عزة سلطان
أرسى أرسطو منذ القدم ربطًا بين لذة فطرية يجدها الإنسان في متابعة الأحداث، وتتبع مصائر الشخصيات، ثم جاء بعد قرون هوارس ليؤكد على مبدأ المتعة ويجمعه بالفائدة، مما يُشير إلى أن التأثير الجمالي قد يسبق أو يتوازى مع الأثر المعرفي للنص، وعند رولان بارت في كتابه لذة النص، يؤكد أن المتعة تأتي كمستوى أول بوصفها لذة مألوفة، تنبع من سلاسة السرد وتماهي القارئ معه دون عناء، ومن ثم فإن الحديث عن المتعة المولّدة من القراءة هو أمر أساسي من نواتج الفعل نفسه.
تناول فكرة المتعة من القراءة هو عتبة التلقي مع رواية “دمعة على الموت الأول” للكاتبة د. عفاف طُبّالة، والتي صدرت عن دار نهضة مصر في العام 2023، في قطع متوسط و228 صفحة.
بين دفتي الغلاف، تمكّنت المؤلفة من نسج خبراتها المتنوعة في سرد روائي، لتقدم أولى رواياتها بعد أن بدأت مشوارها الإبداعي في الكتابة لأدب الأطفال. وقد راكمت خلال مسيرتها خبرات متعددة في عالم الصورة؛ فهي أستاذة تُدرّس صناعة الأفلام الوثائقية، وكتبت وأخرجت العديد من الأعمال للتليفزيون المصري، ثم أنشأت قناة الدراما وتولّت رئاستها. وهكذا جاءت الكاتبة إلى عالم الرواية محمّلة بخبرات متراكمة في الصورة وأدب الأطفال والناشئة. ويُعدّ هذا التعريف الضروري أحد المفاتيح لفهم تقنيات السرد التي اختارتها في هذا العمل.
افتتاحية بصرية خاطفة
ندين للافتتاحية الجذابة بخلق شغف القراءة، ودفع القارئ إلى مواصلة التهام النص بنهم. وسواء أكان الكاتب واعيًا بأهمية الافتتاحية أم تكفلت بها موهبته، فإنها تظل شرطًا ضروريًا في عالم القراءة المتعجلة ولقطات الفيديو القصيرة. ومن ثم، يمكن النظر إلى اللقطة البصرية الجاذبة في بداية الرواية بوصفها إشارة واضحة إلى أن أدوات السرد لدى المؤلفة قد تأثرت بخبراتها المهنية والإبداعية؛ إذ تبدأ الرواية بمشهد سينمائي أقرب إلى اللقطة منه إلى السرد التقليدي، صيغ في مشهد مشبع بالتشويق والغموض.
ويبدو الاعتماد على الحوار أقرب إلى تقنيات السيناريو منه إلى السرد الروائي التقليدي، وهو ما يشير إلى وعي واضح بتوظيف تقنيات الكتابة التليفزيونية والسينمائية في هذا العمل الروائي. وقد ضمّت الرواية العديد من المشاهد التي يستطيع القارئ أن يراها بسهولة أمام عينيه، بما أضفى على اللغة والحكي قدرًا من السلاسة، ودفع بالقارئ إلى مواصلة التقدم في مسار التصاعد الروائي، مرورًا بذُرى درامية متعددة ومتنوعة.
تعدد لحظات التصعيد
تكثر لحظات التصعيد داخل رواية “دمعة على الموت الأول” ولكي نفسر هذا التعدد علينا أن نراجع كتابة الدراما، حيث تعتمد الدراما التليفزيونية، خصوصًا الدراما الحلقية، على منظومة من أدوات الحفاظ على انتباه المشاهد، من نقاط التحول والكشف والتعليق وتأجيل الحسم، وصولًا إلى نهايات الحلقات التي تتركه في حالة انتظار لما سيأتي. وتختلف هذه الآلية عن الرواية؛ فاستمرار القراءة لا يقوم بالضرورة على التشويق والغموض وحدهما، وإنما يتأسس أيضًا على الروابط التي يكونها القارئ مع الشخصيات، وعلى الوشائج التي تتكون بينه وبين عالم الرواية.
في «دمعة على الموت الأول»، تستفيد عفاف طبالة من منطق الكتابة الدرامية في إدارة جذب انتباه القارئ أكثر مما تستند إلى التشويق بوصفه تقنية سردية خالصة؛ فهي تؤسس لتعاطف القارئ مع شخصية جميلة، أو جيجي، ثم توزع الكشف عن حياتها وعلاقاتها على امتداد السرد، فتؤجل بعض المعلومات وتقف عند لحظات تشويقية في سيرتها، كما تؤخر الكشف عن الشخصيات المحيطة بها ودوافعها إلى مراحل متقدمة من الرواية. وبهذا التوزيع، تخلق المؤلفة سلسلة متتابعة من لحظات التصعيد والكشف، تجعل القارئ في حالة من التوقع والانتظار، وتدفعه إلى مواصلة القراءة لمعرفة ما سيحدث وما الذي يخفيه الماضي.
ويبدو أثر خبرات المؤلفة في الكتابة للأطفال في ميلها إلى الوضوح والاقتصاد في بناء الدوافع وتقديم الشخصيات عبر أفعالها أكثر من الغوص الطويل في وعيها الداخلي، بينما خبراتها ككاتبة سيناريو ومخرجة، ظهرت في تلك النقلات بين الشخصيات، والتنقل بين الماضي والحاضر.
اختيارات الخبرة لا النوع الأدبي
لا تقف آثار هذه الخبرات عند بناء المشهد والتصعيد، وإنما تمتد إلى اختيار أدوات السرد نفسها، فاختيار صوت الراوي أظهر جانبًا من مهاراتها ككاتبة سيناريو؛ حيث يظهر صوتان خلال الأحداث، أحدهما صوت هند، بطلة الأحداث، والتي تحاول اكتشاف حقيقة جميلة (والدتها) بينما تتابع حالتها الصحية، والصوت الثاني هو الراوي العليم، الذي تستخدمه الكاتبة للانتقال بين هند وبين بعض الشخصيات والزمن. لا يظهر الراوي العليم بصورة كبيرة، في حين يهيمن صوت هند على غالبية الأحداث لصنع الروابط بين الشخصيات وطرح التساؤلات، التي جاءت تناسب مستوى العمق الذي اختارته الكاتبة.
يتحرك الزمن في مستويين: الأول آني وحاضر، والثاني متشظٍّ نحو الماضي، بطريقة الفلاش باك، أو لعبة المذكرات التي تتركها جميلة، وتحاول هند من خلالها تقصّي الماضي والوقوف على أسباب الخلاف بين والديها.
سلاسة اللغة والمشهدية وتعدد لحظات التشويق، كلها عوامل تدفع إلى يُسر القارئ في تقدمه داخل الرواية، في حالة من المتعة، دون انحياز قوي من القارئ إلى إحدى الشخصيات، حتى هند، البطلة، لا تظهر أكثر من كونها فتاة تبحث عن سر والديها.
بسهولة يمكن كشف انحيازات أو خبرات المؤلفة في الكتابة للأطفال، وكذلك الكتابة الدرامية، فجاءت روايتها الأولى تستهدف متعة القارئ، وربما ببعض الدروس المستفادة، في حين أفلتت الكاتبة الأبعاد النفسية العميقة لشخصياتها؛ فالرواية لا تعاني من فقر في الشخصيات، وإنما من فائض في الإمكانات النفسية التي لم يمنحها إيقاع السرد المساحة الكافية كي تتفتح. فجميع شخصيات الرواية مؤهلة لمستويات وأبعاد نفسية بالغة العمق؛ فشخصية العمة نفيسة وعنوستها، وصرامة الأب عبد الكريم وعنفه، والتي تتضح منذ بداية تعارفه إلى جيجي، والعمة آمنة، وهناك نجية وصالح، وكذلك الدكتور علي، والدكتور تامر، والمحامي، غير الشخصيات الثانوية التي ظهرت حسب دورها، ما يمكن أن تكون شخصيات ثانوية، لكنها مؤهلة بشدة لسبر أغوار تنوع نفسي واجتماعي هام جدًا.
في تصوري الشخصي، أن الكاتبة جاءت إلى السرد الروائي محمّلة بخبراتها وأدواتها الإبداعية من أجناس أخرى، تلك الخبرات التي تكشفت داخل النص، من حيث اختيار مستوى التلقي واللغة، وكذلك نهايات الفصول وبداياتها، وهي أمور لا يمكن أن نحتسبها نقيصة، وإنما هي نمطٌ بعينه من المتعة القرائية؛ متعة الانسياب والتشويق والرغبة في معرفة ما سيحدث، لا المتعة بوصفها مفهومًا جماليًا وحيدًا. في النهاية، هي رواية اختارت كاتبتها أن تمنح قارئها متعة الحكاية قبل متعة التوغل في أعماق الشخصيات؛ وهي ليست مفاضلة بين كتابة جيدة وأخرى ناقصة، بقدر ما هي اختيار جمالي له مكاسبه وحدوده، وكذلك خسائره.











