عن مائدة الجبال القوقازية.. حين يصبح السفر مرساة للرسوخ في الحكي

دينا الحمامي

تأتي أهمية أدب الرحلات ليس فقط من قدرته على نقل عوالم مجهولة لقراء بقاع جديد، بل من قدرته على الحشد؛ حشد يستمد سلطته  من الانتقاء، فالسفر إلى أصقاع بعيدة يحفز النفس على الإخبار، وهنا تتجلى قدرة الكاتب على الحذف والتفضيل، واصطفاء مواضع بعينها دون غيرها.

في كتابها الأحدث “التشورتشخيلا وحكايات أخرى- مائدة الجبال القوقازية” والصادر حديثًا عن مؤسسة غايا للنشر، تؤسس الكاتبة والصحفية هايدي فاروق لمشروعها الجاد في أدب الرحلات، عبر سلسلة من الحكايات المنتقاة بين مئات من الحكايات التي شهدتها أثناء زياراتها لدول القوقاز.

تبرز الكاتبة ما يمكن تكريسه لخدمة الحكاية، وإن فاتها ما كانت تحب أن تزوره نظرًا لسوء التخطيط أو وفرة بدائل أخرى، تحول وجهاتها إلى مشهديات يمكنها العيش طويلًا عبر سرديات استخدمت فيها حسها الصحفي مع مهاراتها القصصية، ساهمت أيضًا الرسوم الداخلية للكتاب بريشة الفنان أحمد جعيصة في شحذ الخيال، وتجسيد الكثير من الصور والمباني لم يكن يمكن توقع شكلها النهائي لولا التقاطها عبر ذاكرة بصرية لفنان يجيد توظيف موهبته في خدمة النص.

بنفس قصصي بارع، وبحس صحفي حاد، تمكنت الكاتبة من تحويل المدن القوقازية إلى مرساة راسخة للتعبير عن رؤيتها، دون الوقوع في شراك الافتتان بما هو أجنبي وغريب.

اللغة كمهرب من اللغة

(عند الظهيرة كان موعد الورشة، تعلمنا طريقة خبز “الخاتشابوري” تحدثت مضيفتنا باللغة الجورجية، فغمزتُ لزوجي هامسةً بالعربية أننا لن نفهم شيئًا،  وأن أموالنا قد ضاعت هباءً. تجاهل نظراتي، وحاول التقاط الوصفة بالأوزان الدقيقة، ثم أخرج هاتفه ليسجل بعض الملاحظات، ألقيت عليه حفنةً من الدقيق، فضحك الجروب المشارك معنا، وانتشرت العدوى بين الجميع. تساقط الطحين من حولنا كأنه زوبعة بيضاء، وامتلأت الغرفة بصيحات المرح)

في هذه الفقرة متوسطة الطول، تمكنت الكاتبة من تغليب قدراتها الوصفية على عدم إتقانها للغة التركية، كان من الممكن إعلامنا فقط أن اللهجة الجورجية وقفت حائلًا  في البداية أمامها كسائحة تريد إجادة وصفة خبز ” الخاتشابوري”، لكن تلك الحساسية للالتقاط، واستخراج ما يمكن أن يخلد اللحظة، هما ما حولا السردية إلى لقطة جماعية انصهرت فيها حواجز اللغة، واستخدمت لغة أخرى لتوصيف حالة جماعية من المرح.

الصداقة والحب كتذكارين للعبور إلى حيوات أخرى 

وردت الصداقة بأشكال كثيرة خلال الكتاب، وعبر نماذج تجاوزت علاقات الصداقة النمطية التي يعقدها السياح عادةً بين بعضهم البعض في البلدان التي يقصدونها، فهناك أكثر من نموذج للنساء الجورجيات اللائي تم ربطهن بواجب الضيافة، والرغبة في تمرير وصفاتهن إلى السياح، نموذج آخر لافتٌ، وهو الصداقة التي نشأت بين زوج الكاتبة، الفنان أحمد جعيصة ومجموعة من الأطفال كانوا يتشاركون في بعض الأنشطة الرياضية، حتى حانت اللحظة التي أراد فيها هؤلاء الأطفال تعميق الصداقة عبر حساءٍ لذيذٍ تشاركوا مع أمهاتهم في إعداده ومن ثم تقديمه لهما، مما أثار اندهاش الكاتبة، التي اكتشفت لاحقًا أن هذا هو دأب الأهالي في جورجيا، فهم يستهدفون توسيع آفاق الأبناء عبر بناء علاقات خارج دوائرهم المحدودة.

تجلت قصة حب أسطورية كتذكار ثمين يمكن أن تضيفه الكاتبة لحصيلة ما تجمعه من تذكارات في أسفارها، تحكي سردية الحب المخلدة أن شابًا مسلمًا أذربيجانيًا  يدعى “علي”  قد أغرم بفتاة جورجية مسيحية اسمها ” نينو”، لتنتهي الحكاية بموت علي في الهجوم السوفيتي على أذربيجان، ارتبطت الكاتبة بقصة العشق الحزينة وحرصت على زيارة تمثالي العاشقين طيلة فترة مكوثها في باتومي، فتقول: ( طيلة الخمسة أيام التي قضيتها في باتومي، كنتُ حريصة على زيارتهما وكأني أدعم أسطورتهما، أدعم الحب الذي أصبح شحيحًا حد الشفقة).

ما بين مائدة السماء ومقاومة الإمبريالية

يقدس القوقازيون طقوس الطعام وغالبًا ما يعدونه وسيلة لإظهار المحبة والكرم، ويعتز الجورجيون بصفة خاصة بأطعمتهم ويبدعون في إعداد موائدهم، فقد ذكرت الكاتبة أنه ورد في كتاب ” الوليمة الجورجية: الثقافة النابضة بالحياة والمأكولات الشهية لجورجيا” لمؤلفته  الباحثة الأمريكية (دارا جولدستين)، أن هناك أسطورة جورجية قديمة، تقول إن الله قد أخذ استراحة عشاء أثناء خلق العالم، فانغمس في طعامه لدرجة أنه تعثر دون قصد فوق قمم القوقاز الشاهقة، فانسكب طعامه على الأرض. وهكذا كانت جورجيا هي الأرض التي باركتها بقايا مائدة السماء.

وإذا انتقلنا إلى شعب قوقازي آخر وهو الشعب الأرميني، نجد السيدات الأرمينيات حريصات على مقاومة العولمة التي غزت مطابخ العالم بعشرات من الوجبات السريعة، وفطور معد من “الكورن فليكس”، تضرب الكاتبة مثلًا على ” المقاومة اللذيذة” حسبما تُعبّر، بالطاهية الماهرة “أرميني” ، والتي اخترقت هذا السد المنيع، وأحدثت ثقوبًا متتالية في الإمبريالية الأمريكية، فلم تعر للكورن فليكس ومشتقاته أي اهتمام، واستبدلته بعشرات من الحيل والوصفات المحلية الأصيلة.

روائية وناقدة مصرية، صدر لها: الفراودة سيرة الفقد والإلهاء ـ رواية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع