عبد الرحيم طايع*
ينتمي الكاتب والناقد والمثقف رفيع المقام “محمد جمال محمد الطيب نور”، المشهور ب”جمال الطيب” إلى أسوان، مواليد المحافظة المصرية الجنوبية في 28 نوفمبر من عام 1956، يعيش في القاهرة، ويعمل بالهندسة المدنية، مجال دراسته، كأنني أجلت سؤالي عن أحواله خارجا من تواصلنا الزلال خروجا مديدا مؤسفا يستغربه الأصفياء، فإذا العمر تقدم به، فجأة، إلى السابعة والستين، لكنني أنسى عمره باستمرار؛ حتى إنني لا أهنئه، مثلما يهنئه أصحابه، في أيام برجه القوسي، وهذا يعيبني طبعا فمسكنه يلاصق قلبي، إلا أنني أتعامل مع المقربين وفق فلسفة تفاؤلية مستقلة الهوى، تجعل الأعمار، بأبراجها المفروضة غالبا، خلاف المثبت في شهادات الميلاد، ولعل فلسفتي هذه تشفع لي عنده، إنما أتذكر جيدا أنه، بالرغم من إجهاد جسده، وتعب عينيه الملازم بالأخص، لا يزال في تصورات مرآتي التي تدرك أبعاده تمام الإدراك شابا عشريني السن مفعما بالحيوية، وعلى كل حال يمكنه أن يذهب، بروحه المحلقة ذات العزيمة الاستثنائية الجبارة، إلى كافة الأنشطة الفنية والأدبية والثقافية، وأن يحيط بها علما، أقصد إن بعدت هذه الفعاليات عن يديه الطائلتين، وعز عليه أن يشهد وقائعها التي يصبو إليها شغوفا بلا انقطاع.
لدي طرحه الأخير “قراءات في الفن والأدب”، الكتاب الصادر في العام الفائت (2025) عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، هذا الموقع لي خصيصا بإهداء فخم رائع، والمرسل إلى بيتي الجنوبي في ظرف أنيق، وهذا دأب السيد الوقور ما دام صاحبه بمعزل عن مكان إقامته، وهو كتابه الثاني الذي كان أصدر قبله بعام (2024) أول أطروحاته “ظلال الأسئلة… قراءات في السرد من مصر والدول العربية”. العنوانان يشيان بتأملاته النقدية الأثيرة، ويشيان أيضا بمتابعته الدقيقة لكل ما يجري على الأرض من أنهار الفنون والآداب والثقافة، عندنا وعند الآخرين، والمتابعة التي وصفتها أنا بالدقة، وهي كذلك بالفعل، بالإضافة إلى نزاهتها، واحدة من أهم صفات صاحبنا الهمام، من يستطيع، وغيره لا يستطيعون، أن يكون رسام خريطة الفن والأدب والثقافة، بشكل لم يسبق لأحد أن فعله بكل هذا الصواب والإحكام والتفصيل، وبكل هذا الشرف والإنصاف والتعفف، والمهم أن تتاح له الفرصة كاملة.
أتحدث عن صاحبنا المبتكر الألمعي الذي يخبرنا واقعه المنظور أنه حين ينوي كتابته الراصدة، ثم يشرع في بث عطرها العمومي الذي يفضله، فهو، بالضرورة، يبسط مساحات للشبان صادقي المواهب كما للكبار الراسخين، هذا على قد هذا كقول أهل اللغة، أي أن اكتشاف الأسماء الجديدة المبشرة يكون دوما إحدى مهامه المقدسة، والمؤكد أن يكون إلقاء الضوء على المتميزين الذين مستهم إساءة الإنكار مركز دائرته الخاصة الرحيبة سرمديا بالمثل.
كان بوسع صاحبنا أن يملأ المكتبات بإصدارات نفيسة شتى، غير أنه آثر خمول الذكر على الشهرة، أنا شخصيا أحثه، منذ مدة طويلة، على البدء في التحضير لمشروع كتاب يخص سيرة والده “الطيب الكبير”، وكم أذاقني من روعة الحكايات الرمزية والشعبية لذلك الأب الصارم المذهل بواسطة بوستات ظل يكتبها عنه في السوشيال ميديا من حين إلى آخر، لكنه يعدني ولا يفي بالوعد، هو الوفي بالوعود، ربما لأنها كتابة ستحمله ما لا يحتمل من ضغوط الذكريات الحميمة، وقد اكتفى صاحبنا، فيما يبدو، بنشر مقالاته الوافرة المنوعة، مقتفيا آثارها العقلية والوجدانية التي لا تمحي، ولو امحت آثار حروف تقصدت الأبدية، نعم اكتفى بنشرها، دون جمعها برمتها في كتب حتى الساعة، لكنه أثرى بها عديدا من الصحف والمجلات المتخصصة المعتبرة فوق ثرائها الصميم (من المطبوعات المصرية: الرواية الفصلية، المجلة، إبداع، الهلال، عالم الكتاب، الثقافة الجديدة، أدب ونقد، القاهرة، مسرحنا، بوابة الأهرام للحضارات. ومن الدوريات العربية: جريدة الفنون الكويتية، جريدة المدى العراقية). يعتبر صاحبنا الحقاني البديع نفسه قارئا لا كاتبا، مع كل أعطياته الراقية المتتابعة، وكل الاستضافات التلفزيونية الحوارية التي طالما دُعِي إليها وجللها برؤاه النبيهة بنت وعيه الفارق، ولذا علينا اعتباره متواضعا عظيما حتى إن أبى نعتنا لتعوده على هضم حقوقه الفردية، التعود السامي المحير!
سبق وأن اختصر المهندس جمال الطيب إنسانية الإنسان، بجملتها، في رسائل هاتفية مقتضبة، أرسلها لمؤازرة شخصية نابغة حاقت بها ويلات الحياة، كان يعرفها معرفة سطحية، لكن يقدر نبوغها تقديرا عميقا، ويحترم صبرها على ما تمر به من ظروف شديدة القسوة، هكذا فعل صاحبنا الإنسان، شاسع العذوبة واللطف، وأنا كنت شهدت اختصاره العبقري المشار إليه وقتما جرى ما جرى، وبقيت مفتونا به، وناقلا مدده الكريم إلى الآخرين لينالوا من خلاله حصادا ينفعهم بأمداء الأعوام، ولا داعي الآن لشرح متعجل قد يضبب مقصودي الواضح البسيط ويعقده، على عكس ما أريد، ويبقى اللافت بهذا المضمار أنني لا أقوى على اختصار إنسانيته هو وحدها في مئات الرسائل الهاتفية المطولة، بل ما يزيد على المئات، والإنسانية، بمناسبة حلولها في الكلام، معنى مرعي فذ ينبغي ألا يغيب عن المؤرخين الفنيين والأدبيين والثقافيين، ومهما كان العمل الفني هو الأبقى بذاته، والعمل الأدبي هو الأبقى بذاته، والعمل الثقافي هو الأبقى بذاته، فيما نقول كاذبين ومصدقين كذبتنا، فإن إنسانية الفنان والكاتب والمثقف، على الحقيقة، هي الماكثة، ما مكث الدهر، وسواها يزول لا محالة.
صاحبنا في موقع الصدارة من القيم الأصيلة الباذخة، لا يبالي بالوقت الحالي البائس الذي فرغ من جملة القيم الموثوقة مرتفعة الهامات، ومن أراده من زاوية إبداعه، وهو إبداع وافر ومتعدد، فسيحصل له الغنى، ومن أراده من جهة كونه زائح التراب عن الجواهر، أعني من يجلي الأقمار في الليالي المظلمة، فسيحصل له الغنى، ومن أراده كإنسان وحسب، مفضلا ظله الآدمي نقي النفس مليح السجايا على ما صاغت أفكاره من سلاسل الفضة والذهب، فسيحصل له الغنى، وأنا أردته بشموليته. السلام عليه حيث كان ويكون!
…………………..
* شاعر وكاتب مصري











