سعيد بوخليط
أحمد الغول أو بوخبزة الحمامصي، أشهر طفيليّ عرفته في حياتي وأمضيت معيّة حضور قصصه اليومية ردحا لا بأس به من وقائع طفولتي الأولى، داخل الحيّ المرتبط اسمه بضريح أبي العبّاس السّبتي.
كنت أراقب بدهشة وأنا صغير في حدود سنّ السّابعة، أشكال تناوله الطّعام بنهَمٍ شديد فيقلب اللّقمة تقليبا بيسر آلي مثير للضّحك؛ كيفما جاء جنسها أو صيغة تشكّلها: خبز، حساء، لحم، فاكهة …بوتيرة تُجَاري سرعة غمزات العين قدر تواصلها وفق إيقاع موزون، لايختلّ نظامها الموسيقي دون تلكّؤ أو تباطؤ أو تعثّر ولامجرّد اكتراث يذكر بمستويات الحرارة و البرودة، بل ولايهتم قط بالشّوائب العالقة بها من عظم وشحم.
عاش أحمد الغول تحت أسقف الغرف الصغيرة و مآوي المكفوفين المترادفة عند مدخل الضّريح.تقول الرّواية المتوارثة داخل الحيّ بأنّ زوجته وابنتيه تخلّين عنه منذ زمان، ممّا أفقده جانبا من صوابه، والتجأ إلى فضاء أبي العبّاس السّبتي كي يعيش بوهيميا على التسوّل وعطاءات المحسنين، مقابل بعض خدماته التي يسديها أساسا يوم الأربعاء إذا أسعفتني الذّاكرة،مادام سياق هذا الحكي يعود إلى منتصف السّبعينيات حينما كانت السّلطة العمومية أو تحديدا دار المخزن مثلما تداول أهل الحيّ الوصف،ترسل سيّارة كبيرة من الخبز ثم بقرة سمينة أو عجلا بدينا ثمّ ناقة خلال احتفالات عيد المولد النّبوي التي تستمرّ أجواؤها سبعة أيّام.يلعب الغول دورا محوريا طيلة ساعات كرنفال يوم الأربعاء على مستوى ذبح البهيمة وسلخها وتقطيعها إلى أجزاء كثيرة وتوزيعها على المكفوفين،طبعا يستفيد من حصّة زائدة بحكم خدماته .
كان الغول تقريبا شخصا غير آدمي،لايمرض، لايتعب، لايكلّ،لايغضب، لايهتم بشؤون الغير، لايتوقّف عن الأكل رغم بلوغه سنوات متقدّمة. شخص أكول على امتداد اليوم تقريبا،بشراهة دون تنظيم أو نظام يذكر.أستعيد خاصّة طريقة تناوله الكسكس العجيبة بإسراعه المذهل إلى انتشال قطعة لحم ساخنة،ورميها بين شدقيه وتقليبها سريعا بكيفية كاريكاتورية، تبعث ضحكات الحاضرين قبل الالقاء بها وسط معدته على وقع دويّ صوت عجيب،نفس الأمر يتعلّق بالخبز والمَرَق بحيث يختزل جوفه تماما حجم الخبزة مهما بلغ حجمها إلى مضغتين وربّما مضغة واحدة يحشو بها فمه دفعة واحدة رغم خلوّه من الأسنان والأقرب شكله إلى محفظة نقود،مع ذلك ينتفخ الحنكان ويغدوان أشبه بنفّاختين وبالونين لكن بمجرّد ولوج اللّقمة مسارب بطنه يستعيدان حالتهما الطّبيعية، فقد كان أحمد الغول ماهرا على مستوى تشكيل وهندسة إيماءات تعبيرات وجهه ؛لاسيما فترات الأكل.
طبعا الغول ليس اسمه، بل هو نعت أهل الحيّ نتيجة اشتهاره بعشقه المفرط للطّعام، وحضوره الدّؤوب في جلسات مختلف الولائم أكانت أفراحا أم أتراحا، والاستعانة به على وجه الخصوص كي يأتي على بقايا طعام الصّحون تجنّبا للإلقاء بها في القمامة لأنّ ذلك يعرّض الفاعلين إلى عقاب إلهي والحرمان الأبديّ من فيحاء النّعيم.
بهذا الصّدد، أستعيد سيرة جدّتي وحرصها الشّديد على أن يُمسح إناء المَرَق أو قصعة الكسكس مسحا تامّا قصد تفادي تضييع أقلّ مضغة أو نتفة لقمة في القمامة، وأشدّ مايستفزّ غضبها الاستعلاء بكيفية ما نحو طبق الأكل، وتصرخ في وجه الفاعل حينما كان أفراد الأسرة يلتقون خلال المناسبات والأعياد مثلما فعلت ذات يوم بفظاظة غير متوقّعة مع أحد الضّيوف الغرباء جاء صحبة خالي. شرع أثناء الأكل يزيل لباب الخبز مكتفيا بتناول القشرة الخارجية. سلوك صار عاديا بعد ذلك تحت وقع تطوّر الثّقافة الغذائية وأدبيات الوصفات الطبيّة.
بدت جدّتي منزعجة كليّا من سلوك الرّجل، وبعد استعانتها بقناع الصّبر للحظات احتراما له،لم تتوان مع ذلك في رميه بعتاب جارح:
-”حرام عليك ماتفعله بنعمه الله تعالى، ستفتقدها لامحالة وتشتاقها حرمانا!”
تجلّت بوضوح علامات الاستغراب على ملامح الضّيف ولم ينبس ببنت شفة، لكنّه غادر فور انتهاء الوجبة ولم يرجع ثانية إلى عين المكان منذ الواقعة.
قدّست جدّتي خلال حياتها مايوجد فوق مائدة الأكل مهما صغرت قيمته، قدر عنايتها الفائقة واهتمامها المطلق بتهيئة الطّعام على هدوء شرارة نار المجمر، ورفضها تماما الاعتماد على استعجال نار قارورة الغاز. ربّما، هي ثقافة جيل برمّته.
بخصوص موضوع الخبز، أذكر مدى استغرابي حينما سمعت جوابا من طرف أستاذ مادّتي التّاريخ والجغرافية، حينما سألته عن دلالة عادة التقاط قطعة الخبز من الأرض وتقبيلها ثم وضعها جانبا كي لاتتقاذفها أرجل المارّة والعابرين، ولماذا لانمارس التصرّف نفسه مع باقي الأطعمة؟
-”بكل بساطة، لأنّ الخبز يمثّل مادة غذائنا الأساسية، كما يفعل الألمان مع البطاطس أو الهنود مع الأرز والايطاليين مع البيتزا، إلخ، بمعنى لايحظى الخبز بنفس القدسية والرمزية لدى الأمم الأخرى، بل يبقى حضوره نسبيا”.
لم أكن أعلم هذه الحقيقة الأنثروبولوجية، ونسبية المرجعيات الغذائية حسب الثّقافات والشّعوب، فأدركت منذئذ بأنّ منظومات الأكل نسبية وموصولة بالتّراكمات الحضارية. إذن يوجد أصناف من الأغوال تنتمي إلى مجموعات إنسانية أخرى، تدمن حتما أطعمة ثانية غير الخبز مثلما جرى الحال مع الغول الذي عرفته.
طيلة اليوم، لايتوقّف الغول عن الانقياد خلف صيحات هوايته المفضّلة بسلسلة وصفات حسب سياقاتها ومواعيدها ثم دعوات أصحابها، ابتداء من أوعية حساء الفول صباحا وخبز الشّعير وأكواب القهوة والحليب، ثمّ إناء كبير من الإسفنج أو الفطائر وأحيانا أخرى طبق التّردة (كسكس الخبز)، أثناء فطور العاشرة، بعدها يقصد بائعي السّمك كي يعود غانما بصينية ممتلئة بالسّردين ثمّ يثريها بقطع من الفلفل الأخضر، الطّماطم، البطاطس، ويرشّها بالملح، ويسرع بمشروع الوليمة وجهة نار فرن الحومة.
يخصّص الغول للاعتناء بطبقه الغذائي المفضّل وقتا سخيّا على مستوى التّحضير والالتهام، كي يأتي عليه بكل ما أوتي من قوة وإذا بقي منه شيئا على وجه الاحتمال غالبا، يحتفظ به إلى ما بعد القيلولة وصلاة العصر،أمّا عن برنامج العشاء فلا بدّ من طبخة إيدام متخثّر وثقيل المفعول يهدّئ من روع الجوع عبر بوّابة طاجين أو طنجية غاية صبيحة اليوم التّالي؛لاسيما وأنّ اللّحم متوفّر منذ الأربعاء.
يستعيد تقريبا نفس المتواليات مع تفاصيل صغيرة أخرى، باستثناء يوم الجمعة حيث تعرف وجبة السّمك المعشوقة تواريا عن الأنظار أمام هبّة قصاع الكسكس إلى باحة ضريح أبي العبّاس، حينها تنطلق جولات الغول بين هذه الجلسة وتلك مستعينا بوعاء للاحتفاظ بقطع الشّحم واللّحم التي ينتشلها من الوهلة الأولى وبالكاد تحلّقت الجماعة حول القصعة، محتفظا بها غاية انتهائه من فتوحات سميد أو شعير الكسكس والخضر، كي يعود إليها بتأنٍّ وتؤدة وتركيز نهم آكلي اللحوم.
ترسُّخ هذا السُّلوك الانتهازي وغير النّبيل نحو غنيمة اللّحم أساسا، خلق له جملة عداوات أخذت منحى عنيفا بين الفينة والأخرى مع باقي طفيليّ الحيّ الذين حاولوا منافسته على هذه الموهبة لكنّهم لم يبلغوا مستوى بأسه الفيزيائي.
هكذا مرّ الكثيرون، غير أنّ أحمد الغول ظلّ أبديّ الحضور في تاريخ الحيّ بعد وفاته، وانقضاء كلّ هذا العقود مع تعاقب أجيال أخرى. شخص اختزل دراما الحياة إلى مجرّد حفلة أكل.





