شعرية المعرفة وأسئلة الشر.. قراءة في قصيدة إبراهيم البجلاتي

إبراهيم البجلاتي

د. محمد عبد الدايم هندام

“ليس على قصيدة النثر أن تكون جميلة دائما

وليس عليها أن تعيد إنتاج المفارقة نفسها دائما

عليها أن تكون وثيقة ضد القبح

واليد الغاصبة”

إبراهيم بجلاتي

كتب الشاعر والأديب دكتور إبراهيم بجلاتي قصيدة مفعمة بالجمال، الذي يبرز من وسط الفضاء الزاعق

يقول:

في هذه الحرب-وكما في كل حرب-

يصبح الناس أغبياء

فيعيد كل شيء تعريف نفسه بنفسه من جديد:

بدءا من الدنا مرورا بالأنا وصولا إلى طبيعة الإله

الدنا: حمض نووي

منقوص الأكسجين

أصل الأنواع

سلم حلزوني تصعد عليه الكائنات إلى العلى

أو تهبط إلى درك التشوه

بإمكانه الغزو

وتحويل الخلايا إلى مستعمرات

تكتظ بالسكان

فتنفجر

ليغزو من جديد

كأنه أصل الشر

أو كأن كل كائن معطوب وشرير

الأنا: وسيط بين الغرائز والضمير

سمسار

وظيفته

ليس أن تعتاد القبح

لكن أن ترى الحياة جميلة وكل شيء حسن

أن تصمت

أن تعمى عن الخطوط الحمراء

لمصلحة الكاريزما والإيجو

لم يعد في الجبة شيء

لم يكن في الجبة شيء

ولم يعد يكفي أن نقول: ويهوه إله وحشي قديم

يشرب الدماء في جماجم الأطفال

ولكي يرضى

علينا أن نحرق هذه الأرض

وأن نذبح بقرة حمراء

ونبني له هيكلا من الجماجم والعظام

من البرابرة اليوم؟

ما الحق؟

ما الخير؟

وما الجمال؟

هل مازال على هذه الأرض ما يستحق الحياة

أو الموت من أجله؟

ما الحياة؟

ما الخلية الأولى التي انقسمت إلى هذا الصديد

وأي جين ينقل كل هذا الشر من جيل لجيل

على هذه الأرض آلهة تكره الحياة

لا أعرف اسمها

لكنها تبدو على صلة وثيقة بالاقتصاد السياسي للخطايا السبع

وما قبل تاريخ الندم

هل تعرف كيف وضعت الحرب الثانية اوزارها:

أكل “الولد الصغير” مائة ألف إنسان ليصبح بعد ثلاثة أيام “رجلا بدينا”

للأسف أكل الرجل البدين ثمانين ألفا فقط

لأن ناجازاكي كانت قليلة العدد

قبلها بثلاثة أعوام

كان “الغريب” يؤسس للعبث

ويقول: على كل منا أن يحمل صخرته وحيدا إلى أعلى الجبل

عليه أن يعمل دائما

بدون أمل في الوصول

في لحظة الصدام بين العبث الفلسفي والعدم

قال شاعر: رعب أكثر من هذا سوف يجيء

جاء الرعب الأكثر

فقالت الفسيولوجيا: نعم؛ القتل وسيلة من وسائل التطور!

وقال شاعر: نفعل ما يفعل الشعراء في كل العصور

نربي الأمل.

تقوم قصيدة البجلاتي على بنية فكرية وجمالية مركبة تجعلها أقرب إلى ما يمكن تسميته قصيدة المعرفة؛ فهي لا تنطلق من مجرد تجربة شعورية خالصة؛ بقدر ما تنبثق من شبكة كثيفة من الخطابات المتصارعة، والمتصالحة، البيولوجيا والفلسفة والتاريخ السياسي، ثم تعيد صهرها في بوتقة شعرية متوترة.

من السطر الأول يضع د. إبراهيم البجلاتي قراءه في سياق وجودي قاسٍ، فيقول في مطلعها: “في هذه الحرب – وكما في كل حرب – يصبح الناس أغبياء”، ليس هذا المطلع حُكمًا أخلاقيًا بقدر ما هو تشخيص أنثروبولوجي من- طبيب شاعر -لحظة انهيار العقل الجمعي حين تستولي الحرب- أي حرب- على اللغة والمعنى معًا، ومن ثم يبدأ – عبر هذه النقطة الاستهلالية- في إعادة بناء العالم معرفيًا عبر ثلاث طبقات متصاعدة، البيولوجيا، ثم الذات الأخلاقية، ثم الميتافيزيقا.

يفتتح الشاعر بالـ”الدنا”(DNA) بوصفه أصل الحياة: “حمض نووي /منقوص الأكسجين/أصل الأنواع/ سلم حلزوني تصعد عليه الكائنات إلى العلى/ أو تهبط إلى درك التشوه/بإمكانه الغزو/ وتحويل الخلايا إلى مستعمرات/تكتظ بالسكان/فتنفجر/ ليغزو من جديد/ كأنه أصل الشر/ أو كأن كل كائن معطوب وشرير”، كأنه يستدعي الخلفية الفكرية المرتبطة بمقولات دارون في “أصل الأنواع”، بيد أن استدعاء البجلاتي هنا ليس علميًا محضًا بل شعري تأويلي؛ إذ يتحول “السلم الحلزوني” الذي تصعد عليه الكائنات في البيولوجيا إلى استعارة للصعود والانحطاط الأخلاقي معًا، فالجين الذي يضمن استمرار الحياة يمكنه في الوقت نفسه أن يتحول إلى مبدأ للغزو، وأن يحول الخلايا إلى “مستعمرات تكتظ بالسكان”، ومن ثم؛ ينتقل النص – بهذه الحركية البلاغية- من علم الأحياء إلى السياسة، فيصبح الاستعمار البيولوجي صورة انعكاسية للهيمنة الاستعمارية التاريخية، وكأن البجلاتي يلمّح إلى سؤال فلسفي مفاده: “هل العنف حادث تاريخي أم أنه مبدأ متأصل في بنية الحياة نفسها؟”، كذلك؛ تشي هذه النقلة من البيولوجيا إلى السياسة بأن القصيدة تفكر داخل أفق معرفي قريب من تصور السلطة كما بلوره ميشال فوكو، حيث لا تُفهم المعرفة بمعزل عن آليات الهيمنة وإعادة تعريف الواقع، فالحرب- كما يؤرخ النص- لا تغيّر الوقائع فحسب بل تعيد تعريف المفاهيم ذاتها، ولهذا يقول البجلاتي: “يعيد كل شيء تعريف نفسه بنفسه من جديد”، ففي عالم تتفكك فيه المعايير؛ تتحول “الأنا” – نواة جهاز التوازن الأخلاقي- إلى “سمسار” بين الغرائز والضمير: “الأنا: وسيط بين الغرائز والضمير/ سمسار/ وظيفته/ ليس أن تعتاد القبح / لكن أن ترى الحياة جميلة وكل شيء حسن/ أن تصمت/ أن تعمى عن الخطوط الحمراء/ لمصلحة الكاريزما والإيجو”، أي تحولت الأنا إلى وسيط يبرر القبح بدلا من مقاومته، ويحمل هذا التحول اللغوي دلالة فلسفية؛ حيث لم تعد الأنا حارسًا للأخلاق، بل صارت بمثابة جهاز تطبيع يعلّم الإنسان كيف يرى القبح جمالا، هنا تقترب القصيدة – ويقربنا البجلاتي في قصائد أخرى له- من تصور فوكو للسلطة بوصفها شبكة دقيقة تتسلل إلى داخل الذات وتعيد تشكيل وعيها بالعالم، وإذا كانت البيولوجيا قد كشفت عن إمكانية الشر في بنية الحياة، فإن تحليل الأنا يكشف عن قابلية الإنسان لتبرير هذا الشر وتجميله.

ينتقل النص إلى مستوى تفكيك البنية اللاهوتية للعنف، حيث يستحضر صورة الإله “يَهْوَه” الدموي في التقاليد القديمة (أو “يهوفا” كما يقرأه البعض في المرويات العبرانية للمقدس)، مستعيدًا رمزية القرابين والطقوس الدموية: “ويهوه إله وحشي قديم / يشرب الدماء في جماجم الأطفال / ولكي يرضى/ علينا أن نحرق هذه الأرض/ وأن نذبح بقرة حمراء/ ونبني له هيكلا من الجماجم والعظام”، ليطرح أسئلة راديكالية: “ما الحق؟/ ما الخير؟/ وما الجمال؟/ هل مازال على هذه الأرض ما يستحق الحياة/ أو الموت من أجله؟/ ما الحياة؟/ ما الخلية الأولى التي انقسمت إلى هذا الصديد/ وأي جين ينقل كل هذا الشر من جيل لجيل؟”، ولا تأتي هذه الأسئلة بوصفها استفهامات بلاغية بل بوصفها لحظات انهيار معرفي، لحظات تفقد فيها المفاهيم الأخلاقية استقرارها التاريخي، في هذا السياق؛ تبرز إحدى أقوى الصور في قصيدة البجلاتي حين يشير إلى قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، عبر اسميهما العسكريين “الولد الصغير” (LittleBoy الاسم المشفر الذي أطلق على أول قنبلة ذرية ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية في 6 أغسطس 1945 م) و”الرجل البدين”( Fat Manهو الاسم الكودي للقنبلة الذرية الثانية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة ناجازاكي اليابانية)، فيتحول السلاح هنا إلى كائن حي يلتهم البشر: “أكل الولد الصغير مائة ألف إنسان ليصبح بعد ثلاثة أيام رجلا بدينا/ للأسف أكل الرجل البدين ثمانين ألفا فقط/ لأن ناجازاكي كانت قليلة العدد”

مع هذه اللحظة يدخل نص البجلاتي في حوار صريح مع الفلسفة الوجودية، إذ يستدعي من سلسلة “دورة العبث” لكامو(الغريب، أسطورة سيزيف، كاليجولا، وسوء المفاهمة)، غير أن القصيدة لا تكتفي بإعادة إنتاج العبث الكاموي الذي ينشأ من صمت الكون، بل تذهب خطوة أبعد حين تقترح احتمالًا أكثر قتامة: “على هذه الأرض آلهة تكره الحياة”، فيتحول العبث – بهذا المعنى- من مشكلة معرفية إلى شبهة ميتافيزيقية، وفي قلب هذا الظلام المعرفي تبرز خصوصية اللغة الشعرية لدى البجلاتي، فهي لغة لا تبحث عن الموسيقى التقليدية بل عن الدقة المفهومية، هذه القدرة على نقل الكلمات بين الحقول المعرفية المختلفة هي ما يمنح النص توتره الجمالي، ويعزز هذا التوتر أسلوب يعتمد الاقتصاد اللغوي والجمل القصيرة المتتابعة التي تشبه ومضات فلسفية، إذ تتحول اللغة الشعرية إلى ضرب من التفكير المضغوط، وتبلغ القصيدة ذروتها حين تلتقي هذه الرؤية المعرفية القاتمة مع وظيفة الشعر نفسها، فبعد تفكيك البيولوجيا والذات واللاهوت؛ لا يبقى سوى فعل شعري بسيط لكنه ضروري: “نفعل ما يفعل الشعراء في كل العصور/ نربي الأمل”. فهذا إعلان لوظيفة الشعر بوصفه شهادة أخلاقية، لا يهدف إلى إنتاج الجمال بقدر ما يسعى إلى كشف آليات القبح الكامنة في الطبيعة والتاريخ والسلطة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع