تفكيك المعجم اللغوي في ديوان فضائل الضغينة

محمد جلال الأزهري

تمهيد
معلوم أنْ ليس النظام اللُّغوي سوى تعليق الكَلِمِ بعضه ببعض، وهذا مما هو مشاهد معلوم في منثور كلام العرب وشِعرهم، وبذا يتجلى مدى فصاحة الجملة الشعرية الحديثة، فهي ليست مفردة، وإنَّما كلٌّ متكاملٌ، وذلك مما يحيلنا إلى معجم لغة الشاعر مؤمن سمير في ديوانه “فضائل الضغينة”.

إنَّ اللغة في “فضائل الضغينة” تنماز -على ما فيها من تقويل واستنطاق دلاليينِ- بكونها وديعةً مع الأشياء من حولها؛ فها هي عَتَمَةُ الصناديقِ التي فتحها جميعًا الشاعرُ في ديوانه قبل أنْ يشرع في صوغ معجمه من نقطة الوعي المستقر؛ تكشف عن شظية من ركام الوجود، لتغدو استنطاقًا أركيولوجيًّا تحفره قصائد الديوان بصمت شديد الصخب!

إننا أمام بنية صندوقية محكَمة، تستعيرُ من الرحم ضيقه ومن القبر سكونه، لتقدم الوجود على أنه أرشيف من العذاب المقطَّر؛ ذلك لأنَّ المكان عند مؤمن سمير زنزانة دلالية تضيق حتى تختنق الأنفاس، وتتسع حتى تحتضن سديم الأجداد، وذلك بلُغة معدنية تخلت عن سيولة الغنائية لصالح صلابة الشيء وحِدَّتِه.

جماليات الخدش
في هذا العمل تتقاطع سوداوية الإغراق الروسية التي تستبطنُ النفسَ البشريةَ ومآسيها، مع الصورية الشعرية الإنجليزية التي تقتصد في لُغتها الشعرية أيُّما اقتصادٍ، وهي التي تجرِّد كتاباتها من الهوامش والحواشي، وهنا ينصهر هذانِ عند مؤمن سمير في لُغة عربية مشدودة العصب، ترفض التورم البلاغي، وتنتصر لجماليات النتوء والخدش؛ فهو في “فضائل الضغينة” حامل مفاتيح الصناديق المُقْفَلَةِ، وحين يفتحها يواجهنا بصمت الأشياء التي لم نعد نملك حيالها سوى اعتراف الشاعر الجسور “هناك مغزى أصيل وقديم هو أنه لا مغزى لأي شيء”.

تأخذنا هذه الخشونة اللسانية إلى مفهوم الجمال القاسي، وهذا باستعمال الشاعر كلماتٍ صُممت خصيصًا لتُحدث شرخًا في جدار التلقي التقليدي؛ لأنَّ اختياره مفرداتٍ مثل الأجربان، البثور، المنشار، الفأس، النمل خُطة يمكن أنْ نسميها بـ”التنفير الجمالي” الذي يهدف إلى تقويض الرومانسية المترهلة التي صبغت قصيدة النثر طويلًا.

وحين يستعمل الشاعر مفردةَ “البثور” أو  “الأجربان” ينقل القصيدة من فضاء التجميل إلى ساحة التشريح؛ فإنَّ البثور علامة سيميائية على المرض الداخلي الذي طفح فوق السطح، وهي نتوء يعطل سلاسة الملمس.

أما “الأجربان” فهي استعادة لُغوية لثقافة النبذ، التي بها يستحيل الكائن الشِّعري إلى كائن مُعدٍ ومنبوذ؛ أي أنَّ الكلمة هنا لا تصف القبح، بل تتلبَّسه فتصبح المفردة نفسها نتوءًا في سطر القصيدة، وتُجبر عين القارئ على التوقف والارتداد، مانعةً إياه من الانزلاق في القراءة الناعمة التي اعتادت تجميلَ المأساة.

وكذلك هناك علامتا “المنشار” و”الفأس”، وهما أدوات قطع معنوي؛ فالمنشار هو  الصوت الحاد الذي يجز أقفال الصناديق، والفأس هي الرغبة في حفر طبقات الضغينة. وهما أيضًا مفردتانِ تخدشانِ وعي القارئ؛ لأنهما ترتبطانِ بالفعل العنيف؛ إذْ إنَّ الحكاية عند مؤمن سمير تُنشر بالمنشار أو تُحفر بالفأس. نعم، إنها لسانية حادة تحيل اللغة من وسيلة تواصل إلى وسيلة تفكيك صادم، وعندئذٍ تغدو القصيدة ساحة عمل، لا صالونًا أدبيًّا.

ومن ذلك الضرب اسم “النمل” الذي جاء في الديوان علامةً على العمل الدؤوب في الهدم، النمل الذي ينخر في الجثث أو يتسلل تحت الأبواب، رمز التآكل الصامت الذي صنع شعورًا بالحكة الوجودية؛ وذلك لأنَّ النمل كائن ما أصغره! خلا أنه قد اكتسب في النص بَسْطَةً في القدرة على خدش سكون الأشياء، محوِّلًا إياها إلى وهم هش.

بذلك التوجه وبتلك اللغة ذات النتوءات يخرج مؤمن سمير عن عباءة الشاعر المداوي إلى دور الشاعر الجراح، الذي لا يتردد في استعمال الأدوات الصدئة -لُغويًّا- حتى يكشف عن عمق العفن في الصناديق القديمة، وهو مما يمنح الديوان صدقه الفني، ويؤسس على نحوٍ بالغ الوضوح تلك الموجةَ الشيئيةَ التي ترى في الكلمة صورة وكائنًا حيًّا ذا مخلب.

وحينذاك تتنزل تجربة مؤمن سمير في ديوانه “فضائل الضغينة” منزلة المكاشفة التي تتجاوز ضيق القصيدة إلى رحابة الأنطولوجيا، حيث تغدو اللغة عنده مِعولًا يحفر بها في طبقات الذاكرة والوجود بعد أنْ يفتح صناديق الحكاية التي أُغلق عليها بأَقْفُلِ الصمت.

وجود له دراما

أمَّا تلك الجيلية وذلك التواصل بين الأبناء والآباء الذي رصده شاعر “فضائل الضغينة” فهما قائمانِ على أنَّ الأب كائن رملي يتلاشى مع أُولى تباشير الصبح، أو يقدمه عابثًا يلهو بعلب الثقاب، محوِّلًا كينونة الأبناء إلى أعواد قد تشتعل بين لحظة وأختها. وهذه الرؤية التفكيكية تسعى سعيًا حثيثًا -في ما أرى- إلى إعادة صَوغِ عَلاقةِ الإنسان بالأصل؛ إذْ يغدو الجدُّ صانعَ أوطادٍ في الوهم، والمدينةُ الموعودةُ لمعانًا زائفًا يخفي وراءه تِيه الصعاليك الأجرباء الذين هم في حقيقة الأمر ملح الوجود وقوامه الدرامي.

وفي خضم هذا العبث المنظم -وإنْ شئت قلت الفوضى الخلاقة- تنبثق صورة المرأة بوصفها مسرحًا تتجلى فوقه انكسارات الأب وتجليات الضغينة؛ فالمرأة في “فضائل الضغينة” ليست آلهةً ولا شيطانًا مريدًا، وإنما مادة يعاد تشكيلها وظيفيًّا حتى تناسب بؤس المشهد! أي أنَّ الشاعر يمارس عليها فعل التبديل السيميائي؛ فتارةً هي “طاولة” تُسكب عليها مخاوف العائلة وثأرها مع الأرض، وتارةً أخرى “قارب” بلا مجاديف، ويتقاذفه ملح الدموع الهاطلة من عيون الأمومة المنكسرة.

وللحقيقة -إنْ كان ثَمَّ حقيقة- فإنَّ تحويل المرأة إلى شيء في قصائد “فضائل الضغينة” لهو في جوهره احتجاج لُغوي صارم؛ ذلك لأنه لا يُشيِّئها ذلك التشيؤ المهين، وإنما يعلن صرخة تفكيكية مؤداها أنَّ العالم الذي تحكمه صناديق الضغينة قد جرَّد الكائنات من إنسانيتها، ولم يترك لها سوى الرماد والخيوط.

العامي الفصيح

وأمَّا البناء اللساني في الديوان فيتسم بثروة اشتقاقية تنهل من بئر لُغوية غير معطلة، مانحةً إياها مدلولات حداثية صادمة؛ لأنَّ الشاعر يحرك مفردات مثل “التباشير” و”النفير” و”الضغينة” لتضحى كائناتٍ ماديةً تملك أقدامًا تعدو في ردهات القصر، وأظافرَ تنقر رءوس الصيادين.

وإذْ قد عرفتَ -عزيزي القارئ- ما وصفته على عينيك منذ قليل من دلالات متفجرة في فضائل الضغينة، فالذي يليها نحتاج فيه إلى علم البلاغة؛ إذْ كيف تكون للضغينة فضائل؟! وكيف يكون للغياب صندوق؟!

إنها يا سادة بلاغة التناقض التي تفتت رتابة المعنى المستقر، لتضعنا أمام “أنا شاعرة” تعترف بجبنها وضلالها بين الورد والشوك، ما عدا أنها في الوقت ذاته تمتلك جرأة الشاعر الذي يفضح أطماع العائلات وخطايا الجيران؛ فلا يكتب مؤمن سمير شِعرًا بقدر ما يبني سردابًا لُغويًّا طويلًا، كل صندوق فيه مفتوح على المجهول، حيث يختلط فيه الأخطبوط بالفراشة، والسكين بالقبلة، في وحدة عضوية فريدة تجعل من هذا الديوان وثيقةً نقديةً وإبداعيةً تعيد تعريف “القبح الجميل” في راهننا الشِّعريِّ المعاصر.

إنَّ لغة العرب عند مؤمن سمير تعمل بجزالتِها وانتقائِها صلابةَ المفردة درعًا يقي الذات من التحلل الكامل؛ فهو يستخدم اللغة ليبني بها صناديقه، ثم يستعملها مرَّةً أخرى ليفكك هذه الصناديق من الداخل، تاركاً القارئ في مواجهة شرسة مع تباشير حياة لا تعد بشيء سوى بمزيد من الأسئلة اللافحة.

القصيدة النثرية المستقبلية

ولا يقف مؤمن سمير في ديوانه “فضائل الضغينة” عند حدود الإضافة الكمية إلى مسيرة قصيدة النثر، وإنما يكشف لنا عن انعطاف حاد يؤسس لتشيؤ الوجود من حولنا؛ فبتحويل المشاعر المجردة إلى أدواتٍ صلبة -صناديق، مسامير، خيوط، رمال- يفتح الشاعر أفقًا جديدًا يتجاوز به علائمَ القصيدة التقليدية حينما تُمسي الأشياء مركز الوجود لا الشاعر. وهذه الشيئية التي يؤسس لها مؤمن سمير توحي بأوحى إشارة إلى موجة شعرية قادمة ستتخذ من اقتصاد الصورة الشعرية وسوداوية الرؤية درعًا لمواجهة زيف الواقع وآلامه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع