عايدة محجوب
تجمّد الطبيب عند عتبة الغرفة، لا يمكن تجاهل الفزع الذي أصابه، يد صفعته بحدّة. الصفعة لم تترك مجالًا لتشخيص خاطئ.
رضيع يتلوّى على سرير الكشف، في غرفة تكاد لا تسع أحدًا. أول ما استرعى انتباه الطبيب دائرتان حمراوان قاتِمتان تحيطان بمعصمَي الرضيع، منتظمتان وواضحتان، كأنّ أحدًا قاسَهما بعناية.
اقترب خطوة ثمّ توقّف. كتب التقرير الطبّيّ في رأسه بشكلٍ آليّ:
(آثار ضغط، شدّ متكرّر، احتمال إيذاء، حمّى تشتعل في الجسد)
في مساء أحد الأيام، كانت وحدها في المنزل، تصوّب نظرها نحو المصباح المعلّق فوق الباب. كلّ دقيقتين تجفل؛ يرتعش جسدها، ترفع عينيها إلى الأعلى، ثمّ تعود إلى مكانها تبحث عن شيء تَشغل به الدقائق الثقيلة. ومَض المصباح مرّتين، فتركت ما في يدها وهرولت نحو الباب. أوقفتها المرآة المثبّتة على الحائط، كادت تتعثّر بالسجادة الراقدة أمام العتبة. عدّلت هندامها، رتّبت خصلات شعرها النافرة، ورسمت ابتسامة قسريّة. ظهرت حبّات نمش متفرّقة على خدّيها جعلتها مكتملة البهاء.
أمسكت قبضة الباب بقوّة وفتحته، التصقت به بقوّةٍ أربكته، ثم قادها أمامه برفق وأغلق الباب. تركها تستمدّ الأمان من حضنه حتى هدأت دقّات قلبها، ثم أمسك بيدها وقادها إلى الأريكة. أجلسها بهدوء، وعيناه تسألان: ماذا هناك؟
لم تقل شيئًا. أمسكت يديه، وضعتهما على بطنها، ثم قبضت أصابع يدها وأبقت على السبّابة والوسطى، وحركّتهما باتّجاه أذنها، ثمّ فمها، وانهمرت دموع الخوف.
***
أشار الطبيب إلى المعصمَين، رفع حاجبه، وقال بحدّة:
“أمامكما خياران: الاعتراف بالتعذيب، أو الاستعانة بالشرطة لمعرفة الحقيقة.” ضاقت حدقتا الأب، وتركّزت عيناه على شفاه الطبيب. لم يتحرّك أحد. صرخ الطبيب هذه المرّة. تبرّمت الممرّضة وتمتمت: “آباء آخر زمن، إن لم تستطع تحمّل مسؤوليّة تربية الأبناء فلا تنجبهم من الأساس”.
اضطربت المرأة، نظرت إلى زوجها تستنجد به. شرعت في النهوض ثمّ تردّدت. مدّت يدها بسرعة وفكّت الخيط. سقط على الأرض خيط قطنيّ أبيض، رفيع، عاديّ، فيه عقدة صغيرة في النهاية، لا يشبه القيود التي تخيّلها الطبيب.
انتبه وقتها إلى أنّ العلامتين نفسهما تحيطان معصمَي الأمّ. هزّت رأسها نفيًا، وأشارت بالسبّابة والوسطى إلى أذنها وفمها، ثمّ إلى أذن زوجها وفمه.
صَمْت.
شعر الطبيب بالدوار، وغزت قدميه رعشة. أعاد النظر، وأشار بيده ببطء متسائلًا.
مدّت المرأة يدها ولفّت الخيط حول إصبعها هذه المرة، ثم شدّته بخفّة. ارتجف الإصبع. وضعت يد الطبيب على الخيط، شدّته مرّة أخرى … اهتزاز خفيف، لكنّه واضح. في تلك اللحظة، انهار الحكم الذي كتبه سابقًا في رأسه.
فقرة من تقرير طبّيّ غير مكتمل:
(لا توجد كدمات.
الجلد سليم.
الاحمرار ناتج عن ضغط خفيف متكرّر.
السبب: ————)
***
تتذّكر أول ليلة بعد الولادة؛ الغرفة نصف مظلمة، الأجهزة تومض بلا صوت، والطفل يتحرّك في السرير الصغير. لم تسمع بكاءه، تغفو قليلاً، تستيقظ فلا تجده؛ مدّت يدها تتحسّس الفراغ، صرخت، لكنّ الصرخة بقيت حبيسة في جسدها. منذ تلك الليلة صار الخيط حبل سرّة جديدًا بينها وبينه. كان عليها أن تبحث عن أذن بديلة “تسمع”، أذن وظيفتها أن تشعر فقط.
الضوء أصفر، رائحة الينسون تعبق في المكان، وشبح ابتسامة على شفتيه. نظر إلى بطنها، ثمّ سألها بعينيه: “هل أنتِ خائفة؟” أومأت برأسها إيجابًا. أشارت إلى بطنها، وعقدت ذراعيها كأنّها تحمل طفلًا وهزّتهما يمينًا ويسارًا. بعد ذلك، أشارت بسبّابتها في حركة دائريّة عالية إلى الخارج، ثم فتحت كفّيها كأنّها تقول: “العالم كبير، وهو صغير”. احتضنها زوجها ليتغلّب على خوفهما، لكنّ الخوف لم يختفِ، فقط غيّر موضعه.
“هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى عناية خاصّة”. جملة التقطتها الأمّ من شفاه ممرّضة في غرفة التطعيمات.
خرج الطبيب من الغرفة، أسند ظهره على حائط بارد، أمسك هاتفه بيد مرتعشة، وبحث عن كلمات أساسيّة بلغة الإشارة:
طفل/ حمّى/ دواء/ كم يوم/ السنّ (لغة إشارة)
انهالت مقاطع فيديو متنوّعة. التبس عليه الأمر في البداية ولم يفهم ماذا تعني. ثمّ أمسك ملفّ الطفل ليعرف جنسيّة والديه، واختار فيديو لغة الإشارة المناسب وشاهده. تعلّم حركات الكلمات بسهولة. أشار ببطء ويداه تتلعثمان:
ـ هل يستيقظ كثيرًا؟
هزّت رأسها: أجل.
ـ هل تنامين؟
ـ أشارت إلى عينيها، ثمّ إلى الخيط، ثم أغلقت قبضتها.
(أنام، لكنّني أبقى متّصلة).
فهِمَ. خافت الأمّ، هل فهمها حقًّا؟ سؤال ألّح عليها.
ملاحظة كتبها الطبيب في هامش الملفّ ثمّ شطبها:
الأمّ تبالغ في الحماية، يُنصح بمرافِقة تجيد لغة الإشارة، يفضَّل انتقالها لمركز رعاية.
تزاحمت الأدوار في رأسه:
جلّادٌ يرى تعذيبًا محتملًا.
قاضٍ يريد العقاب.
وطبيبٌ يصف الدواء ويعتذر بابتسامةٍ لا تكتمل.
عادت الغرفة هادئة. الرضيع نائم. الأمّ تمسح رأسه بحركاتٍ دائريّة.
الخيط يلتفّ حول معصمه مرّةً أخرى برفق.
والطبيب يقف. لم يعد فزعًا… صار شاهدًا.
…………………………
*من كتاب “فلنذهب معاً إلى النهر” الصادر عن دار “هن للنشر” بالقاهرة









