محمد شكر
يقف “يحيى المنقبادي” أمام القيادة العليا لعالمه، مقبلا على حمل رسالته المكلف بها، لأرض ظن أنه خبر وعورة تضاريسها، فقضم تفاحة الخروج ليهبط إلى أرض جديدة، ويتخلص من روحه الأبدية رويدا رويدا، بعد أن أدرك مصيره، فلا جنة سيراها مجددا، ولا أمان يظلله رغم تنامي قواه، لا شيء غير المسير حتى النهاية في أرض الخوف.
افتتاحية داوود عبد السيد لفيلم “أرض الخوف” لم تستغرق أكثر من ثلاثة مشاهد محكمة الصنع، ولم تغفل هذه المشاهد الأبعاد الرمزية في بناء السيناريو، بل حملت العديد من الأسئلة الوجودية، والرؤى التي توارت خلف دلالات سيميولوجية، جعلت من الصعب تصنيف هذا العمل، مع تعدد القصص الثانوية والرموز التي تجعل من “أرض الخوف” فيلما عابرا للنوع، يتيح مستويات أعلى من التلقي، مع رؤية مزجت ما بين السياسي والفلسفي في محاولة لإعادة نقد التراث الاجتماعي والديني والسياسي معا، مستعينا بوقائع وأسماء تمثل مفاتيح تلق للمستوى الأعلى، الذي لا يزيد عن كونه محاولة تمرد إنساني، على قدر دفع بنا جميعا إلى حياة لا تنقصها الخيارات، ولكن تنقصها الإنسانية.
رؤية داوود عبد السيد الوجودية، جعلت الفيلم قادرا على الاحتفاظ بقصته البسيطة التي تدور حول ضابط شرطة تحول إلى تاجر مخدرات، وهو إطار ضيق جعله داوود عبد السيد أكثر رحابة بروايته السيميولوجية لقصة الإنسانية بأسرها، لتتمثل عبقرية تجربته ككاتب للسيناريو قبل أن يكون مخرجا لـ”أرض الخوف”، في تجاور كلا المسارين في الخط الدرامي نفسه، دون أن يضر أحدهما بالآخر، لتتعدد القصص في إطار محكم، ساهم في دفع الأحداث نحو نهاية لم تخلص البطل المأزوم من حيرته، مع تنامي دور غريمه التقليدي “عمر”، ذلك الشيطان الذي أشار إليه صراحة في مشهد المرج الأخضر الذي جمع أحمد زكي وعزت أبو عوف قبيل نهاية الفيلم، وهذا الازدواج الإبداعي حافظ أيضا على استمرار التوازي بين مستويات التلقي، خاصة المستويين السياسي والفلسفي الإنساني، اللذين سارا كقضيبي قطار لم يحيدا عن استقامتهما معا حتى النهاية.
وفي أرض الخوف يقف أحمد زكي شاخصا بأداء أسطوري لم يحققه خلال مسيرته السينمائية قبل شخصية “يحيى”، بعد أن تفهم طبيعة الشخصية التي يجسدها، وما تمر به من أزمات وجودية ونفسية، وتنقل بها من مرحلة إلى أخرى ببساطة، لا تليق بصعوبة الشخصية المركبة التي جسدها في العمل، خاصة وأنه كان يقوم بمهمتين كل واحدة منهما أصعب من الأخرى، فهو يؤدي شخصية تاجر المخدرات هنا، ويتحول حين يتذكر كونه شرطيا هناك، إضافة للتطور المرحلي الذي طرأ على شخصيته أو شخصيتيه المتعايشتين في الجسد نفسه، ليحقق أحمد زكي قفزات في الأداء عبر فصول الفيلم، التي حرص داوود عبد السيد أن يفصل بينها بتواريخ محسوبة تعكس مرور الزمن، وربط الشرطي المتخفي وتاجر المخدرات البارز بتطورات الأحداث السياسية في مصر، وانعكاسها عليه سلبا برحيل من كلفه بالمهمة، في إشارة رمزية لانفصال الإنسان عن الذات العليا، وهو ما دفع البطل للبحث عن يقين، مع استشعار خطر إعمال العقل فيما هو وجودي، ليصل إلى ذروة مرحلة الشك في بحثه عن يقين يرضيه، فيصل إلى “موسى” ليمثل الظهور الخاص والإبداعي للفنان عبد الرحمن أبو زهرة، نقلة جديدة في الدراما، وبالتالي في الأداء العبقري لأحمد زكي في “أرض الخوف”.
وإلى جانب براعة أحمد زكي في أداء شخصية “يحيى”، فلا شك أن قيامه بلعب دور الراوي لم يمر مرور الكرام، ورغم تعاملنا مع الراوي باعتباره أداة كلاسيكية لم تعد تتجاوز عتبات المسرح، إلا أن داوود عبد السيد أعاد توظيفها في السيناريو بحرفية خدمت الصبغة الملحمية للعمل، كما أن صوت الراوي هنا، ما كان له أن يحقق التأثير اللازم إذا حل شخص آخر محل أحمد زكي، أو فارقته موسيقى راجح داوود الذي استحق أن يهديه داوود عبد السيد هذا الفيلم، بعد أن اكتسبت الموسيقى مساحات وظيفية مصاحبة لصوت الراوي، وهو ما أبرز تأثير المونولوجات العديدة لأحمد زكي، وأكد على تلونه تعبيريا، فقوة صوته في مشاهد الجريمة والموسيقى المصاحبة له، تختلف عن رهافة أدائه لمشاهد الحب أو المشاهد الإنسانية، كما لا تتشابه تعبيراته في أي منهما مع عباراته في وصف حالة التيه التي يعيشها، حين يشعر أنه لم يعد يعرف ذاته، فهل كانت الرسالة أو المهمة أكبر منه؟ أم أنه لم يعد ضيفا على أرض الخوف، بل أصبح جزءا من الأرض الخراب؟ هذا الصراع الذي يطارد شخصية “يحيى” كان مطبوعا على وجه أحمد زكي طوال الوقت، وهو ما مثل فهما عميقا للإنسانية قبل التأكد من فهمه لشخصية “يحيى المنقبادي”.
تجربة الإنسان الأرضية
عبقرية أحمد زكي في تجربته الوحيدة مع فيلسوف السينما داوود عبد السيد تصب في صالحهما معا، فأنا أعتبر هذا الفيلم أكثر تجارب داوود عبد السيد اكتمالا وروعة وإنسانية، فالعمل صيغ بإتقان يليق باسم أنسي أبو سيف، وسمير بهزان ومنتج هذا العمل وغيره من الأعمال البارزة في تاريخنا الحديث المنتج حسين القلا، ورغم الرابط الذي تحقق في العقدين التاليين بين “أرض الخوف”، وفيلمي داوود عبد السيد “رسائل البحر”، و”قدرات غير عادية”، وهو رابط شخصي جعلني أرى في التجربتين استكمالا لثلاثية سينمائية فلسفية حملت أبعادا وجودية، وتعمد فيهما داوود عبد السيد الحفاظ على اسم “يحيى” كبطل لهذه الأعمال، حتى أنه رشح أحمد زكي لثلاثتها، ولو استعان في الفيلمين التاليين بأبطال آخرين، لكنه في المضمون حافظ في الأفلام الثلاثة على مناقشة تجربة الإنسان الأرضية فكريا وفلسفيا، لهذا أرى في تلك التجارب الداوودية، ثلاثية متباعدة زمنيا ولكنها مرتبطة فكريا، كما أرى أنها تتفوق على ثلاثية “الأب الروحي” لـ”كوبولا”، لتخلصها من المادي وانحيازها للشعوري، بغض النظر عن تناص إخراجي بين “عبد السيد” و”كوبولا”، في “أرض الخوف”، والجزء الثاني من “الأب الروحي”، فيما يتعلق بعلاقة يحيى المنقبادي بزوجته فرح أو -فيدرا حاليا- خاصة بعد تحولها واكتشافها عمله كتاجر مخدرات، فقد واجهها بالعنف نفسه الذي واجه به “مايكل كورليوني – آل باتشينو” زوجته “كاي”، ليستبدل داوود عبد السيد مشهد العنف الجسدي لـ”مايكل كورليوني” تجاه زوجته بعد إجهاضها بمشهد اغتصاب “فيدرا”، إضافة إلى مشهد محاولة فرار الزوجة من قفصها الذهبي الذي صنعه البطل بعد استشعاره خطرا على أسرته وحصاره لزوجته وأطفاله، بمنع كل منهما الزوجة من الخروج بسيارتها، كدلالة على الاحتجاز النابع من خوف لا من قهر، وهذا التشابه يرجع إلى كون العملين يعبران عالماً واحداً اعتماداً على نفس المبررات الدرامية، ولو اختلفت نهاية الخط الدرامي للعلاقة الزوجية في “الأب الروحي”، عنها في “أرض الخوف”، الذي حملت الشخصية فيه بعدا أعمق من تلك التي صاغها “كوبولا”، فشخصية الزوجة عند داوود عبد السيد أكثر ثقافة وتحررا، وبالتالي كانت أكثر تمردا بل وتسامحا في النهاية مع ما تملكه من وعي، وهو ما دفع نحو اختلاف نهاية خطيهما بما يصب في صالح “أرض الخوف”، مع التأكيد على أن التجربتين اللاحقتين لداوود عبد السيد “رسائل البحر” و”قدرات غير عادية”، اختار لهما عوالم مختلفة ناقش من خلالها أفكار الغواية والاختيار والوجود، فداوود عبد السيد أعاد اختبار الإنسان في مواقع مختلفة في ثلاثيته الفكرية، ورغم احترامي الشديد لإبداع فرانسيس فورد كوبولا، إلا أن تجربة داوود عبد السيد كانت أكثر نعومة وفلسفية وعمقا، والتناص في مشاهد بعينها يتوجب الإشارة إليه بموضوعية دون انتقاص من قدر صاحبه، وهي الموضوعية ذاتها التي لا تؤثر على انحيازي لفيلم “أرض الخوف”، باعتباره أحد أهم التجارب في تاريخ السينما المصرية.










