دانتيل أحمر

حنان العطار

حنان العطار

​ترتب دولاب ملابسها، هاربة من فوضى روحها. لمست أصابعها “القميص الدانتيل الأحمر”؛ كأنه قطعة من نار هادئة خبأتها من رماد ليلة قديمة.

أنعش لديها كل ملامح الذكرى، ارتدته، فتسلل ملمسه الناعم إلى جلدها .

 وقفت أمام المرآة، رسمت شفتيها ببريق “الأورجانزا” الأحمر، تركت شعرها الطويل ينساب، وأطلقت بضغطة زر صوت أم كلثوم يملأ الفراغ: (يا حبيبي.. الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره.. وإنت وأنا).

​أطفأت الأنوار إلا من ضوء مصباح وردي خافت، وراحت تستحضر ملامحه من طيات العطر.

بدأت تتمايل، تضع يداً على خصرها والأخرى معلقة في الهواء، تقبض على “سراب” يده.

 أغمضت عينيها، وبدأت تتمايل بخفة، تستحضر تلك الليالي التي كان يطوق فيها خصرها، هامساً بأنها “ملاكه الوحيد”. كانت الموسيقى تذوب في أذنيها، وهي ترفع رأسها لتتخيل قُبلة منه تقطع فارق الطول بينهما، كأن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة من الوجد.

​لكن، فجأة.. انكسر اللحن في قلبها قبل الأغنية.

تعثرت قدماها بعلبة “مسبحته” التي انفرطت يوم اكتشفت أنه أهداها خرزات الخداع، بينما كان هو يوزع شغفه على أخريات.

 صرخت أم كلثوم: (أوصفلك يا حبيبي إزاي.. قبل ما أحبك كنت إزاي)؛ فارتجفت يدها على خصرها؛ تذكرت كيف تحولت نظرات الغزل إلى سخرية لاذعة ، وكيف أصبح يُهدم فيها كل مئذنة ثقة بناها هو يوماً.

​استعادت ليلة الفراق، حين غادر ببرودٍ ، تاركاً خلفه “فقداً” ينهش قلبها، وخيانةً جعلت من كل كلمة “حب” قالها زيفاً يقتل الصدق.

 مالت بجسدها إلى الوراء، لكنها هذه المرة لم تستند على طيفه، بل استندت على حافة سريرها البارد.. ذلك السرير الذي شهد كيف بدّل دفء الوصل ببرودة الفراق الجائر، وسلمها لوحشة أسئلة بلا إجابات.

​مع وصول الأغنية لمقطع: (تايهين ما إحناش حاسين.. العمر ثواني ولا سنين)، فتحت عينيها بقوة. نظرت للمرآة، لم ترَ امرأة مكسورة تنتظر عودة، بل رأت “جمالاً” لم يستحق يوماً أن يُهان.

أدركت أن القميص الأحمر يليق بزهو أنوثتها هي، لا برغبة رجلٍ لم يعرف قيمتها، وأن العطر الذي يملأ الغرفة هو رائحة عنفوانها لا أثره الباقي.

 ومع ذروة الموسيقى، لم تعد تراقصه هو.. بل كانت تراقص “ندوبها”.

​احتضنت نفسها بذراعيها، وراحت تدور في رقصة دائرية سريعة، ليست كعاشقة تنتظر وصلاً، بل كـ “درويشة” في حلقة ذكرٍ صوفية تتطهر من ذنبها، وكأنها تنفض غباره عن مسامها.

مع كلمات: (وفرح أول ميعاد.. نلقى الشموع حوالينا)، قامت بحركة خاطفة؛ نثرت ما تبقى من خرز مسبحته على الأرض، وداست عليه بقدميها الحافيتين وهي تكمل رقصتها، تاركة الماضي يغرق في ضجيج الموسيقى، بينما ولدت هي من جديد تحت أضواء غرفتها الخافتة

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع