سيد ضيف الله يرصد مفارقات “صورة الشعب بين الشاعر والرئيس”

ممدوح فرّاج النابي

  في واحدة من الدراسات القليلة التي تشتغل على النقد الثقافي تنظيرًا وتطبيقًا يأتي كتاب الدكتور سيد ضيف الله: «صورة الشّعب بين الشّاعر والرّئيس»، الصادر عن دار كتب خانه 2015، مُتّخِذًا من شاعر العاميّة فؤاد حدّاد نموذجًا لدراسته لإظهار تمثيلات الشعب التي ارتأها في دواوينه كمقابل لهذه التمثيلات كما جاءت في الخطاب الاستعاري الرئاسي لِحُكَّام مصر بدءًا من عبد الناصر وصولًا إلى مبارك. والكتاب في أصله أطروحة دكتوراه بعنوان: «أشعار فؤاد حدّاد من منظور النقد الثقافي» أجيزت في كلية الآداب جامعة القاهرة.

             جاء الكتاب في خمسة فصول ومقدمتين: الأولى كتبتها الدكتورة فريال جبوري غزول الأستاذة بالجامعة الأمريكية، وكانت بمثابة الخطبة التي ألقتها أثناء مناقشة الرسالة العلمية، وقد أشادت فيها بدقة البحث، لسعي الباحث الحثيث لاستبطان هواجس الشَّاعر في كافة مراحله، وبجرأة الباحث لتناوله لشاعرٍ فذّ مُتعدِّد الروافد لا يمكن أنْ تتناوله كلمات مُختزلة، وبريادته حيث وظّف الباحث لمنهج نقدي يُعرف بالنقد الثقافي، وأشارتِ الدكتورة إلى أنّ الباحث لا يُقدِّم التاريخ كمعطى ثقافي نتعرَّف منه على السِّياق الذي انبثقَ منه شعر فؤاد حدّاد، وإنما يتعامل مع التاريخ باعتباره نَصًّا، وهو المفهوم المـُسْتَقَى من أطروحات جاك دريدا، فالماضي بمثابة خطاب يتشكّل من نصوص ووثائق.

          الخارج عن السُّنَّن

                 أما المقدمة الثانية التي جاءت بتوقيع المؤلف فقد ركّزت على المفاهيم الأساسيّة التي يرتكز عليها الباحث في تحليلاته وقراءاته لسياق الخُطب والأشعار، وأوجزها في أربعة: التمثيل والموقع الثقافي كما هو عند “هومي بابا” والخطاب الاستعاري لدى “ليونيل وي” والسنّة الأدبية وهو المصطلح الذي استعاض به الباحث عن الأعراف الأدبيّة؛ لما تنطوي عليه السنّة من إحالة للخلفية التاريخيّة للمصطلح على حدّ تعبير الدكتورة فريال التي صكَّتُه، ثُم يعرض لإشكالية دراسة شعر العامية باعتباره شعرًا خارجًا عن السنّن الأدبيّة، ويفسِّرُ فيها ـ أيضًا ـ أسباب اتخاذّه فؤاد حدّاد نموذجًا ليس باعتباره مُمثِّلاً لشعرٍ يُعاني الإهمال النقديّ، وإنما بوصفه شاعرًا استطاعَ أنْ يعيدَ تشكيل هويته بإرادته الفردية في مخالفة صريحة للتقاليد المجتمعيّة المتوارثة، باعتباره المسيحي الذي يختارُ الدين الإسلامي من أجل الإنسان، وهو خريج المدارس الفرنسية الذي يختار أن ينطقَ ويكتب بالعربية بل وبالعامية، وهو الماركسي الذي يَهيم في حضرة النبي محمد. وبناء على هذه التعددية كان التساؤل الذي انطلقتْ منه هذه الدراسة: إلى أي مدى استطاع أن يُخرج الشَّاعرُ الشعبَ مِن أَسر الوجود أثناء تمثيله له في خطابه الاستعاري؟ وقبله كيف استطاع فؤاد حدّاد أن يخرجَ مِن أسر التمييز المقنّن الذي تُشرِّع له السّنّن الأدبيّة؟

                 كما يشدّد المؤلف على أهمية البلاغة لمعرفة الهُويّة، مع تأكّيده على أنّ ثمّة اختلافات بين البلاغة والنظرية الأدبيّة، إلا أنَّ المشتركَ بينهما مُتحقِّق، فكلاهما غايته تحديد الجمالي وتمييزه عن غير الجمالي، وبكشف الغطاء المعرفي لهما يتبيّن أنهما ممارستان سياسيتان بامتياز، ومع هذا فيتنصلان مِن اقترافهما الفعل السّياسيّ، وهذا التبرؤ يُفسِّره المُؤلف بأنّه ليس مجرد خرافة أكاديمية كما صَرّح تيري إيجلتون وإنما تجسيد لسمة السلطوية في المجال النقدي. ويشيرُ المؤلفُ إلى أنّ موقف التراث النقدي مِن شعر العامية في مجمله يَكشف عن انحياز النقاد بوعي أو من دونه إلى الذّات العربيّة المـُتخيّلة باعتبارها كينونة ثابتة فوق تاريخيّة على حساب الذّات الجماعيّة المتغيّرة هويتها الثقافيّة زمنيًّا وجغرافيًّا، وهذا ما كشفَ عن تجاهل آداب اللهجات المختلفة في البقاع والأمصار المفتوحة على مستوى النقد تنظيريًا وتطبيقيًا.

               ويرى الكاتب أن عملية تمثيل الشعب هي مسألةُ أنساق ثقافية تتجاوزُ الأيديولوجيات السياسيّة، حيث ثمّة رابطٌ قويٌّ يجمع بين أفراد الشّعب، ونظرًا لأنّ طبيعة هذا الرّابط تختلف جغرافيًّا وتاريخيًّا، فقد تبلوّرت أشكال مُتعدِّدة مِن القوميّة، قد يتخيّلها الناس أو يتوهمونها تحت تأثير اللُّغة، وما تنتجه من معاجم وتراث ثقافيّ في شتى مجالات المعرفة؛ وفي ضوء هذا يمكن الزعم بأن ثمّة تمثيلات حقيقية للشّعب وأخرى غير حقيقية سواء في خطاب فؤاد حدّاد أو في الخطابات الرئاسية الموازية، وفقًا لمفهوم “الصدق الثقافي” الذي اقترحه الناقد البحريني نادر كاظم.

            يتدرّج الكاتب في تَبيين سُلطة الجماهير حتى ولو لم تكن فاعلة في مواقف سياسية يعدُّدها منذ موقف سعد زغلول من قضية طه حسين، وهو الدّرْسُ الذي استوعبه الأخير جيّدًا عندما أخبرَ محمد حسين هيكل برفضه إعلان تأييد إلغاء الخلافة الإسلامية لأنّ حسب قوله “هذا موضوع حسّاس عند العامة”، فسلطة المثقف واقعة بين سندان السلطان الاجتماعي (الجماهير) والسلطان السياسي (الحاكم) وعلى خلاف الكُتَّاب في الغرب الذين أعلنوا التبُّرم من الجمهور مع بواكير القرن 19، فإنه في العالم العربي يصعب تحديد اللحظة التاريخية وإن كان ثمّة نُقَّادٌ أشاروا إلى إمكانية الخروج من أزمة صراعية الكاتب / السلطان بما أسموه «صناعة التماثل عبر التعقُّل المُصْطَنَع» كما أعلن جابر عصفور.

             الشّعب في الخطاب الاستعاري

                  تشتغل الفصول الثلاثة الأولى مِن الكِتَاب على تحديد المفاهيم وهي بمثابة إطار نظري؛ حيث ناقش فيها الكاتب موضوعات تمثيل الشعب باعتباره الآخر، وبناء الهُوية في النظام الأدبي، والنقد الثقافي وإعادة بناء الهويات، أما الفصول الثلاثة الأخيرة، فهي تشتغل على كيفية تمثيل الشعب في الخطاب الاستعاري عند الشّاعر في مقابل ذات الصّورة في الخطاب الاستعاري الرِّئَاسيّ، على اختلاف أيديولوجيات الرّؤساء وسياقات الخطابات الرّئاسية والأهمّ تَبَايُّن صُورة الشّعب في خطاباهم الاستعاريّ، ومِن ثَمّ تتفاوت درجة التمثيل ما بين خطابٍ يُظهره في صورة (الضعيف الغلبان العريان)، في مرحلة لإظهار قدرة الرَّئيس على انتشاله مِمّا كان فيه مِن بؤسٍ واستعبادٍ أيام الاستعمار الداخلي والخارجي، إلى خطابٍ يتماهى معه وتنداح الحدود بين الأنا والنحن، كما ظَهَرَ في خطاب النكسة على نحو ما أظهرت خطابات الرئيس ناصر، وأخر يعتبر نفسه وَصيًّا عليه باعتباره الرَّئيس المؤتمَن وأنه حَريٌّ بتأهيله إلى الديمقراطية؛ بناءً على الأمانة التي مِن موقعه مسؤول عنها، كما جاء في خطاب السّادات، وصولًا إلى خطاب احتقاري، يصف فيه الشعب بأن “بطنه واسعة وانفعالي وعاطفي” كما جاء في التصوُّر الاستعاريّ للشّعب في خطابات مبارك.

              في مقابل هذه الصّورة للشعب في الخطاب الاستعاريّ للرؤساء الثلاث كانت هناك صورة أخرى لدى الشّاعر فؤاد حدّاد في دواوينه المُختلِفة، قد تبدو متماثلة لدرجة ما مع خطابات عبد الناصر، والثورة وصلت إلى حدّ التماهي معه، رغم الفجوة الشكلية التي كانت بينهما، والتي لم تُردم إلا بانتسابه الفكري لهم بعد تجربة الاعتقال الثانية، فظهرت صور الشعب: الغلابة والعرايا والجوعان والمظلوم حسب التشكيل الاستعاري له، الذي رَاحَ يطرّد في قصائده، وما إنْ حدثتِ النكسة، حتى انحاز لطرف الشعب المهزوم والمنكَسِر، رغم أنّه كان لديه الفرصة لأن ينتقد هذه النماذج المتأرجزه، والتي حذَّر منها من قبل، بل تقمّص دورَ المُعالج النّفسي للنفوس المُنْكَسِرة، تارةً بالأمل فظهرت الاستعارة «الشعب هو المنجد»، أو إعلانه أن «الشعب وحده هو الذي دق الطبول».       وتارة ثانية بتقديم صياغة جديدة لهويته، تَسْمَحُ بمسحة دينية تعضُّد من الحُلم القومي المُسْتَعْصِي، ثمّ بفتح دائرة الذّات القوميّة على دائرة الذّات الإنسانيّة، قرينة العدل والحق الرحمة، ولكن وفاة ناصر أعادت حدّاد إلى حضن التصوّر الاستعاري لناصر عن الشعب «شعب الغلابة والجياع واليتامى»، وهو تصوّر حدّاد ذاته في ديوانه الأول (أحرار وراء القضبان).

             وفي خطاب السّادات تختفي حالة التماهي، التي كانت سائدة بين خطابي حداد / عبد الناصر في استعارتهما للشعب، فيأتي التمثيل الاستعاري للشّعب في خطاب حدّاد على ثلاث فترات: قبل الحرب، وإبان النصر، وبعد الحرب؛ في الفترة الأولي يكون مناقضًا للتمثيل الاستعاري في خطاب السادات، فالشعب في خطاب حدّاد يُبصِّر الحاكم بمصير ما كان قبله، أما في فترة الحرب، فيسعى حدّاد إلى محو المسافة الأيديولوجية بينه وبين السَّادات، فكتبَ له ديوانًا مستقلاً للنصر، الذي ضمّد جِراح النكسة، واعترف له فيه بالفضل في الإهداء، فقدّم تمثيلات للشعب، من خلال استعارة «الشعب عائلة»، التي تتوازى مع ذات التصوُّر في الخطاب السّاداتي، وإن كانت عند حدّاد تعني أن العرب عائلة وما دون ذلك فهو تحصيل حاصل، ثم استعارة «الرئيس أب».

            يشيرُ المؤلف إلى أنّه في فترة مبارك، أصدر حدّاد أكثر من ثلثي دواوينه الشعرية، على المقابل هذا التدفق كان هناك ما يشبه الفَقر في الاستعارة في الخطاب الرّئاسي، فمع أن الرّئيس كان يمثِّل الظل للرئيس السادات، إلا أنه لم يستطع أن يقدّم استعارة محورية وكبرى على نحو ما فعل السَّادات في «مصر عائلة كبيرة وأنا كبيرها»، وقد جاء التصوُّر الاستعاري للشعب مُناقِضًا تمامًا لتلك الصُّورة، التي اعتمدها الخطاب الرئاسي الذي يُلْصِقُ كلّ نقيصةٍ بالشعب، فعَمَدَ إلى مقاومة هذا بتقديم استعارات عن الشعب، تُناقض الخطاب الاستعاري الرِّئاسي، من خلال مراجعة نقدية لتصوراته الاستعارية في السّياق الناصري، من خلال استدعاء مواقف تعذيبه أو تعذيب رفقائه في السجن، مصحوبة برؤية رافضة لنموذج الحاكم المـُستبِدّ، في صورة الحجّاج بن يوسف الثقفي، وبين استعارات وصفيّة ونقديّة لمجتمع «العجب والموت» الذي يصبح فيها «حاميها حراميها» و«الشعب ناموس» في مقابل تمثيل استعاري، يجعل «الحياة تشبه الموت دا»، وهي الاستعارة التي تجمع في بنيتها استعارات متولِدة عنها، تكشفُ عن كنهة الحياة / الموت، واستعارات أخرى تؤسِّسُ لتصوّر استعاري لحياة أخرى، ليست كهذه الحياة / هذا الموت.!!

 

عودة إلى الملف

كاتب وناقد مصري صدر له: ـ نجيب محفوظ: الذاكرة والنسيان ـ جماليات النص، دراسات في الرواية ـ القارئ العادي والتيه…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع