حازم كمال
تزامن موعد خروجه اليومي للمقهى مع صراخ آتٍ من بئر السلم، صاحبه صرير باب الشقة، فذكّرته بمسألة النسيان! كجرعة دواء تتكرر كل عدة ساعات. في الصباح، وساعة نزوله، وعند عودته ليلًا. ولما وقف على البسطة، بدا كأنه نسي أمرًا آخر. «الظاهر أنها عدوى» قال وأخذ يعدّل جلبابه، متحسسًا جيوبه، ووجد أن كل حاجة في مكانها. هزّ رأسه راضيًا.
«كده الأمور آخر تمام».
عندئذ مدّ يده ليسحب الباب من ورائه، في ذلك الوقت بالضبط كانت هي تقف عند الأرج الذي رُصّت فوقه زجاجات البيرة الفارغة، وفي يدها غيارًا قد تركه في الحمام. ولما سألته إن كان سيذهب إلى المقهى، فلا ينسى أن يشتري الفول وهو راجع، أومأ برأسه قائلًا: «طيب..» وأكدت أنه من الأفضل أن يشتريه في طريقه.
«حاجة تانية».
«آه، ثمن بُن.. محّوج»
«حاضر»
هرشت في رأسها تتذكر شيئا، تأكد له أنها بالفعل عدوى. وقبل أن ينتظر سماع المزيد، سحب الباب. وعاهد نفسه مجددًا ألا ينسى تزييت «** أم» المفاصل.
عند البسطة التالية بين شقة الأستاذ ميلاد، أمين المكتبة، وشقة عم خليل، الساعاتي، عدّل ثيابه مرة أخرى ونظر لأسفل. وحمد الله أنه لم ينسَ الحذاء هذه المرّة.
تحولت الصرخات إلى ولولة على خفيف، مختلطة بشهقات خافتة وكلمات مواساة بين حين وآخر.
تعرّف إليهن جميعًا من أصواتهن.
«خير يا أختي، كفّى الله الشر»، سألت أم بطة، بلثغتها الفرنسية المميزة.
«فداكِ.. فدا ظفرك»، علّقت امرأة تعوّد أن يراها تجلس مع زوجة البقال على ناصية الشارع.
أما صاحبة الكلمة الأخيرة، والتي كانت تبدأ كلامها دومًا بأنة، كأنها تنتع حملًا. امرأة وارفة الطول، ضخمة كجذع شجرة، لم يبقَ لها من هيئة الرجال سوى الشارب. تتجشأ هكذا، وتميل في مجلسها مطلقة الريح كأجعصها بغل نتن. ولما كان يعزي خيالاته إلى رداءة الدخان وتلك المسائل، كان يراها تجلس في الجهة المقابلة على الرصيف وتدخن المعسل.
قالت: «شاالله ما يوعى، ولا يتهنى بهم».
نزل السلم مشوشًا من سيجارة دخّن نصفها قبل الغداء، وأكملها في الحمام قبل الخروج.
عند بسطة الدور الأول، تنحنح.
ارتفعت الرؤوس تلقائيًا لمعرفة من القادم، ما عدا الضحية —لم تكن في حاجة—، كانت تستند بمرفقيها على ركبتيها وتحمل رأسها بين كفيها.
وقف أمام الغرفة التي على اليمين وأنت طالع السلم، وتفوح دومًا برائحة الكرنب المسلوق والبولينا.
قال: «في حاجة ولا إيه؟» شعر بخفة ما قاله، فأكمل: «أبو أميرة جرى له حاجة؟!»
رفعت رأسها تجاهه ورمقته بنظرة حارقة.. ورأى في عينيها التوسل، كأنها تقول: يا ليته هو.
ردت زوجة الأسطى محمود: «اللي شافه ربنا، سرق دكر البط».
وغالب ضحكته من ظرافة لثغتها.
نفت أم أميرة المعلومة بحركة عصبية من يدها وقالت مصححة، «دكرين والله يا أبلة مروة»، بينما تمسح أنفها في طرف الجلباب.
لما لم يفهم، زوّدت أم بطة مزيد من تفاصيل الحادث: «كانت مربياهم تبيعهم وتشتري حاجات المدرسة لأميرة».
تمالك نفسه من الضحك. وشدته الواقعة نفسها، وفطن لنظرات أم أميرة المستعطفة، وعرف أنه سيتحمل جزءًا من تلك الخسارة.
أخرجه صوت المرأة الذكر من غيبوبته المشوبة بالقلق. وظلت أم بطة تربت على كتفها، وتلقي بكلمات مواساة كلها بحرف الراء.
الحكاية إذن أنها كانت تجلس على المسطبة تحت الشباك، تستمع إلى شخير زوجها المُدَوْزن، بينما يعزف لحن القيلولة. حين مر بائع سَرِيح، استوقفته لتأخذ فكرة عما يبيعه من أشياء: «كنت بشوف معاه إيه!» وتلهيه في الوقت نفسه عن النداء «تحت دماغ الرجل» في الميكروفون، بصوته المنفّر، كي لا تقلق منامه ولا تقطع سوناتا دو الكبير!
ولما نظرت في الصندوق، رأت ثلاث بطيخات، وفي العمق كومة مغطاة ببطانية ميري قديمة. ظنت أن تحتها بطيخ أو شيء من الخردة، وفوقها «قفص طيور من الكبير ده»، وفردت ذراعيها لتحدد مساحته، وتوعدت بيديها وهي تقول: «مليان لحبة عينه».
فرحت بالسعر، ووجدتها فرصة لا تضيّع، إذ كان في السوق أغلى. تناول الرجل إحدى البطيخات، قرّبها لصق صدره، وأخذ يدورها وهو يخبط على كل ركن فيها، وقع الاختيار على أخرى كان رقعها أقوى، ويوحي بطعم «زي الخشاف». التقط الرجل السكين ليشقها، لكن أم أميرة استوقفته: «حيلك، حيلك». همّ برشق السكين مجددًا في وسط البطيخة، لكنها تعرف عشق أبو أميرة وولهه في تشقيق البطيخ وتفسيخ الزفر وفشخ أي شيء لنصفين. «فهي لا تعزه من فراغ!» ولما رأت من الرجل إلحاحًا كاد أن يصل إلى خناقه كي يشق البطيخة، أيقنت أنها لا بد حمراء وحلوة كالشهد، فخطفتها من يده.
سألته ثانية عن الثمن، وخصمت بشطارتها ربع جنيه آخر. استدارت للحظات، معطية ظهرها للرجل، لتتمكن من إخراج كيس النقود من صدرها العامر.
«ما يصحش دا مهما كان راجل غريب!»
لحظات فقط عادت فيها، وكان الرجل منشغلًا بترتيب الصندوق.
لم تمنع نفسها من السؤال عن الدجاجات المقأقأة في القفص. ودار بينهما حديث، حيث أخبرها أنه يشتري ويبيع كل شيء. فسألته عن السعر الذي يبيع به، وواءمت بينه وبين تسعيرة أبو تامر الفرارجي. ولمحت ديكًا شمورتًا يزقط وسط الدجاجات، لم تنزل عينها من عليه طيلة الفِصال.
قال: «بس دا غالي..»
وفكر مليًا كمن يقيّم شيئًا عزيزًا: «لكن ما يغلاش عليكي». وأعطاها سعرًا عادلًا، لكن أقل بقروش مما خمّنت.
قالت له: «يفتح الله».
ربما استكثرت سعره، أو لعب الفأر في عبها، لكنها صممت أن تمضي في طريقها حتى تقطع كافة شكوكها.
«طيب لو عندي طير، تسعّره لي؟»
وأشارت وراء البوابة نحو ذكرين هادئين، متخمين من فرط ما حشرت في زوريهما من الفول المبلول والذرة.
لم يكن في حاجة للقبض على جناحي الذكر. حمله بيده، وعاير وزنه، هزّ رأسه مليًا، وكرر مع الآخر، والذكران في استكانة قط منزل، فقط يشحران بهدوء.
قال: «خفي عليهم ألا يفطسوا».
وقعت الكلمة في نفسها، وأخذت تصب عليه اللعنات. ورغم كل شيء، أعطاها الرجل سعرًا عادلًا، تقريبًا نفس الذي عرضه عليها تاجر الطيور يوم الجمعة، وصعب عليها أن تفرط فيهما لتاجر.
«كنت بعتهم له»،
قالت المرأة الرجل، وأطلقت ضحكتين متقطعتين بدتا هازئتين: «أهه، نقبك طلع على شونة».
ردت عليها بحدة: «والنبي يا خالة، تنقطينا بسكاتك».
ساد صمت تكهرب فيه الجو. وعلقت أم بطة موجهة كلامها لأم أميرة: «الحاجة ما تقصدش»، ومالت في الاتجاه الآخر ورمتها بنظرة.. لم يبدُ على المرأة أنها تأثرت.
استعادت أم أميرة خيط حكايتها، وأكملت كأن شيئًا لم يكن. حملت البطيخة وتحسستها، وخبطتها بيدها. هزّت رأسها راضية عن نفسها، وتركت الرجل متلهيًا في شؤونه.
«يعني كان دوّر التروسيكل»، علقت أم بطة.
غمغمت المرأة: «يعني هيكون بيعمل إيه؟»
قال في سره: «أكيد سرقهم»
ردت أم أميرة: «ما أعرفشي يا أبلة مروة».
دخلت إذن ومعها البطيخة. وبحثت عن مكان تضعها فيه، ووجّهت كلامها لي: «احنا معندناش ثلاجة». وخزتني كلمتها.
كنت قد عرفت من زوجتي أنها اتفقت معها أن تعطيها ثلاجتها الإيديال القديمة، «بدال ما هي مركونة» على أن تصلحها هي. ولكن صعب عليها هي الأخرى أن تفرط فيها، لأنها من رائحة المرحوم حماي. ظنت أنها تمنحها قطعة غالية، لأنها مكتوبة في القائمة وأيضًا لأن أبيها أصر على شرائها من صيدناوي في الوقت الذي كانت تدخل فيه العرائس بكوز نحاس وزير.
لم تجد مكانًا أفضل من تحت الكنبة مكان ما يرقد أبو أميرة.
استعاد على المقهى الحكاية مرة أخرى مع محمد فتح الله أيوب، صديق المرحوم خاله الذي كان موظفا في التأمينات والآن على المعاش. أخبره أن أولاد القحبة لديهم حيل لا تنتهي، كل يوم يسمع حكاية جديدة عن السرقة وأخذ يضحك ويضرب كفًا بكف. وحكى عن كل مرة اشتري فيها بطيخًا، بعدما طلع على المعاش، وينادي على الولد من المدخل أو من البلكونة. ويهمّ الولد منهم بعنفوان أن يشقها له، ويرفض لأنه مِدَنّون ولأن السكين غير نظيف. وفي تلك المرة قرر أن يأتي بسكين من مطبخه، وشهد بأم عينيه أنها حمراء فعلًا، ورفض أن يتذوقها لأن البطيخ الساخن «بيعمل له تمشية».
على الغداء عند أول قطمة اكتشف أن طعمها بلا حلاوة تُذكر، وظل طيلة الليلة يهرع إلى دورة المياه. وفي النهاية، بعدما سمع كلمتين من زوجته، قصّر على نفسه الطريق وقاطع البطيخ من بابه.
ولما فاتحه في مسألة النسيان، هزّ رأسه مؤكدًا أنه يعاني نفس الشيء! وأنه من يومين، وذكّره لأنه مر عليه يومها ودخّنا سويًا في المدخل.
كان قد جلس بالفانلة والسروال، يلف موتور الغسالة، مستعيدًا ذكرياته أيام كان صبي كهربائي عند الأسطى عباس سبرتو. لكنه أفسد الموتور وخشي من المرأة، فاشترى واحدًا وباع القديم. وأمس، بعد الصلاة، أخذ يتساءل عن أي مكان تركه فيه. سحب نفسًا طويلًا وحبسه في صدره وناوله الجوزة.
قال: «وهي عملت إيه؟»
رد محمد فتح الله: «لما أروّح هبقى أسألها حطته فين!»
لم يرد.
وفجأة أخذ يضرب جبهته بكفه ويضحك، محررًا الدخان في زفرات مع السعال، حتى ظن أنه سيختنق.








