ميمون حرش
صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
” أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه “أعنان”، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء، بعد أوبته من عمله في “كتامة”، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:” تكلم” تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن “أبجديات التصرف”، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً “مُلوناً” من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد “باسيل” بطل رواية “زوربا” اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له ” تكلم”، ويبدأ الضيف في” الحكي”، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض…
ضحك صديقي، حين أضفت:
” أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها”.. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل:
“في بيتٍ من الطين، يستطرد صديقي، نعدم فيه لا التلفزة بل حتى “الفانوس”، كان عمي هو عالمي المفضل، كان تلفزتي، وفانوسي، ومذياعي .. ومع ذلك لم أكن أصدق كل ما يقوله ؛ لأن العائلة كافة كانت تُجمع على أنه مجرد “طبّال كلامٍ “..ما يذهلني فيه هو قدرته الخارقة على “الكذب”، يعقده مرة، ويسحله أخرى، فلا ينتهي منه إلا وهو مفتول مثل الكسكس الذي تصنعه أمي بيديها الكريمتين، قطعة متراصة يخرج الكذب من فيه المليء بالأسنان بشكل فوضوي مقزز [مرات عديدة تساءلت لِـمَ لمِْ تكن هذه الأسنان تحُد من جموح كلامه المسترسل]،وما على المستمع سوى أن يفغر فاه على نحو يجعل منْ ينصتُ له يطلب المزيد من كذب “أعنان” وبإلحاح الظمآن.
وفي أكثرَ من مقطع من حكايات عمي كان يعرف كيف يجعلني أتمنى أذناً ثالثة في رأسي، مُصغية بشكل جيد، ومُلتقطة لتفاصيلَ تغيب عن النظيرتيْن.. لم يدخل عمي مدرسة ألبتة، لكنه كممثل يؤدي- كلما تكلم- دوره بنجاح، ويتفنن كيف يمطط في حكاياته، وكيف يجعلك تتبرم من تفاصيله حين يوقف ” الحدث” راغباً في ذهولك، وتاركاً التصعيد الدرامي أن يقول عنه.
“حكّاء”، هكذا عرفت عمي، وفي العائلة يعزون كلامه الغزير لنبتة ” الكيف” المخدرة، والتي كان يجلبها من ” كتامة”، و لم يكن يحلو له تدخينها إلا إذا براها بنفسه، وقطعها بيديه.
إنها نبتة الكيف إذاً! هكذا فكرتُ آنئذٍ.
جربتُ الكيف تأسياً بعمي، دخنتُ منه الكثير، وعوض أن يحملني على الكلام، كنت أغرق في نومات لا أستفيق منها أبداً، ومرات عديدة كنت أخترق عالمي، أطير كما لو كان في سمائي ممرات هوائية دون أن أبرح مكاني، ولأحلق أكثر، وأغوص في عوالم جديدة، أضفتُ لنبتة الكيف شربَ الخمر، وكان لا بد، في فترات صحوي، أن أسال نفسي لماذا أخدر نفسي؟
لم أمنع نفسي، كان لابد من تسجيل ملاحظة، قاطعتُ صديقي قائلا:
” لا تلُمْ نفسك. بعض الشرور لا بد منها في الصغر.”
قال بحدة:” كبرنا اليوم، ومخدرات اليوم، غير الكيف حبيبي، إنها، فضلا، عن الكوكايين والهيروين، وأقراص هي الحرب العوان ضد النفس، وضد الآخر، ولتقهر عدوك(هذه، أو تلك) تكلم دائماً، تعلم لا ما تقول فقط بل كيف يصح أن تقوله، ولهذا اخترتك لأحكي لك عن عمي بل همي، أحكي لك حتى أحارب من خلال الكلام نفسي، فانقل عني ..ولا تنس أن تضيف أنت أيضاً حكاية عمك أو أياً كان..
لا تنس أن تتكلم، فما نحن سوى كلمات…”










