ذاكرة ألم: عندما يُصْبِح الهامشُ متْنًا

doaa ibraheem

كوثر الردادي*

“فوق رأسي سحابة” هو العنوان الذي اختارته الكاتبة المصرية دعاء إبراهيم لروايتها الرابعة عن دار العين للنشر في طبعتها الرابعة 2026، ولابد من الإشارة لأنها وصلت أيضا للطبعة الخامسة في نفس هذه السنة بعد صدورها سنة 2025 . وهي من نوع السرد النفسي الذي يهتم بتتبع حياة الشخصية وعوالمها الداخلية النفسية كالمشاعر والأفكار والهواجس والصراعات، وذلك من خلال تقنية المونولوج الداخلي أو الحوار الباطني الذي يمكّن القاريء من فهم الأحداث الخارجية و ربطها بتدفق الشخصية الداخلي.
تفْتَحُ لنا الكاتبة في منجزها هذا أحد أبواب البيوت المصرية من طبقة يرجّح أنها متوسطة أو دونها، لتكْشِف لنا المسْتُور حرفيّا: ما لا يراه أحدٌ سوى الضحيّة وجلاّدها. ذلك الخيط الرفيع بين الأخلاقي والجمالي، وتَرُ تدفعُه دعاء إبراهيم إلى أقصاه ولا تخاف أن يُقْطع. إذ نجد الرواية تُسْتَهَلُّ بصدمة مباشرة: مقتل الأم على يد ابنتها، فتُعلِنُ الكاتبة منذ بداية نصّها أنّها ستخاطِبُ فينا منطق الصدمة لتُزعْزِع، إن شئنا التعبير، الأساطير الرومانسية والصُوَرَ النمطيّة أو المقدّسة كصورة الأم مثلا وهالتها الأخلاقية الوجدانية والاجتماعية.. تجرؤ الكاتبة على ما قد يبدو محرّما ومقدّسا للمجتمع وأعرافه وما يُسلّط علينا من أعباء نفسيّة بسببه.
للأدب أيضا مهمّة إخبارية كسبْرِ أغوارِ البيوت، ما تعانيه النساء والبنات خلف الأبواب المغلقة في بيئة إجتماعية تنزّه الرجل من الخطأ والفواحش باعتباره حارسٌ للأخلاق داخل كل عائلة “باعتباره رجل البيت عليه أن يربي نساءهُ.. عِلمْتُ يومها أنّ خالي محصّن من الخطأ ولا يمكن التفكير في اتّهامه”. وهذا سبب آخر قد يبدو كافٍ للصمت وكتْمِ صرخة النجاة لطفلة تتعرّض للاعتداء الجنسي في مكانٍ يُفترض أنّه آمن: البيت- الأسرة! ليغدو بدوره مصنعا للخوف والألم و العُقَدِ والموت البطيء.
تحاول الكاتِبة أن تنتصِر سرديّا لهذه الضحيّة وتحوّل ما لا يُلقى له بالٍ و ما قد يبدو هامشيا، من حيث الظهور والمواراة لا من حيث درجة خطورة حدوثه، إلى متنٍ كاملٍ تنفرِدُ الضحيّة بصدارته كبطلة وحيدةٍ تتحكّمُ في إيقاع الأحداث وحياة الشخوص داخل الرواية. عن وعيٍ تقوم بالقتل، وعيٌّ مدفوع ولا تملك القدرة على التوقّف “حاولت أن أنجو حتى آخر رمق دون فائدة.. اكتشفت أن الجميع شياطين” كنت بلا إرادة بلا قدرة حتى على الإذعان”.
القتل والموت في هذه الرواية ليس حركة عادية أو مجرّد فعل شائن، بل تطرحُهُ الكاتبة كسؤال وجودي نشأت عليه البشرية ولازال قائما، لذلك تجد توظيفا/استحضارا للخطيـئة من أكل آدم للتفاحة حتى مقتل أحد أبناءه على يد الآخر وكأنّ منشأ البشرية بُني على القتل ” البشرية التي جاءت من نسل قاتل لا مقتول”. لماذا نَقْتُل؟ أو لأجْلِ ماذا نَقْتُل؟ وقد اختارت اليابان كمَسْرَحا للحديث المتوغّل في ذلك: القتل/ الدّمار/ الاحتراق.. باعتبار ما عرفَهُ هذا البلد من تاريخٍ بشعٍ مع قنبلة هيروشيما وما خلّفتهُ على الجماد “حديد سائح من أثر الحرارة” لتستفهم في سؤال إنكاري عمّ حلّ بالبشر إذا كان ذلك تأثيرها على المعادن !؟ ذلك البلد الذي اقترنت رمزيته بالقوة والقدرة الهائلة في النهوض من دَمَاره ليعود أقوى، قد يدفع البطلة للنهوض من رمادها أيضا. وقد ضربتِ الكاتبة في سردها هذا أمثلة ودوافع عديدة للقتل، إذ يمكن أن يقْترِن فعْل القتلِ بالبطولة فتكون حافزا ودافعا قويا مثل ما يحدث مع الجنود لتحريضهم ودفعهم للقتل “لم يكن الجندي الصغير قاتلا في الأصل.. ترتجف يداه من الذعر وهو يحمل آثار فعلته الدنيئة ، لكنه ما إن يقابله القائد ويدعوه بالبطل حتى ينسى ما شَعُر به ويُشْهِر سلاحه بعدها لآلاف المرات دون أن يفكّر سوى في بطولته”. ولا يعني القتل بالضرورة مسك السلاح أو حمله، صناعته منذ مراحله الأولى من طرف عامل بسيط هي أيضا مشاركة في القتل “هل يشعر هؤلاء أنهم قتلة؟”.
أمّا بطلة الرواية فلها فلسفة أخرى في القتل تُشبه الخلاص، ترى أنّها تُريح الآخرين من عذاباتهم بقتلهم أو دفعهم نحو الموت: كالعجوز اليباني ياسوسان الذي يتألّم بعد أن فقد زوجته في تسونامي 2018 والشاب المريض الذي تمنّت أمّه أن يُتوفى ليرتاح من ألمه فحققت الممرضة، بطلة الرواية، أمنية الأم بمساعدة الغراب؛ ذلك الصوت الذي يلازمها ويملي عليها ماذا تفعل “سيموت اليوم” ليُصبِح الموت قرار/ إرادة وليس صدفة.
الغراب بمثابة صوت داخلي يمثّل الضمير القاسي للبطلة كظلّ للمشاعر المكبوتة (غضب، خوف، ذنب..) اختارته الكاتبة لتُترْجِم ما يعْتمِلُ بداخل بطلتها من عوالم وأفكار ورؤى غالبها سوداويّ. “لخّصت حياتها في جملة: “تبرُد فتغطي نفسك، تغضب فتهدهِدُ نفسك، تجوع فتأكل نفسك”. دفعتها تلك الوحدة والخوف وهي طفلة إلى خلق بديل رمزي للتواصل كواقٍ نفسيّ يحميها من الانهيار الكلي، وشيئا فشيئا تحوّل ذلك الظلّ إلى طاقة تدميريّة كلّما كَبُرت وزاد شُعورها بالألم والغضب والذنب. أوْصَلها كلّ ذلك إلى حالة تفكّك داخلي ولّدت انفجار لصوت الإيذاء الذي يُكسِبها شعور مؤقت بالسيطرة والانتصار والتحكّم ” الجسد الساخن المتعرّق قادر على إيذائي..لكن الجسد البارد أضعف من أن َيصْرُخ طلبا للنجدة” والشعور بالحسم أيضا: عندما لم تتمكّن من الحسم في ردّ الإيذاء عن نفسها تحْسُم في موت من يختارهم الغراب إما لسبب واضح كالأب، الذي أرادت أن تنتقم منه لأنّه تركها وحيدة لعذاباتها وهي طفلة ولم يسأل فيها، أو لسبب آخر رمزي كاعتبار الموت راحة من العذاب كالشاب المريض المتألّم.
لا تسْقُط الكاتبة في جعل القتل يبدو كأنّه رغبة سهلة أو مبرّرة بقدْرِ ما هو ثقل نفسي كالعواقب النفسية الداخلية التي وصلت لها البطلة، إذ تعمّقت هلاوِسُها أكثر ويظهر ذلك في حُبّها المتخيّل لقابيل بأنّه الوحيد القادر على حبّها بأخطائها والدّفاع عنها لكونه يُشبِهها ويشْترك معها في القتل باعتباره أوّل من شرّع له.
في مشهد يُصبِح فيه الموت بلْ القتل شيئا عاديا مكرّرا، يوميا على مدار الساعة كأخبار انهيار أسهم البورصات أو أيّ خبر روتينيّ آخر. ثمّة بثّ حيّ لمشاهد القتل يشاهده الملايين عبر العالم بشكل يومي..فلِمَ قد يقْلَقُ أحَدُهُم من سلسلةِ قتل سرديّة؟ تقول الراوية بدورها: ” ثمّة قتل يومي وعادي يتكرّر بتلقائية، ثمة قتل كالحياة لا يحتاج لأسئلة”.
لم يُسعفها السفر ومغادرة المكان في التخلّص من عذابات الماضي والهلاوس، فاليبان بلد منظّم وآمن للنساء “..كل الضجيج الذي أتيت به في صدري اختفى، معاكسات الطريق، الخوف من السير ليلا، مضايقات حارس البوابة” لكن نِسَب الانتحار فيه عالية ويبعث بدوره على الكآبة. إذ تصِفُ لنا المجتمع الياباني المسحوق تحت ضغط العمل والوفاء للمشغل (المنطق الأبوي ) “يبدو الأمر كالعادة أو العرف الجميع يقبلُ ويعمل من أجل الشركة وعائلة الشركة، متناسين عائلاتهم..ومن يرفض سيُنظر إليه على أنه المتقاعس الوحيد بين أبناء الشركة الأوفياء” . تقاطعت مأساتها بمأساة إمرأة من مجتمع مختلف تماما حيث الترتيب والنظام والنظافة سيد دائم..فلا ينجو الإنسان في فوضى دائمة ولا نظام وترتيب دائم..
فضلّت تحمل فوق رأسها سحابة، يلازمها شعور دائم بالذنب واللاّ قيمة وأنّها لا تستحقّ، يظهر ذلك في تكرار عبارات من نوع: تمنيت أن أموت/ لم يُحبّني أحد..” وتقول أيضا “لا أريد لأحد أن يسامحني” ” أجرح نفسي في أماكن متفرّقة كادت أن تشفى” تعيش بجلد مستمرّ للذات “لسْت نظيفة” مع صعوبة في الفرح والاستحقاق قادها للدخول في علاقات مؤذية مكرّرة، يأتي ذلك في شكل تماهي مع المعتدي. وهي حالة وصلت لها الطفلة، وكبُرتْ معها الفكرة، من خلال تبنيها لرواية خالها المعتدي ( طالما لِيْكِ في الوساخة مستَخْسراها فيّ ليه) بأنها هي السبب في إغراءه وسكوتها رضاء. تقول: “بالرغم من أنني كبرت لم أستطع أن أـراني بغير ما وصفني”.
الختان/ التحرش/الاغتصاب أساليب اعتداء جسدي وجروح متعدّدة أصبحت تعدّها وتصنّفها وتحفر فيها بنفسها كي لا تُشفى وتذكّرها بأنّها حيّة، كأنّها تتغذى على الألم(معاناة المرأة/ الجسد الأنثوي) ” أستحقّ و أستحقّ ألم أعظم من ذلك بكثير” ألم يخلّصها من ألم آخر..خدرٌ. ذلك الشعور بالذنب المستمر جعل الضحيّة دوما ترى أنها تستحقّ كل ما يحدث لها كنوع من العقاب والتكفير ما يعبّر عنه في علم النفس بـ” الذنب الصَدْمِي” أو اللوم الذاتي بعد الصدمة. تخطر لها أسئلة من نوع: لماذا سكتّ؟ لماذا لم أهرب؟ لماذا لم أقاوم؟ لم أصرُخ؟ كلّ هذه الأسئلة طرحتها بطلة الرواية التي لم تُطْلِق عليها الكاتبة اسما محدّدا بل جعلتها رمزا لعدّة ضحايا لا نعرف مدى صحّة أن نُطلق عليهن لفظ “ناجيات” باعتبار أنهن واصلن حياتهن ظاهريا ولم يمتْنَ ! ؟
سؤال تقودنا إليه النهاية التي اختارتها الكاتبة لروايتها والمصير الذي آلت إليه بطلتها التي كنا نتمنّى على امتداد مئتي صفحة نجاتها وانتصارها على ذاكرة الألم التي تحملها. ولكنها قطعت بنا حبل الأمنيات ذاك لتُرينا أن ما عاشته الضحية هنا من تلذّذ بالألم وشبه إدمان عليه كحالة نفسية تتماهى فيها الضحيّة مع جلاّدها ومع الألم كعقاب وتشاف في الآن ذاته، هي مفارقة غريبة ولكنها عميقة في وقعِها طاعنة في استفزاز تجارب مشابهة قد لا يتمكّن أصحابها من النجاة حتما رغم تظاهرهم ومواصلة حياتهم بشكل عادي.. فهم ميّتون والميتات متكرّرة ولا تعني بالضرورة أن يفارق الإنسان الحياة بل أن يفارق أمانه وسلامه النفسي..

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع