في الواقع والرواية: شعوب تتداعى

نزار آغري

«الأشياء تتداعى» هي أول رواية كتبها النيجيري شينوا آشيبي، وكان يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا. بهذه الرواية دخل آشيبي عالم الأدب، واعتُبر، في ما بعد، واحدًا من مؤسسي فن الرواية في أفريقيا.

آشيبي، والحال هذه، هو أول روائي أفريقي نقل هذا الفن الأوروبي إلى قلب القارة السوداء. كتب الشعر والقصة والمقال أيضًا، لكن الرواية بقيت الميدان الذي امتحن فيه موهبته الكتابية.

سعى آشيبي، في كتابته، إلى رسم صورة لأفريقيا عارية من الأفكار المسبقة والكليشيهات. في الحرب الأهلية النيجيرية (1967 ـ 1970)، أو حرب بيافرا كما سُمّيت، إذ سعت مقاطعة بيافرا إلى الاستقلال، احتل آشيبي موقعًا في الحكومة البيافرية الناشئة. وبعد انهيار تلك الحكومة، اضطر إلى مغادرة بلده والعيش في المنفى الأمريكي.

لم يتردد آشيبي في النظر إلى نفسه بوصفه ناطقًا بلسان الصامتين في أفريقيا (إحدى رواياته تسمى «رجل الشعب»). ولم يكن يؤذيه أن يكون داعيةً صريحًا لشعب الإيبو، الذي ينتمي إليه.

رواية «الأشياء تتداعى» تحكي عن هذا الشعب؛ سعيٌ إلى انتشال حياة هؤلاء من قعر النسيان، وإلقاء الضوء على جماعة الإيبو، المكثفة في قرية أومونيا، عند نهايات القرن التاسع عشر، قبل وصول المستعمر الإنجليزي بقليل وبعد وصوله بقليل.

أوكونكو، بطل الرواية، يرى نفسه سيد القرية. في نظرته إلى نفسه تكمن القوة والسلطان. غايته الوحيدة في الحياة هي الظفر بالسطوة (السلطة) والجاه والشأن. سرعان ما يغدو هذا الطموح هاجسًا وسواسيًا يصادر ملكات أوكونكو ويسد منفذ فكره وحواسه. يصير أسيرًا لهذه الرغبة التي تحركه كيفما شاءت، وتدفعه إلى ارتكاب الأخطاء القاتلة بحق جماعته نفسها؛ ينتهك حرمتها، ويعتدي على أفرادها، ويتجاوز الحدود المرسومة فيها. هذا الأمر يخلق هوةً ما تني تتوسع بينه وبين الجماعة، إلى أن يقترف جرم القتل. ومن يقتل يُنفى، في قانون الإيبو.

في فترة نفي أوكونكو، التي تستمر سبع سنوات، تصل طلائع البعثات الكولونيالية البريطانية إلى القرية.

بعد عودته من المنفى، يرى أوكونكو أن القرية، قريته، تبدلت تمامًا. يعتبر أوكونكو المستعمرين البريطانيين خطرًا على جماعته، ويعلن عن رغبته في قتالهم. لكنه يجد نفسه وحيدًا. لا أحد في القرية يشاطره الرأي ويقف إلى جانبه. يقول صديقه أوبيريكا: «الرجل الأبيض استطاع كسب ود أهل القرية، ولم تعد هناك رغبة في قتالهم».

لكن أوكونكو يرفض التسليم بالواقع. وبطريقة مفاجئة، يقتل المبعوث الذي أرسلته الإدارة الكولونيالية. من يقتل ثانيةً يُعدم في قانون الإيبو. يعترف أوكونكو بجرمه، لكنه يرفض الخضوع للقانون وينتحر.

تُجلي الرواية مأساة السكان الأصليين الذين يصطدمون بسلطتين طاغيتين لا رادع لهما: سلطة أوكونكو، المتغطرس، الذي يفرض نزواته الصارمة على الجماعة من جهة أولى، وسلطة القوى الخارجية التي أتت لتخلخل البنى القائمة على الأعراف والتقاليد المتوارثة منذ آلاف السنين من جهة ثانية.

يصطدم شعب الإيبو بالقيم التي جلبها الكولونياليون إليهم، فاهتزت الأرض تحت أقدامهم، وشرعت الأشياء تتداعى من حولهم شيئًا فشيئًا، إلى أن انهار كل شيء. يبدو وكأن كل شيء ينبغي أن يبدأ من جديد.

الكثير من شعوب هذا العالم يشبهون شعب الإيبو.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع