تاميران محمود
صدرت عن دار الشروق مؤخرا مجموعة لسان عصفور للكاتب حسام فخر والتي تضم 51 قصة قصيرة وقصيرة جدا. تتراوح طول الواحدة بين ثلاثة سطور وعدة صفحات، وتجمعها رؤية واحدة: حصار الإنسان المعاصر (بالوقت، بالصمت، بالحب، بالمجتمع، وأحياناً بنفسه).
أهدى الكاتب مجموعته القصصية إلى محمد المخزنجي وياسوناري كاواباتا؛ وفي هذا الإهداء وحده مفتاح لفهم المشروع بأكمله. فالمخزنجي سيد القصة القصيرة العربية ذات النفس الإنساني العميق، وكاواباتا فيلسوف الكتابة الذي يُمسك باللحظة العابرة ويُحيلها إلى كون متكامل متشابك العلاقات. فالكاتب هنا إذن يضع نفسه على هذا الطريق الشاق، أن يكتب ما هو صغير في حجمه، وعملاق في دلالاته وأثره.
الميزة الأولى والأبرز في هذه المجموعة هي التكثيف الهائل. فالكاتب لا يحكي قصصاً، بل يُطلق قنابل صغيرة موقوتة.
حصار الإنسان بنفسه
ففي قصة “تنفيس” التي لا تتجاوز أربعة أسطر: يجتمع أصدقاء أمام المستشفى يحتفلون بنجاح عملية قلب مفتوح لأحدهم، ويُفرّجون عن توترهم بالتدخين. في هذا المقطع الصغير ينطوي التناقض الإنساني كله: أن نحتفل بالحياة وأيدينا تُشعل ما يقتلنا.
فيقدم لنا التناقض الصامت، الإدانة بلا خطب، والمفارقة بلا تفسير. فالكاتب راهن على ذكاء قارئه وهو اختيار أدبي نبيل ومحفوف بالمخاطر في آنٍ معاً.
لأن القصص القصيرة جداً شكل أدبي يُعادي الحشو بطبيعته، لكنه قد يُغري بالألغاز المُعتمة أو الغموض الذي يُشير إلى العمق دون أن يبلغه. حسام فخر يقع في هذا الفخ أحياناً، لكنه في أحيان أكثر يُصيب هدفه بدقة الجراح.
حصار الانسان بالوقت
وفي قصة “الدقائق” وهي واحدة من أجمل قصص المجموعة وأكثرها إنسانيةً. نجد امرأة مثقلة بأعباء المنزل والعمل والزوج والأطفال تلجأ إلى ضريح «أم العواجز» وتطلب أمراً واحداً: أن يطول اليوم، أن تُصبح الساعة مئة دقيقة. الطلب ساذج ظاهراً، لكنه في جوهره صرخة امرأة تطلب أن تُعاد النظر في القواعد الكونية لصالحها. ثم تأتي النهاية بتفاصيلها الرقيقة: الدقائق غير المستخدمة تعود إليها كجواهر تملأ السلة. هذا الحل الشعري لا يُلغي المشكلة، لكنه يمنح البطلة لحظة تنفّس حقيقية.
فهنا يقدم الكاتب إشكالية الزمن وعجز البشر أمامه بشكل مختلف فهو يصيغ الأسطورة في رداء الحكمة ويقدم حلا يتأرجح بين المعتقد الشعبي في اللجوء إلى أم العواجز والفانتازيا الفيزيائية.
حصار الانسان بالصمت
في قصة “ليالي” يصارع الجسد الوحدة والرغبة ففي الليلة الأولى يتشابك جسدان في ربع السرير، وثلاثة أرباعه خاوية. بعد ألف ليلة يعود الوصف نفسه، لكن ذراعيها الممدودتين لا تجدان أحداً. ما بين الليلة الأولى والليلة التي تلي الألف لا تفسير ولا حوار، فالصمت هو الراوي الأمين للعلاقات حين تُحتضر.
وفي قصة “ذوبان” يتجسد الصمت في أعلى درجاته، امرأة تقترح على رجل أن تسبح في كوب الماء حتى تذوب فيه، فيبقيا معاً دون أن تكسر صمته. يُومئ موافقاً. ثم في لحظة باردة مذهلة. يسكب الكوب في حوض الزرع. ليس رفضاً، بل هو أبلغ: إنه يرفض حتى الذوبان. اللا تواصل هنا وصل إلى درجة العدمية.
حصار الإنسان بالمجتمع
وفي قصة “خوف الكلاب” نجد الوزير يصرخ في وكيله، ووكيل في مدراءه، والمدراء في موظفيهم، وموظفون في زوجاتهم، والزوجات في أطفالهن، والأطفال في كلب ضال. الكلب وحده يستخلص الدرس: كلما رأى إنساناً هرب. القصة بنية هرمية تُعرّي سلسلة القهر الاجتماعي في مجتمعاتنا، وتنتهي بمثل شعبي يلتقطه الكاتب بذكاء:” البلد التي تخاف كلابها الناس ما تنداس”
حصار الانسان بالحب
وفي قصة “مشهد سينمائي” مكتوبة بعناية كأنها سيناريو. تقدم صورة متكاملة لدقيقة حب مقتنصة من الزمن حيث نرى عاشقَين على الشاطئ بكل جماليات السينما، ثم تتراجع الكاميرا لتكشف أن المشهد كله هو النصف العلوي من ساعة رملية. هذا الإجراء الشكلي لا يُزيّن القصة، بل هو القصة نفسها: الحب محدود الوقت، والجمال يُخفي العد التنازلي.
وفي قصة “سر الناي” يصيغ الكاتب حكاية روحانية تصل بين النبوة والتصوف والموسيقى. فكرة أن صوت الناي يحمل سر إلهي أُسِرّ به إلى نبي ثم أفضى به إلى نهر فحفظه القصب هذه القصة كتبت بتكثيف شديد ولغة شعرية بالغة الجمال تمزج التراث الصوفي بالخيال الأدبي بحرية حقيقية.
المفارقة في القصص
يقدم الكاتب مجموعة من المفارقات المضحكة والحزينة في مجموعته تدفع القارئ الى التفكير في طريقتها وشكل التناول الذي يصيغه الكاتب بحرفية شديدة
ففي قصة “حلاوة الحكايات” يقدم الكاتب المفارقة المضحكة التي تدفعك إلى التفكير في حقيقة خيال الأطفال بين النظرة الأخلاقية والأدبية، والراوي هنا هو طفل-الكاتب نفسه- يحكي عن أجازته التي قضاها مريضا في السرير، ولكن بعد عودته الى المدرسة أخبر زملائه أنه قضى أجازته في أسبانيا متنقلا بين قصورها وقلاعها ومصارعا للثيران وكيف فاز بانبهار الأطفال وتصديقهم لدرجة أن يشكو أخيه بحزن إنهم ذهبوا الى أسبانيا وتركوه وحيدا في الإجازة. يختم الكاتب القصة برفض المستمعون أي تكذيب للراوي واعتبار أي اتهام له بالكذب محض افتراء لأن الحكاية تعجبهم.
اللغة في المجموعة
تمتاز اللغة في المجموعة بالرشاقة فالكاتب يكتب نثراً شعرياً لا يسقط في الزخرف، ويبتعد عن العامية الكاملة دون أن يتشامخ بالفصحى الأكاديمية. اللغة هنا أداة دقيقة وعنصر قوة في المجموعة تحمل ما يجب وتصمت عمّا يجب.
وجاءت قصة “صدفة الملائكة البيضاء” لتعبر عن هذا التوازن، يحكي النص عن البجع وذكرى الأم الراحلة، والحزن لا يُسمّى ولا يُصرَّح به، لكنه يسري في كل كلمة يثير الشجن كما يسري دم خفي في عروق النص.
وأخيرا نحن أمام مجموعة قصصية لافتة في مشهد القصة العربية القصيرة. وكاتب يعرف ما يريد وينجح في الوصول إليه يريد أن يُزعزع، أن يُساءل، أن يُخرج القارئ من مساحة ارتياحه.
عنوان المجموعة نفسه (لسان عصفور) يحمل ازدواجية ساحرة، النبتة الرهيفة التي تنكسر في الريح، والصوت الصغير الذي لا يُسمع في زمن الضجيج. وهو ما يبدو أن حسام فخر يُراهن عليه، أن يكتب بصوت خافت حاد يخترق الجدار ولا يحتاج مكبّرات صوت.










