زينب أحمد علي
كان الوقت يقترب من العاشرة ليلا حين دخلت بسيارتي تلك المنطقة للمرة الأولى. أخذتُ أبحث بعينيَّ حتى وجدتهما. الرجل ومساعده يقفان في انتظاري ليسلماه لي كما اتفقنا. اقتربتُ منهما وانزلت زجاج السيارة كاملاً لألقي نظره. تماماً كما أردته.. عريض الكتفين منتفخ الصدر ذو شعرٍ كثيف، يرتدي بذلة كحلية. على ملامحه غلظة تدعو للتعامل معه بحذر.
بمساعدتهما ادخلته إلى المقعد الأمامي ليجلس بطريقة مريحة.. لمست أكتافه اتأكد من صلابتها، وابتسمتُ وأنا أربتُ عليها.
الفضول في عين الرجل كاد يقتله. نظر إليَّ بريبة وهو يفرك ذقنه بيده، ورائحة الأسئلة تفوح من رأسه. ربما كان سيجدُ إجابة لها لو كنت أعمل بالخياطة مثلا أو امتلك محل ملابس، لكن الهندسة المدنية زادت حيرته.
حاولت فك جمود الصمت الذي سيطر على الموقف، شكرته ودفعتُ له باقي المبلغ المتفق عليه، ثم لم أنسى أن أدس البقشيش في يد مساعده الموهوب.. اختفت حيرته حين نظر للمال، فتركتهما لأعود إلى البيت.
“مانيكان شمع لرجل ضخم” لم تكن رحلتي يسيرة في الحصول عليه. أردته ألا يكون عادياً بل متقناً على يد فنانٍ ماهر، والحقيقة أنني كنت محظوظة في النهاية حين وجدتُ ذاك الرجل ومساعده الشاب الذي يدرس الفنون الجميلة.
كان الأمر مكلفاً للغاية. حزنتُ حين بعتُ أسورة ذهبية تركتها لي أمي، لكن رؤيتي للمانيكان وهو يشبه رجلاً حقيقياً يصلح للسفر إلى متاحف الشمع الشهيرة بالخارج ساهمت في مواساتي.
انطلقتُ بسيارتي اتلفت ناحيته واختطف النظر، ثم ابتسم لأنني أخيراً نفذتُ الفكرة التي راودتني طيلة أشهر. الطريق طويلة إلى البيت، لكن لا بأس هناك رفيقٌ يؤنسني الآن وينصتُ لحديثي دون أن يُقاطعني.
-:” اسميك إيه يا ترى؟؟ممم، ليث، اسمك ليث”.
ستقول عني مجنونة يا ليث مثلما قالت صديقتي حين حدثتها عن رغبتي في اصطحاب حارس شخصي داخل السيارة. حارس شخصي بأكتافٍ عريضة، ولو من الشمع، يجلس بجواري فيظن العابرون الجبناء أنه رجل حقيقي فيفكروا مرتين قبل التطاول عليَّ.. “بودي جارد” صامت لكنه مُخيف.
في البداية فكرت في رجل حقيقي لشغل تلك الوظيفة، لكنها كانت الفكرة الأكثر جنوناً، فمن سيرضى بها، ومن أين سأدبر راتبه ؟؟، وماذا سيقول الناس عني؟؟
“المانيكان” فكرة ساذجة.. غريبة ولا منطقية بل وربما مضحكة، وقد تدفع آخرين للشك في فتاة عزباء بلغت السابعة والثلاثين لتوها، لكنها كانت آخر حيلي.
ربما تريد أن تعرف لماذا إذا؟
سأقول لك بالتأكيد.. منذ عامين يا ليث تحديداً وقتما قررت امتلاك سيارة وخوض تجربة القيادة بنفسي، وأنا أعامل في الشارع كقطة تعبث مع أسود الغابة.
بلغتْ بي السذاجة حداً تصورت معه أن معاناتي مع الميكروباصات والأتوبيسات العامة ستنتهي بامتلاكي سيارة، وأنني سأغلق بيدي بالوعة المضايقات التي لا تسلم منها امرأة تمر في الشارع. سيارة صغيرة أختبئ في جسمها المعدني وزجاجها المغلق، تنقلني من الباب إلى الباب فأرحم من دنيا الشارع ومعاركه اليومية التي لا تناسبني. لكنني كنت واهمة، فالمضايقات لم تختفي. ظلت هناك متكومة فوق رصيف أو مقعد سيارة أو مُتسربة في الهواء أشم رائحتها فتزكم أنفي أكثر مما يفعل البنزين.
لا أنسى يا ليث ذلك اليوم عندما تعطلت بي السيارة في مطلعٍ مؤدٍ لأحد الشوارع الرئيسية. ارتفعت حرارتها كأنها قطعة من جهنم، ثم استحالت مدخنة لكبابجي شهير ووضعتني في موقفٍ لا أحسد عليه. تجمع طابورٌ من السيارات خلفي. صوت كلاكساتهم يدوي كأنه صفارات إنذار لحربٍ مُهلكة.. ينظرون نحوي وكأنني من ثقبتُ الأوزون.. ظلت شفاههم تتحرك بكلماتٍ لم أسمعها، لكنني تخيلتها، ثم علا صوت أحدهم:
-: ” يا ست خلااااصي واقفي على جمب”.
بييييب بيييييب
وجاء صوتٌ أخر
-: “نفسي أعرف امتى هتقعدوا في البيت وتريحونا”
نزلتُ من السيارة واغلقتُ بابها بقوة كأنني الطمها. فتحت “الكابوت” وهربت برأسي داخله. كنت أنتظر شيئاً ينقذني ولو على هيئة طائر الرُخ فيأخذني وسيارتي بعيداً. ارتبك عادة إذا كنت في اجتماع عمل ووجه أحدهم سؤالاً لي بغتةً، فكيف بموقفٍ مثل هذا؟!. يقول أصدقائي أنني رقيقة أشبه زهرة توليب تقف خجِلة داخل مزهرية، وتنزعج إذا ما اقترب منها أحد محاولاً لمسها.
أتدري يا ليث حين كنت في بداية تعلمي للقيادة اصطدمتُ بسيارة. لا تضحك فمن لا تصطدمُ سيارته؟؟ تملكني الخوف وقتها والتف الناس حولي، وحين نزل سائقها أعطاني محاضرة في القيادة.. كأن الفرصة قد جاءته ليعيش لحظة تشعره برجولته. ثم ظهر شاب صغير بل دعني أقول “عيل” في ثانوي يشير إليَّ بيده قائلاً:
“انزلي كده “..
ثم تدخل آخر مر بالصدفة وقال:
” شوفي يا أبلة الست ست والراجل راجل، ودي الصراحة شغلانة رجالة”.
كنت وحدي وحولي حفنة من الذكور يثرثرون ويطلقون نصائحهم في وجهي. كدت أصاب بدوار وأغيب عن الوعي.. تمنيتُ وقتها أن يحدث شيء خارق كأن ينبتُ لي أجنحة فأطير في السماء، أو أن اتحول لذاك العملاق الأخضر حاملاً في يده مطرقةٍ حديدية فأهشم بها رؤوسهم وينتهي الأمر.
نصحتني صديقتي، التي تقود منذ سنوات، بأن أتحلى بشخصية “لوح الثلج” وإلا سيتأذى جهازي العصبي.. سمعتُ بنصيحتها ذات مرة يا ليث حين كان أمامي سيارة زرقاء موديل حديث فخمة، يقودها شخصاً أصلع بنظارة شمس سوداء. ظل يمشي أمامي ببطءٍ والطريق أمامه خالٍ لدرجة جعلتني في البداية أظن أن لديه مشكلة ما في سيارته لكن، الأمر لم يكن كذلك.
فقد كانت مدربتي الخاصة قد نصحتني بأن أقود ببطءٍ حتى أصل لمرحلة التمكن، فالسرعة في البداية ما هي إلا كارثةٌ توشك أن تحدث، ويبدو أن صاحب السيارة الزرقاء فطن لكوني حديثة عهد بالقيادة فأخذ ينافسني في البطء، ويطيل فيه بدرجة أصابتني بالملل وأخرتني نصف ساعة عن موعد وصولي للبيت. أخذت أضرب الكلاكس عدة مرات، فما كان منه سوى أن نظر إليَّ من مرآته في برود، ثم غمز بعينه اليسرى وابتسم، ثم انطلق بعدها وفتح لي الطريق. في فلسفة “الناصحين” أمثال صديقتي تُعد تلك طريقة للمعاكسة بالسيارة..تخيل!!.
***
ما رأيك في ملامح وجهي يا ليث؟ أحقاً تبدو بريئة وساذجة بدرجة تُطمع فيّ الآخرين؟؟. هذا ما تردده صديقتي دوماً: “وشك البريء ده مش هينفع، لازم تبقي شرسة شوية”.. اعتبرتها إحدى قواعد القيادة. الملامح الهادئة لا تصلح لكن الهدوء مطلوب. اشتريتُ قلم كحل أسود شديد القتامة، وأنا التي لا تحب أن تضع مساحيق التجميل، تعمدتُ أن أصنع به يومياً خطاّ عريضاً تحت عيني ليُعطيني مظهراً جاداً فلا يُستخف بي. وضعت فوق مقعدي وسادة قطنية لتمنحني سنتيمترات قليلة فأبدو أطول..
في البيت فكرتُ.. كيف أكون شرسة؟ وقفت أمام المرآة رفعتُ حاجبي الأيسر.. ضحكتُ فانفرد الحاجبين وانبسطت كل عضلات وجهي. فقدتُ السيطرة وأنهيتُ الأمر لأحاول ثانية في اليوم التالي أمام مرآة الحمام وبعد أن فرشتُ أسناني، وغسلتُ وجهي.. تذكرتْ.. ماذا قالت أيضاً: “ازغُري بعينيكي”، كيف يكون الزغر هذا؟، حاولت أن أبدو غاضبة.. تذكرتُ مديري في العمل، فبدا وكأنني فعلتها.
لكن كل هذا يا ليث لم يمنع سائق “توكتوك” في العشرينات من عمره، من أن يطلق الشتائم نحوي لمجرد أنني تأخرتُ قليلاً في المرور من الانعطاف.
أسمعتُ يا ليث عن قصة الشباب اللذين طاردوا فتيات يقُدن سيارتهن صباحاً على أحد الطرق السريعة، ولم يتركوهن حتى اصطدمت سيارة الفتيات بسيارة نقل كانت متوقفة على جانب الطريق؟.. تلك الحادثة أصابتني بالهلع، وحلمتُ يومها بأنني أنا من كنتُ أقود السيارة لا الفتيات.. بعدها بتُ أراقب الطريق من خلفي بحرصٍ كما أراقبه من أمامي، واتجنب تماماً القيادة وحدي على الطرق السريعة.
هل أخبرتكُ يوم كنت ذاهبة لأزور عمي في بلدتنا القديمة؟؟ كنتُ انطلق بسيارتي على الطريق، أتلذذُ بنسمات الهواء وهي تضرب خدي وأتذكر حلمي الطفولي بالطيران، ليفاجئني سائق عربة نصف نقل مر سريعاً بكلماتٍ كدت أبكي من وقاحتها وقذارتها. بل أنني بكيتُ بالفعل.. بكيتُ في آخر الليل وحدي من شدة ما شعرتُ بضيقٍ في صدري.
قل لي يا ليث أين اذهب؟؟
***
لم يتركوني حتى في أحلامي. لمراتٍ ظل كابوساً يطاردني. صرتُ أحلم بوجه رجل مُربع مكتنزٌ باللحم يخرج من شباك سيارة، يصرخُ ثم ينتفخ وينتفخ حتى ينفجر في وجهي، ويلطخني بسائل أخضر لزج كريه الرائحة. بعدها يتركني وأنا أبكي على ثيابي الملطخة، ثم يتعالى صوت كلاكسات لا ينتهي حتى أستيقظ.
هل حدثتك عن بقعة الزيت؟؟
في إحدى المرات وبعد أن اضطررتُ لركن سيارتي أمام بناية تحتها مقهىً شعبي، كان ذاك الرجل ذو الشارب المتدلي على فمه يجلس ويدخن الشيشة، نادى بصوته المتحشرج: “يا مداام حاسبي البقعة”
ارتبكتُ وتوقفتُ لثانية، فصعدت الضحكات وقال:”
“لا، مش على هدومك.. قصدي بقعة الزيت تحت العربية..ابقي وديها للميكانيكي”.
ستصدقني بالتأكيد إذا قلتُ لك أنني حلمتُ يومها ببقعة زيت تفترش نصف وجهي.
***
وكأنك تُريد أن تقول لي أنني جبانة لا استطيع مواجهة هؤلاء وحدي، وأحتمي في أكتافٍ من الشمع، لكني أؤكد لك أنني لست جبانة. أنا فقط امرأة بسيطة والشارع بات عنيفاً حاداً لا مكان فيه لمثلي فقل لي بالله أين اذهب؟؟
هل سئمت حديثي يا ليث؟؟ لا يبدو على وجهك ذلك.. أشعر أنك تريد أن تحدثني، أن تربتُ على كتفي وتقول لي: “أنا هنا”، أعلم أنك لست مثلهم.
أتدري؟ سمعتُ في نشرة الأخبار أن شركة عالمية تعمل في مجال التكنولوجيا تسعى لتحويل مانيكانات شمع إلى روبوت يستطيع الكلام وربما أشياء أخرى. وقتها صدقني لن أتردد في تحويلك إلى روبوت مهما كلفني الأمر.. سأشتاق لأسمع صوتك غليظاً يُصدر لهم رسائل تحذيرية وكلمات نابية، وربما سُباب بألفاظٍ خادشة كالتي يرددونها..
ها قد وصلنا إلى البيت. البواب يجلس على مقعده.. يلعب في شاشة هاتفه.. ظننتُ أنه غط في النوم.. على كل حال لن يُجدي الأمر، أعلم أنه لن يهنأ له بالٍ حتى يعلم عن أمرك..
سأتركك وأصعد الآن.. أعذرني سأسجنك في هذا المقعد الأمامي.. سيكون لك وحدك ولن يشاركك أحداً فيه، أو يسلبه منك.. ألتقيك صباحاً.
قبل أن أنزل وأتركه أمسكت كفه لأسلم عليه..لا أدري كيف شعرتُ بها دافئة.. هكذا.. كأن بها عروقا تتدفق فيها الدماء.









