بولص آدم
في وقتٍ أصبحت فيه الصورة تتحرك بوتيرة متسارعة، وتتنافس الشاشات على اجتذاب انتباه المتلقي في لحظات عابرة، تتعاظم الحاجة إلى قراءة تعيد الاعتبار للسينما بوصفها خبرة فكرية وجمالية وإنسانية تتجاوز الاستهلاك الآني. ضمن هذا السياق، يجيء كتاب «مجازات سينمائية» للكاتب والناقد السينمائي مروان ياسين الدليمي بوصفه فعل قراءة متأنية، يشتغل على السينما باعتبارها فنًا للزمن والذاكرة، ومساحة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالصورة والعالم.
صدر الكتاب عن نقابة الفنانين العراقيين (المركز العام في بغداد)، ويقع في 298 صفحة من القطع المتوسط، وهو العمل الثاني للمؤلف في النقد السينمائي بعد كتاب «جاذبية الأفلام» الصادر عام 2023. ويأتي هذا الإصدار ضمن منجز ثقافي واسع بلغ أربعة عشر إصدارًا توزعت بين الرواية والشعر والنقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي، في مسار تتقاطع فيه الحساسية السردية مع الرؤية التحليلية، بما يمنح مقاربته للسينما خصوصية تنطلق من خبرة إبداعية ونقدية متكاملة.
ينفتح «مجازات سينمائية» على السينما بوصفها ممارسة مركّبة، تتداخل فيها الأبعاد الجمالية والمعرفية والإنسانية، حيث تتحول الصورة والصوت والإيقاع إلى لغة مستقلة قادرة على احتواء مستويات متعددة من المعنى. ينظر الدليمي إلى الفيلم الروائي بوصفه سجلًا حيًّا للتحولات الاجتماعية والثقافية، ووسيطًا يعيد تشكيل الوعي عبر السرد البصري، ويمنح المتلقي فرصة اختبار العالم من زوايا مختلفة. في هذا التصور، تكتسب السينما مكانة ثقافية فاعلة، تحمل في بنيتها أسئلة الهوية والذاكرة والسلطة والعدالة، وتعيد صياغتها ضمن بنى سردية وجمالية تتجاوز المباشر والعابر.
تتجاوب هذه الرؤية مع مقولة جان لوك غودار التي تشكّل أحد المفاتيح الدلالية للكتاب:
«السينما ليست ما نراه على الشاشة فقط، بل ما نشعر به بعد ذلك».
من هذا الأفق، تتحول السينما إلى أثر ممتد، وإلى تجربة تستمر في العمل داخل الوعي بعد انطفاء الشاشة، حيث تستقر الصور في الذاكرة، وتعيد ترتيب الإحساس بالزمن والمعنى، وتفتح مساحات للتأمل والمساءلة.
يتأسس الكتاب على بنية واضحة ومتدرجة. يبدأ بمقدمة عامة تحمل عنوان «الفيلم الروائي – النظر إلى العالم بعيون أخرى»، يضع فيها المؤلف الأساس النظري لرؤيته النقدية. في هذه المقدمة، تُقدَّم السينما بوصفها وسيطًا ثقافيًا تطوّر منذ أواخر القرن التاسع عشر ليعبّر عن روح العصور، ويكشف هشاشتها، ويضيء اختناقاتها وتناقضاتها. ينطلق الكتاب من هذه الفكرة الجوهرية ليقدّم رحلة نقدية عبر عوالم الفيلم الروائي في بيئاته المتعددة، من دون أن يتحول إلى جرد للأفلام أو تصنيف مدرسي للتيارات، بل بوصفه قراءة مرافقة للأثر الذي تتركه السينما في الوعي.
ينقسم «مجازات سينمائية» إلى ثلاثة فصول رئيسية، يسبق كل فصل منها مدخل خاص، يتناول على التوالي السينما الأميركية، والسينما الأوروبية، وسينما أميركا اللاتينية. هذا التقسيم يعمل بوصفه خريطة لرؤى مختلفة في تمثيل العالم، واختلاف في طرائق بناء السرد، والتعامل مع الزمن، وصياغة العلاقة بين الصورة والإنسان.
وتتضح قيمة هذا التقسيم في المنهج الذي يعتمده الدليمي في مقاربة الأفلام. فهو يتعامل مع كل فيلم بوصفه مدخلًا إلى فهم البيئة السينمائية التي أنجبته، فتتجاوز القراءة حدود العمل المفرد لتلامس السمات الجمالية والفكرية التي تمنح كل سينما هويتها الخاصة. ومع تراكم هذه القراءات تتشكل أمام القارئ صورة متكاملة عن السينما الأميركية والأوروبية وسينما أميركا اللاتينية، عبر تتبع أنماط السرد، وبناء الشخصيات، وإيقاع الصورة، وتمثلات التاريخ، والهوية، والذاكرة. وبهذه الآلية يكتسب الكتاب وحدته الداخلية، فتغدو الأفلام محطات في مشروع نقدي يرسم ملامح سينمات عالمية متمايزة، من خلال قراءة تنطلق من التفاصيل لتصل إلى الرؤية الكلية.
في الفصل الأول، يقدّم الدليمي قراءاته النقدية لستة عشر فيلمًا من السينما الأميركية، من بينها: معركة تلو أخرى، ميغالوبوليس، تحرير، كرز، صوت المعدن، يهوذا والمسيح الأسود، الموريتاني، موصل، وقتلة زهرة القمر. تتقدّم السينما الأميركية في هذا الفصل بوصفها منظومة سردية مؤثرة في المخيال العالمي، استطاعت أن تطوّر نموذجًا حكائيًا يجمع بين الوضوح البنائي والقدرة على احتضان قضايا إنسانية معقّدة.
في قراءة فيلم «قتلة زهرة القمر»، يتوقف الدليمي عند اشتغال الفيلم على الذاكرة التاريخية، حيث تتحول السينما إلى مساحة لإعادة النظر في السرديات السائدة، وإلى أداة لاستعادة أصوات طُمست داخل التاريخ الرسمي. يشتغل الفيلم على تفكيك آليات التواطؤ والصمت، ويمنح الصورة دورًا في مساءلة مفهوم العدالة، ضمن بناء سردي يجعل من الماضي قوة فاعلة داخل الحاضر.
وفي أفلام مثل صوت المعدن، تتقدّم التجربة الجسدية بوصفها محورًا سرديًا، حيث يتحول فقدان السمع إلى مدخل لاختبار العزلة والهوية، ويصبح الصوت والصمت عنصرين أساسيين في بناء المعنى. هنا تظهر قدرة السينما الأميركية على توظيف الأدوات التقنية بوصفها امتدادًا للرؤية، تسهم في تعميق الأثر الشعوري، وتفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة الحسية في التجربة.
ينتقل الفصل الثاني إلى السينما الأوروبية، ويستهل بمقدمة تؤسس لرؤية خاصة بها، حيث تُقدَّم بوصفها سينما تميل إلى التأمل، والانشغال بالفلسفة، وتجريب الأشكال السردية. يتناول الدليمي في هذا الفصل خمسة عشر فيلمًا، من بينها: إميليا بيريز، الغرفة المجاورة، مدام كلود، كل شيء حقيقي، الملك لير، 1917، إضافة إلى فيلم «الغريبة»، وهو إنتاج إيطالي عام 2009 مقتبس عن رواية للكاتب العراقي–الإيطالي يونس توفيق.
في هذه القراءات، تتجلى خصوصية السينما الأوروبية في علاقتها بالزمن، حيث يتحول الإيقاع البطيء، واللقطات الطويلة، والصمت، إلى عناصر دلالية تراكم المعنى عبر الإحساس. تصبح الشخصية فضاءً داخليًا محمّلًا بالذاكرة والأسئلة، وتغدو التفاصيل اليومية مدخلًا للتفكير في الوجود والعلاقة مع العالم. يبرز فيلم «الغريبة» كنموذج لتقاطع الثقافات داخل السينما الأوروبية، حيث تتداخل تجربة الهجرة مع السرد الروائي، في بناء بصري يستثمر الاغتراب بوصفه حالة إنسانية ممتدة.
الفصل الثالث يخصصه الدليمي لسينما أميركا اللاتينية، ويقدّمها بوصفها فضاءً غنيًا بالمجازات، حيث يمتزج الواقعي بالأسطوري، واليومي بالحلمي. يتناول الفصل عشرة أفلام، من بينها: ما زلت هنا، غضب الله، بيدرو بارامو، والمعلم الذي وعد بالبحر. في هذه السينما، تتحول الحكاية إلى وسيلة لقول ما يتوارى داخل التاريخ، وتغدو الصورة أداة لتجسيد الذاكرة الجمعية، والعنف، والفقد، ضمن لغة بصرية كثيفة.
يتوقف التحليل عند كيفية توظيف السرد المتعدد الخطوط، والمونتاج، وحضور الجسد والطبيعة، في بناء إيقاع يعكس تشظي التجربة الإنسانية داخل واقع اجتماعي مضغوط. الواقعي والحلمي يتجاوران بوصفهما لغتين متكاملتين، تعبّران عن علاقة مركّبة بالهوية والانتماء، وتمنحان السينما اللاتينية طاقتها المجازية الخاصة.
بعد الفصول الثلاثة، ينتقل الكتاب إلى ملحق – فرز منهجي موضوعي، يقدّم فيه المؤلف تنظيمًا تحليليًا للمادة النقدية، عبر تصنيف الثيمات والمحاور وأنماط السرد، بما يتيح للقارئ إعادة قراءة الأفلام من زوايا متعددة، وربط التجارب السينمائية ضمن شبكة مفاهيمية واضحة. هذا الملحق يمنح الكتاب بعدًا مرجعيًا، ويعزز قيمته البحثية، مع الحفاظ على طابعه التأملي.
تُختتم «مجازات سينمائية» بخاتمة تؤكد مكانة السينما بوصفها ذاكرة يقظة، تتحرك بين خرائط العالم المعاصر، وتعيد رسم ملامحه، وتمنح الإنسان مسافة للتأمل في ذاته، وفي الزمن الذي يحمله، وفي الأسئلة التي ترافقه. في هذه الخاتمة، تتبلور رؤية الدليمي للسينما بوصفها فنًا للضوء، وللاستمرار، وللأسئلة المفتوحة.
بهذا المعنى، يقدّم «مجازات سينمائية» عملًا نقديًا يتسم بالعمق والاتساع، ويؤسس لحوار جاد مع السينما العالمية من موقع عربي منفتح على التجارب الإنسانية المختلفة. إنه كتاب يعيد الاعتبار للفيلم الروائي بوصفه تجربة فكرية وجمالية، ويدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف السينما بوصفها ما يبقى بعد المشاهدة، وما يستمر في العمل داخل الذاكرة والوعي.











