتان.

   نشرت وداد معروف روايتها الأولى بعنوان “الأستاذ” (دار البشير ٢٠٢٣) وفيها تعالج الكاتبة حبكة قصصية في بيئة الفلاحين في إحدى قرى الدلتا في محافظة دمياط، لكن اسم القرية “الشهاوية” يبدو اسما مختلقا، أما الأستاذ الذي تحمل القصة صفته، فهو معلم في المدرسة الابتدائية وله نشاط سياسي اجتماعي، وهو محب عاشق لجمال عبد الناصر، والأحداث تقع في نهاية الستينيات وحتى بداية الثمانينيات، ففي هذه المدة نمت الراوية طفلة صغيرة وصبية اسمها ” ورد عزام” ثم فتاة تلتحق بالجامعة في خاتمة الرواية.

   وقد استطاعت الكاتبة أن تقدم لوحة كبيرة عن ناس القرية وعاداتهم مع خلفية سياسية تبدأ من هزيمة ٦٧ وحرب الاستنزاف ثم نصر ٧٣  و حكم أنور السادات، وفي هذه السياحة العامة، تصور الرواية السكون والحركة، الرضا والسخط، وتصور الرواية صراعا بين طرفين داخل القرية، موازيا للصراع مع العدو على الجبهة حيث يستشهد شاب من العائلة ويترك حبيبته قبل الزفاف، ثم تنتهي الرواية ببوادر التغير مع نهاية عصر السادات.

****

   اعتادت الكاتبة أن تقسم روايتها إلى فصول بعناوين، فتقع رواية الأستاذ في ٢٩ فصلا، أما روايتها الجديدة “سطور من دفتر أحوال شارع ٩” فتقع في ٢٦ فصلا، لم تختلف طرائق السرد كثيرا بين الرواية الأولى والرواية الجديدة، وفي حين كان عنوان الرواية الأولى من كلمة واحدة، فإن عنوان الرواية الأخيرة من ست كلمات، ويمكن الاستغناء عن كلمتين على الأقل ليصبح  “دفتر أحوال شارع ٩ وهو عنوان يتناص مع عنوان رواية الكاتبة السعودية بدرية البشر “غراميات شارع الأعشى” ولكن موضوع رواية شارع ٩ هو حياة الموظفين المنهكين وإن كان منهم عشاق أيضا.

 أما الحبكة الروائية في رواية ” شارع ٩ ” فتدور في فلكين، أو هي تتضفر من جديلتين، الأولى- حياة الراوية واسمها “منار سلام” تعمل موظفة بالإدارة التعليمية وهي ذاتها مهنة الكاتبة، والضفيرة الثانية -هي جانب من حياة الموظفين في المكتب الذي ترأسه الراوية.

عدد الشخصيات كبير جدا ولابد أن بعض الشخصيات ستبدو أمامنا بلهاء وبعضها من النصابين مثل “عبد الرحمن رمضان” الذي تلاعب بالنساء والرجال واختفى أو هرب، فانتهى أمره إلى الفصل من الوظيفة، ومن الشخصيات الفاعلة في السرد “بديعة النشوقاتي” التي أحيلت إلى التقاعد ولكنها ظلت تتعاطى العمل وتتلقى راتبها الشهري لمدة ٦ أشهر كاملة، وكانت ثابتة الانفعال ولم تهتز، وفي آخر مشهد لها قدمت مذكرة في إحدى الموظفات ونالت منها.

  وكما كان الحال في رواية الأستاذ فإن أغلب الشخصيات التي قدمت من وجهة نظر الصبية الراوية كانت شخصيات مثالية، أما من تصارع مع الأستاذ فهو لابد وأن يكون معيبا. أما في رواية “شارع ٩” فإن الشخصيات المثالية تقدم لنا من وجهة نظر الراوية التي هي الأم بالنسبة لابنتها “سلاف” وهي العاشقة المعشوقة بالنسبة إلى “ الدكتور حازم” لذلك كانت الشخصيتان من النمط المثالي، وهناك شخصيات كثيرة لا نستطيع تصنيفها لأن الكاتبة لم تتعمق في تقديمها للقارئ.

   أما أهم شخصية من بين الموظفين في الإدارة التعليمية فهي شخصية “حنان” التي مرت بأهوال بعد موت أبيها واحتقار أمها لها، ثم الإهمال المتعمد من جانب زوجها، فكان لابد أن تتعثر في الطريق، حيث طلقت ووقعت في الحب وهي أم و جدّة، وكان الحبيب شابا يصغرها بعشرين عاما، فاعتدى عليه ابنها الأكبر وكاد يقتله.

وتعالج الكاتبة بعض مشاكل المجتمع في عجالة مثلما في قول الراوية “نهلة المطلقة التي تعمل في معرض للموبيليا، فلم تجد أي عمل بشهادتها الجامعية، وتعرضت لكثير من التحرشات من أصحاب المعارض، تركت أكثر من معرض لذات السبب ” (الرواية ص ١٢٩) وهي قضية عالجها سمير الفيل في روايته “ظل الحجرة وفي كثير من قصصه القصيرة.

****

  وكما فعلت “وداد معروف” في رواية الأستاذ، حاولت الكاتبة هنا أيضا اخفاء أسماء القرى والمدن فيما عدا دمياط التي هي خارج جغرافيا السرد، وسواء في الرواية الأولى أو الثانية لا مبرر على الإطلاق لتبديل أسماء القرى والمدن، ويلاحظ أن هذا النمط من الخوف يوقع الروائي في أخطاء تتعارض مع الأسلوب الروائي كما في قول الراوية “كنت قد اشتريتها من زيارة لي لدولة عربية” (الرواية ص ٢٢٠) أو قولها “وسافرنا إلى قرية سهام عنتر في محافظة مجاورة لمحافظتنا” (ص ٢٣٤) إن ذكر القرية والدولة العربية لازم هنا بحسب سياق النص نفسه، أما إذا رغب الروائي في تجنب ذكر الأماكن بأسمائها فعليه أن يعيد صياغة العبارات بحيث لا يحيل على مجهول.

   أما أهم مأخذين على الأسلوب في رواية “شارع ٩” فهما:  أولا- الفضول وسرد ما لا يسرد مثل هذا المقطع “كعادتنا مع كل زميل أو زميلة يحال إلى التقاعد ، نتعاون ونقيم للزميل حفلا يسعده ويرضيه ويكون ذكرى جميلة له، أحضرت سهام التورتة وقطع الجاتوه من محل الحلويات ، وقد أعطيت دلال ما تشتري به المشروبات الباردة.. ” (الرواية ص١٧٠) فهذا النص ومثله كثر جدا في الرواية لا يضيف شيئا لمعنى الخطاب الروائي وتوتره الذي يصنع منه عملا أدبيا.

أما المأخذ الثاني فهو كثرة الحوار على حساب تقديم المشهد أو الوصف أو المنولوج، فالحوار هو الغالب على الرواية ويفتقد للسلاسة مع كثرة تكرار قال وقلت وقالت . والكاتبة لغتها متينة وتحفظ شعرا عربيا قديما وأمثالا وحكما عديدة تثري بها السرد، لكن اللغة الروائية أحيانا ترفض هذه البلاغة وتطلب أسلوبا أقل رصانة وأكثر انسجاما وواقعية.

    في الفصل المعنون “غرفتان” تقدم الكاتبة للفصل بمدخل سردي عالي المستوى حيث يقول الراوي العليم “جمعتهما شقة واحدة ، كل واحد منهما في غرفة، الغرفة الأولى مسجى فيها أحدهما، يجلس بجواره ابنه يراعيه من أثر تداعيات مرض الكبد، والذي أدخله المستشفى لمدة أسبوع، وعندما قرر الطبيب الخروج، لم يجد الابن عما أو عمة يعرضون خدماتهم على أخيهم ليرعاهم في بيته” (الرواية ص ١٣٧) هنا نلاحظ امتلاك الكاتبة لناصية الكتابة الروائية والقدرة على الوصف الدقيق، لكن الكاتبة لا تحافظ على هذا المستوى من السرد الموضوعي والمحايد إلا نادرا.

   إن “وداد معروف” كاتبة مجتهدة جدا، وهي تملك ناصية اللغة، ولكنها بحاجة إلى التدقيق والمراجعة والصبر، والعناية بأسلوب السرد، بحيث لا تخرج عن الأسلوب الروائي إلى ما هو دونه من أساليب الكتابة.

 

أستاذ النقد والأدب الحديث بجامعة دمياط

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع