د. حمزة قناوي
تقدم (ليلى مهيدرة) في روايتها (أنجيرونا)([1]) مادةً إبداعيةً مُتميزة تحتاج لتناول خاص من المتلقي الذي سيجد نفسه في قلب أحداث الرواية، مضطراً لإعادة تركيب الأحداث وإعادة تأويلها وتفكيك القصة وتركيبها من جديد، يُذكّرنا ذلك بما يقوله (آلان روب غريه) عن المتلقي في نوعية الأدب المعاصر، يقول: «ما يطلبه منهُ هو ألا يتلقَّى بعد الآن عالماً منجزاً مليئاً مغلقاً على نفسه، بل العكس أن يشارك في الخلق، وفي إبداع الأثر الأدبي.»([2])، وهذه الكيفية الإبداعية التي تضيف للمنجز الأدبي جاذبيةً وتَشويقاً خاصاً، تحتاج لتقنيات فنية، وقدرةٍ على تملك زمام الحكي بشكل وكيفية يجعلان القارئ نهماً لتلقي مزيدٍ مِن الأحداث، وفي الوقت نفسه يقوم طوال الوقت بإعادة التنسيق والترتيب ورسم خيوط الأحداث ودواخل وبواطن الشخصيات من جديد، مع كل دفعة جديدة من خط الرواية، وبديهي أن ذلك ليس متاحاً للروائيينَ كافةً، وإنما هي خاصية قد يحظى بها البعض وقد لا يمتلكها الآخر.
ولا يقتصر دور الناقد على مجرد وصف الظاهرة الإبداعية، إنما عليه أن ينفذ إلى وقائع الأدبية الكامنة في العمل الأدبي، ويدقق في الطريقة التي يرسم بها النص إبداعيته، إن حديثنا عن أن رواية (أنجيرونا) مادة إبداعية مميزة يحتاج لإثبات ذلك بالوقائع، ووقائع الإبداعية هنا كثيرة، ونبدأ من العنونة في حد ذاتها، فقد يعتقد المتلقي أن الاسم هو لبطل الرواية، أو “اللابطل” إن شئنا الدقة، ذلك المهمش الفقير المنزوي الذي يعيش على هامش الحياة بعد وفاة والده، ليحل محله في مهنته التي لا تتناسب مع حصوله على إجازة في الفلسفة، ولكن من أجل أن يطعم الأفواه التي تركها له والده، وبضغط نفسي ومعنوي شديد من والدته، يقبل هذه المهنة، ورغم عدم وضوح تسميته، إلا أنه بشكل مغايرٍ فإن تسمية الرواية منسحبة عليه أيضا، فـ(أنجيرونا) آلهة قديمة في الأساطير الرومانية، ولا يُعرَف على وجه الدقة إلامَ كانت ترمز هذه المعبودة، ولكنها صُوّرت في منحوتات الرومانيين وهي ترفع إصبعها إلى فمها، مما جعل البعض يعتقد أنها “آلهة الصمت”، ومن هذه الثيمة تنسج الروائية فحوى روايتها، فاللابطل الذي يروي لنا أحداث القصة، ويروي لنا الواقع من حوله، هو طوال الوقت «صامت»!
ثمة مفارقة عجائبية هنا منذ البداية، إذا كانت الرواية تُعلي قيمة الصمت وتتخذها عنونة متماهية مع شخصية بطل القصة، فكيف ستحقق هذه الرواية بوحها للمتلقي بينما الراوي صامتٌ طوال الوقت؟ ألا يلفت هذا التناقض بين الصمت/ البوح النظر منذ بداية الحكي؟ إن هناكَ جُهداً يقعُ على عاتق القارئ، حيث يجد نفسه مضطراً للتحليل منذ أول وهلة، فإذا كانت العنونة تحيل إلى الصمت، فكيف سيتحقق البوح والحكي؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، من ذلك الذي يحكي قبل وبعد انتهاء القصة؟ إن البداية نفسها تحتاج إلى التدقيق من قِبل المتلقي، فالحكاية تبدأ وتنتهي بعيداً عن الراوي الأساسي، بل في كلا الحالين: حال البدء والختام، تكون مع خبر من الصحافة، فلنقارن البداية مع الخاتمة، على النحو التالي:
| بداية الحكاية | خاتمة الحكاية |
| قبل البداية
الجريدة المحلية عدد 18 ديسمبر تم العثور في وقت متأخر من ليلة أمس، على شخص مغمى عليه بأحد أحياء المدينة، دون آثار لأي اعتداء جسدي ظاهر، كان مسجى على الأرض في شارع جانبي، لم تكن معه بطاقة تعريف، ولا أحد من سكان الحي استطاع التعرف عليه، وبعد الاتصال برجال الشرطة والإسعاف، الذي قدموا بسرعة إلى عين المكان تم نقل الشخص الغريب، الذي بدأ يستعيد وعيه، إلى مركز الشرطة؛ وفي تصريح للجريدة من مصدر موثوق به أنه وبعد التحريات قد يوضع المعني بالأمر في مصحة عقلية حتى يتم التعرف على هويته وعن إن كان مصاباً بخلل عقلي. |
ما بعد النهاية
خبر في جريدة محلية عدد السبت 28 ديسمبر بداية نهاية أسبوع مأساوية، حيث تم العثور على شخص يُعتقد أنه قد رمى بنفسه من أعلى بناية بالمستشفى المحلي للأمراض العقلية، ولقد أشار المتحدث الرسمي أن الشخص المنتحر كان مصاباً بحالة اكتئاب حادة، وكان يحاول منذ وضعه تحت المراقبة الطبية الهروب، وقد تم فتح تحقيق في الحادث لمعرفة حيثيات ما حصل . وسنوافيكم لاحقاً بالجديد… انتهت. |
هكذا ما بين 18 ديسمبر إلى 28 ديسمبر يتمُ العثور على هذا الشخص الغريب، ويقوم بالانتحار، وتقع فترة سرد الحكاية وتقديمها خلال فترة الأحد عشر يوماً، لكن استرجاعاتها تعود لماضٍ ضاربٍ في القِدم إلى أجيال عدة ماضية، ورغم أن الراوي هو ذلك الشخص الملتزم بالصمت في مستشفى الأمراضِ العقلية، إلا أن الشخصيات التي يتم ذكرها واستحضارها في ثنايا الحكي كثيرة، وشبكة العلاقات بينها معقدة، إن صمت هذا الشخص هو نافذة تطل منها المؤلفة على المجتمع فتشرِّحُه وتحلله وتتعمق في بواطنه، بحيث تغدو الرواية كأنها فلسفية اجتماعية بامتياز، وقد كتبت بطريقة تسمح لها بأن تكون معبرةً عن أي مجتمع عربي، بل أي مجتمع إنساني في الوجود، ولولا التخصيص ببضعِ لهجاتٍ محلية، وأغانٍ مغربية لربما تاه عنا موطن النص الأصلي، فهو يحكي عما قد يحدث في أي مكان وفي كل زمان، من تقسيم حياة البشر إلى متن تدور الحياة بهم، وهامش من الناس الذين تدور الحياة من حولهم.
يقول (شكري عزيز الماضي): «فالرواية الجديدة بنية فنية دالة على الاحتجاج العنيف والرفض لكل ما هو متداول ومألوف، وهي تجسيد لرؤية لايقينية للعالم.»([3])، وهذا الاحتجاج العنيف نلمسه بداءةً وختاماً مع طريقة بدء واختتام الحبكة، مجرد أخبار في صحف عن شخص تُوغِل المؤلفة في جعله مجهولاً، لا أحد يتعرف عليه ولا أحد يعرفه ولا الصحف تكتب اسمه، وليس له مكان محدد أو زمان أو عنونة أو تسمية، شخص وجد من دون هوية ومن دون وجود حقيقي في الحياة، ثم أودع مستشفى الأمراض العقلية، ثم هو الشخص ذاته – رغم عدم الإشارة إلى كونه كذلك، لكننا نفترض ضمنياً أنه هو بناءً على الأحداث وإلقائه لنفسه في موجةِ هلوسة يتبع فيها تعليمات أبيه المتوفى – تنتهي حياته دون أن يثير ذلك أي حفيظة أو اهتمام، وإنما فقط ستفتح إجراءات التحقيق لمعرفة كيف استطاع الانتحار، وليس لمعرفة ما الذي أوصله للانتحار، في مفارقة تبلغ قمة الفانتازيا والألم عن حياة ذلك الهامشي، وفي واقع صادم لعقل وقلب المتلقي، يحرك عواطف ومشاعر التعاطف كافةً مع هذه الشخصية البائسة.
إذن فالمؤلفة هي التي تروي بشكل مباشر في الافتتاح والختام، وهي التي تضع المتلقي في قلب القضية التي تتناولها، قضية الهامش والمهمشين، ثم تتوسط في ثنايا الحكي عن طريق الاسترجاع من داخل ذكريات ذلك الشخص الذي وجدوه في الشارع، وعبر هذه الاسترجاعات، ورغم كونه شخصاً واحداً، ستكشف لنا الرواية عن شبكة كبيرة من العلاقات الإنسانية، ومن الأحداث التي تُروَى أحياناً من دون تاريخ محدد، أو ترتيب زمني واضح، لكن هذا المنطلق يتيح للمؤلفة أن تقدم جرعة فلسفية وتحليلية للمجتمع المغربي / والمجتمع الإنساني بشكل عام، مما نتعجب فيه عن تلك الكيفية التي استطاعت أن تجمع كل هذه الشخوص في رواية واحدة من ناحية، وكل هذه الأحداث التي تدفع إلى التأمل والتحليل في حال المجتمع المغربي والمجتمعات العربية بوجه عام، والمجتمعات الإنسانية، ويتم ذلك بوعي شديد، ويتم بدقة في تنسيق وتقديم الأحداث، بحيث لا يضيع خيط التشويق ولا يفقد القارئ شغفه بخيط الرواية، حيث يتساءل طوال الوقت ما الذي جاء بذلك الشاب الجامعي إلى مستشفى الأمراض العقلية؟ هل ارتكب جريمةً ما؟ هل قتل أحداً وهربَ من ذلك عبر ادِّعاء الجنون؟ هل هو مجنون فعلاً أم عاقل؟ ما الصعب في حياته الذي جعله يصل لتلك المرحلة؟ ولو كشفت الكاتبة عن كل ذلك مرة واحدة لربما ضاع خط التشويق في الرواية، لكنها لآخر لحظة تستمر في تقديم الدفعات التشويقية وبناء الترابط بين الشخصيات، بحيث نُفاجأ في كل يوم من يوميات الرواية بجديد من هذه الشخصيات، خصوصاً تلك الاتهامات التي تكيلها هذه الشخوص في ختام الرواية إلى ذلك الشخص المهمش المسكين.
نتوقف هنا أيضاً عند جزئيةٍ أخرى في بناء الرواية، فإذا كنا قد أشرنا إلى طريقة البدء والختام، وكلاهما يأتي من خارج سياق الحكاية نفسها، فإن طريقة تقسيم الرواية عبر الأحد عشر يوماً التي يتم الحكي فيها، يتم تقديمها على هيئة يوميات، هي تتناص مع قرار بطل القصة بأن يكتب يومياته عما يواجهه في مهنته كحارس ليلي، يقول: «هي “يوميات حارس مرآب” السبب المباشر في كل ما يحصل معي، ماذا يمكن لحارس مرآب أن يكتب في يومياته؟ فعمَ قد يكتب في نظرهم إن لم يكتب عنهم؟ عن كل واحدٍ، حركاتهم، سكناتهم، دخولهم وخروجهم، أمورهم الصغيرة التي لا يريدون أن يعرفها أحد؟ لم أكن أستوعب الأمر وأنا الطالب المجاز الذي أجبر أن يخلف والده في حراسة ممتلكات سكان العمارة …» ص15، هذه اليوميات التي لا نعرف إن كانت اكتملت أم لم تكتمل، ولا نعرف أيضاً على وجه الدقة لماذا مثَّلَت خطراً عليهِ، ولكن في ثنايا الحكي تقوم الكاتبة بالاقتباس منها، موهمةً إيانا وكأنها قد عثرت عليها، ومن خلالها تقدم لنا توثيقَ الحكي، وتكمل أيضاً ما يدور في داخل المستشفى، ورغم كون الحكي يقع في الفترة التي يقيم فيها حارس المرآب الشاب خريج الجامعة المجاز في الفلسفة المهمش، إلا أن الأحداث داخل المستشفى قليلة، وأغلب الأحداث وقعت بالفعل خارج المستشفى.
إذاً هناك عملية تداخل كبيرة ومعقدة في طريقة تقديم حكي القصة، ما بين البداية والختام من ناحية، ويوميات حارس المرآب من ناحية ثانية، والحكي بطريقة اليوميات لكي يمتد الحكي إلى ما بعد العثور عليه فاقداً وعيه من ناحية ثالثة، وبهذه الكيفية يتم بناء العلاقات بين طريقة الحكي لكي تكون تمهيداً للعلاقات نفسها بين الشخصيات، يجعلنا ذلك نستحضر مقولة (محمد برادة): «ما دامت العلاقة بين اللفظ والشيء لم تعد علاقة إحالة تعادلية بينهما، فإن التعبير غَدَا مستقلاً عن معادلة المادي، وأصبح تأشيراً على غيابٍ أكثرَ منه تعبيراً عن حضور كلي، وهذا الموقف من اللغة ومن غائية الأدب هو ما شرع الأبواب أمام فورة لا متناهية في مجال التعبير الأدبي، وابتدع أشكاله بوساطة التجريب.» ([4])، وهنا نجد بجانب إقامة علاقات ممتدة بين اللفظ والكلمة، نجد أيضاً علاقات ممتدة بين الأشخاص وبعضهم بعضاً، أو ضد بعضها البعض أحياناً، وفي تحليل شبكة علاقات الأشخاص وحدها عملية انتقائية تعكس رؤية فلسفية في تعرية الواقع والمجتمع تقدمها المؤلفة خلف ستار الحكي على نحو ما سنحاول أن نبين.
علينا أن نتذكر مبدئياً أنه ليس من افتراض مسبق موجود بشأن “تجميع” هؤلاء الأشخاص معاً، فكل ما هو موجود في ثنايا الرواية من اختيار المؤلفة ومن خيالها، صحيح أن عملية الخلق لا تكون بعيدة عن الواقع والمجتمع الذي تحاول أن تنتقده في روايتها، لكن الانتقائية مصاحبة لعملية التأليف في حد ذاتها. يقول (عز الدين المدني): «والخلق بالخصوص، الانطلاق من المعلوم إلى رحاب المجهول، والانصراف الكلي عن المعروف بعد اكتسابه، والخروج تماماً عن المألوف، والتمرد على المبتذل، وكسر المحنط، والدخول بكل جسارة في مجازفة أدبية ومغامرة فنية، وباختصار في مسير وجودي حساس عميق لا يعرف للاطمئنان باباً، ولا يعرف للسكينة منفذاً، ولا يسقط في التبعية، ولا يتقيد بالاستسلام.» ([5])
ما الحكمة إذاً من الصفات التي ألقتها المؤلفة على سكان العمارة؟ لقد جمعت فيها: القاضي، والبنكي، والطبيب، والراقي / الدجال، والمناضل اليساري المهزوم، ومع هؤلاء وضعت زوجاتهم، اللاتي ظهرت خيانة بعضهن، ولا نعرف كثيراً عن الباقيات، وبالتأكيد فإن العمارة فيها أكثر من هؤلاء، لكن هذه الشخصيات كانت هي البارزة، والتي تمثل في مجملها أعمدة المجتمع، العدالة متجسدة في شخص القاضي، والمال والاقتصاد في شخص المصرفي، والدين في شخص الشيخ الراقي الذي لا نستطيع أن نفرقه كثيراً عن المشعوذ في الحقيقة، ثم السياسة في شخص المناضل اليساري، وكانت هناك زيارات متنوعة تحدث بين الحين والآخر، فالشخصيات الإعلامية المشهورة كانت تأتي متخفيةً لزيارة الراقي، وماسح الأحذية كان ينتظر فرصة أن يحدث القاضي عن قضيته حيثُ أراد البعض أن يحصلوا على ميراثٍ له فشككوا في نسبه وزعموا أنه ابن زنا، وكذلك لقاءات حارس المرآب مع بعض الشخصيات في الملاهي الليلية، هذه الشخصيات تم تجميعها معاً لتصبح هي المتن الأساسي الذي تدور من أجلهم ولهم الحياة، ويصبح حارس المرآب ومعه عائلته وأصدقاؤه وحيه بالكامل هو الهامش الذي لا يساوي قيمةً في حياة هؤلاء.
يقول حارس المرآب: «…الآن فقط أدركت التناقض الذي كنت عليه، الشكل الفوضوي لا يتناسب وطريقة الكلام، أنا العشوائي وأنا الذي يتجول والكتب تطل من جيبه الصغير، كنت نغمة نشازاً لم يتقبلوها، الآن فقط أستطيع فهم استغرابهم من كل ما يخصني، كنت أرى ملايين الأسئلة تطل من أعينهم، لا ألومهم، أنا أيضا أشمئز مني، أنا أيضاً كدت أسأل نفسي من أكون؟ متى قطعت المسافة الفاصلة بين أنا الذي كنت وهذا الذي صرته؟ لِمَ كنت أتخيل الناس ترى فيَّ الشاب المجاز وهم لا يرون إلا شخصاً هامشياً منبوذاً؟» ص160-161
بهذا الأسلوب من التناقض المنطقي الذي يغرق فيه كثيراً حارس المرآب/ الشاب الجامعي المجاز/ الذي وافق على أن يتحمل مسئولية أسرة لم يكن له دور في نشأتها، لكنه وجد نفسه بين عشية وضحاها مسئولاً عن الأفواه الجائعة فيها، بهذه الطريقة يتم تحليل المجتمع وإسقاطاته وإخفاقاته، بشكل سلس لا يشعر المُتلقي معه أنه يقرأ فلسفة من الطراز الأول حول تحليل علاقات المجتمع، وحول الطبقات المتراصة فيه، وكيفية نظر هذه الطبقات لبعضها بعضاً، وكيفية اقتران بعض الأوقات كالنهار للفاعلين وأصحاب النفوذ والمتن، والليل للمهمشين ومن ليس لهم مكان، كالعمارة نفسها لتلك الطبقة العليا والمرآب في أسفلها للهامشين، كيف تتمثل حياة الهامشيين في انتظار الجود والإحسان وفيض العطاء من تلك الطبقة، التي تعريها المؤلفة فتكشف عبر ملاحظات الحارس عن إخفاقها ورذيلتها وسوءتها التي تتضح له عياناً بياناً، حتى تقع زوجة الراقي بين يديه يفعل بها ما يشاء، أو تحديداً يفعل بها ما تشاءُ هي منه، وبين ملاحظاته حول البنكي المصرفي الذي لا يجيد وضع ميزانية لمنزله ويترك ذلك لزوجته، والطبيب الذي نكتشف أن زوجته على علاقة بغيره، وهكذا في تناقض صارخ.
منبع التناقض أن ذلك الهامشي المنبوذ يبدو أنه صاحب قيم وأخلاق أعلى من أولئك، أصحاب المتن والأصليين الأساسيين، ويبدو أن الفجوة تطول وتكبر طوال الوقت، لا يمكن للهامشي أن يحصل على ما يستحقه، ولا للمركزي أن يعطي للهامشي مساحته، بل يحاول أن يسجنه في هوية محددة له سلفاً، جعل حارس المرآب يدخل في صراع مع الهوية، أو الهويات، بين ما يراه لنفسه أنه يستحقه وبين ما يفرضه عليه واقعه الملفق، ما جعل طاقته لا تتحمل، فيقرر أن يبتعد، بلا هدف، بلا خطة واضحة، فقط ابتعاد هو تعبير عن رفض ذلك الواقع اللاآدمي، ولكن حتى في ابتعاده تزداد مأساته، عندما يسمع ما قد أُلحِق به من اتهامات وتخوين وهويات إضافية أسقطت عليه من الجميع، فقد تحول في نظر الجميع إلى مجرم يستحق العقاب، دون أن يكون هناك جرم حقيقي ارتكبه، بل الحقيقة أن جرماً اجتماعياً وقعَ عليه بعدم وضعه في المكان الذي يستحقه وهو المُجاز في الفلسفة، حتى والدته وإخوته أسقطوا تُهمَهُم بالخيانة والهروب من تحمل المسئولية عليه.
كانت النتيجة الحتمية لذلك هي المرض النفسي، ولما كان هذا الوضع غير مستقيم، ولم يستطع حارس المرآب/ الجامعي المجاز أن يتأقلم معه، انتهى الأمر بانتحاره، بمُغادرة هذا العالم بأكمله، في نهاية مأساوية غرائبية أيضاً، فبطل القصة يشاهد أباه الميت وهو يأمره بأن يتبعه، وأن يقفز من أعلى سور المستشفى، في لحظة فانتازية لا نعرف فيها الحقيقة من الخيال، لحظة من لحظات الهلوسة، التي لا نعرف فيها هل نتعاطف مع بطل / لا بطل القصة، أم نشفق عليه، أم أن كل ذلك محاولة لإيقاظ الضمير البشري بشأن هذه الفئات الهامشية التي تعيش معاناة غير عادية دون أن تجد أي دعم لها، سواء من المجتمع، أو من الدولة. إنها رواية عن الفقر وعن الواقع غير المتراكب وغير السوي، وعن النفس البشرية في صراعها مع محاولة التأقلم على هذا الواقع المفروض عليها، وقد لا تستطيع في النهاية أن تتأقلم مع هذا الواقع، كل هذا في إطار من الفلسفة الاجتماعية التحليلية التي يستمتع بها المتلقي، دون أن يستطيع الفكاك من أسر التشويق والجاذبية المتحققين في ثنايا الرواية.
……………………………..
[1] – ليلى مهيدرة: أنجيرونا، دار غراب للنشر والتوزيع، 2021م، القاهرة.
[2] – آلان روب غرييه: نحو رواية جديدة، ترجمة: مصطفى إبراهيم، تقديم: لويس عوض، دار المعارف، د.ت، القاهرة، ص 134
[3] – شكري عزيز الماضي: أنماط الرواية العربية الجديدة، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمبر، 2008، الكويت، ص 134
[4] – محمد برادة: الرواية العربية ورهان التجديد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012، القاهرة، ص 49
[5] – عز الدين المدني: الأدب التجريبي: أسسه وغاياته، مجلة الفكر، عدد 3، 1 ديسمبر 1969، تونس، ص 26










