الخطوبة

حاتم عبد الله

حاتم عبد الله

كان يعبر الميدان الأكثر ازدحاما في القاهرة، وربما في مصر كلها.. يكره هذا المكان جدًا، ولا يأتيه إلا مضطرًا؛ على فترات تتجاوز السنة، يرى أن الجحيم سيكون مليئا بأماكن شبيهة؛ في زحامه وعشوائيته وجلافة بائعيه القادمين من الأرياف، بل وزبائنه أيضًا.

الحاجز النفسي بينه وبين هذا الميدان، يسبق مجيئه إلى القاهرة بسنوات، حين تابع -مع معظم المصريين والعرب- حادثًا أخلاقيًا مأساويًا، صار من ذاكرة المكان.

ويبدو أن الازدراء متبادل، فمع أول مشوار مرّ خلاله على الميدان تعمّق العداء بينهما؛ كان وقتها في الصف الأول من كليته، عائدًا من مكان بعيد إلى سكنه بالمدينة الجامعية في نهار رمضاني قائظ، وربما لجهله بوسائل المواصلات داخل العاصمة أو لانتهازية السائقين اضطر أن يُقسِّم الطريق، حتى نزل في الميدان عصرًا، ليستقل أتوبيسًا من الموقف إلى مسكنه.

انتظر واقفًا في الأتوبيس المزدحم كالمكان الذي يحطُّ فيه، وهو بالكاد يلتقط أنفاسه؛ في ظل تكدس وحر لافح يطاردان الأكسجين.

زاد الانتظار وتململ الركاب المحملون بالبضائع -الصائمون وغيرهم- تحت وطأة التعب والعطش والتلهف إلى صقيع البيت وأجواء انتظار المدفع والإفطار، وظهر الملل في تلاسنات واحتكاكات واتهامات بالتحرش بين المتجاورين.

في المقابل؛ خارج الأتوبيس، انشغل موظفو هيئة النقل العام؛ من ملاحظين ومفتشين وسائقين وكمسارية، في مشاداتٍ علا خلالها صوتهم تدريجيًا، ليتضح أنهم يرفضون استكمال عملهم اليوم، فيما يشبه الإضراب.

وفهم الركاب المتابعون أن الإضراب (الجزئي) لسائقي وكمسارية الموقف، سببه اعتراضهم على الحوافز والبدلات.

 ومع تصاعد وطيس الإضراب، نزل الركاب، وصرخ أحد المحرضين؛ يحمل دفتر تذاكر، كان ذا عينين جاحظتين وأنف أفطس كبصلة ضخمة وشارب ذي شعيرات معدودات تطال الشفاه السفلى: «واللهِ لو بنحوِّل خرا كان زمانّا عندنا عمارات.. دين أبو الهيئة ودين أبو الركاب».

مر ما يربو على الخمسة عشر سنة على هذا الموقِف ولكن مر مشهده على ذاكرته بالتفصيل وبالملل والضجر اللذين عاناهما وقتها، بينما يمد بصره إلى أرض الحدث، عابرًا إلى الشارع الذي تقطن فيه فتاة ذاهب لخطبتها، حتى وجد مسكن العروس، وهو بناية أسمنتية ضخمة ذات ارتفاع شاهق.

تعرف عليها من خلال خاطبة تجاوره، أخبرته بملكية البنت لشقة فسيحة «يجري فيها الخيل مش زي جُحْر الفار اللي انت فيه؟ّ!» بالـ(برج) الذي بناه والدها و«كان شيخًا طيبًا ومتدينًا، جعل من طابقه الأرضي مسجدًا، قبل وفاته».

صلى ركعتين بالمسجد قبل أن يطرق باب الفتاة، ليردد آخر أدعيته التي يبتغي منها تعبيد قلوب أهل العروس لقبول طلبه.

فتحت له والدة الفتاة، تبدو كـ(مِعلِّمات) أفلام الأبيض والأسود رغم الحجاب، ثم دخلت الفتاة بعينين آسرتين، حجب اتساعهما كِبَر أنف مستديرة كبرقوقة، وبلا قصبة.

علم من الأم أن ابنها الأكبر (الحاج)، ولي أمر الأسرة بعد وفاة الأب، في الطريق قادمًا من عمارته التي ورثها بمفرده، ثم أخذت الأم تسرد في محاسن زوجها الراحل وقربه من الله، حتى ظنه وليًا من أهل الخطوة؛ كالذين سمع عنهم ولم يرهم.

كانت المرأة تتكلم بلسانها وعينيها ويديها وجسدها الرجراج، بينما تثبّت العروس عليه بصرًا جريئًا به شيء من الميوعة.

كانت السيدة تتحدث عن سبع مرات حجت فيهم إلى بيت الله، وعن زوجها الذي كان شبه مقيم بالحرم، مشيرة إلى صورة ضخمة فوق مجلسه، للرجل بزي الإحرام وخلفه الكعبة المشرفة.

استدار ورفع رأسه ناظرًا خلفه إلى صورة الرجل سريعًا، لكنه قبل أن يعود إلى جلسته، ثبت عينيه على الصورة فجأة.

الأنف البصلي الأفطس، العينان الجاحظتان وسط هالات جلدية سوداء، وابتسامة تتسع حتى أخفت البصلة والجحوظ وملابس الإحرام والكعبة.

ابتسامة رجل الحائط صارت ضحكة؛ محمّلة باستهزاء أعظم، يينما تتحرك الشفتان؛ بصوت مرعب «خراااااااا.. خراااااااااا.. خرااااااا.. دينك ودين أبوووووووك»، دوّت أذناه مع الصوت وغامت عيناه وارتجت رأسه وعَظُمَت واستدارت به حتى كاد أن يسقط، بينما رائحة الفضلات تزكم أنفه وتكتم أنفاسه، تحسس طريقه في اتجاه الباب، ثم خرج وهو يسعل ككلب يحتضر.

 

الجيزة

مساء الخميس 16 أبريل 2026

قاص وصحافي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع