سامح قاسم
يقول ألبير كامو: “أصعب ما يواجهه الإنسان أن يكتشف نفسه متأخراً”. من هنا يمكن القول أن الكتابة الروائية تصل أحياناً إلى مرحلة تتخفف فيها من الرغبة في الإحاطة بالعالم، وتتجه إلى الاقتراب من الإنسان في أكثر حالاته هدوءاً وتردداً. بعد سنوات طويلة من بناء المدن والشخصيات والتحولات الاجتماعية داخل الرواية، يصبح التفصيل الصغير أكثر أهمية من الحدث الكبير، وتصبح النظرة العابرة قادرة على كشف ما تعجز عنه الحكايات الممتدة. من هذه المساحة يكتب الروائي إبراهيم عبد المجيد نوفيلا “سامح الفؤاد”، الصادرة عن دار جداول للنشر، مقدماً نصاً يقوم على إعادة النظر في العمر والحب والمدينة والزمن الذي يترك أثره العميق على البشر.
منذ الصفحات الأولى يتضح أن إبراهيم عبد المجيد يقترب من منطقة مختلفة داخل مشروعه الروائي. الرواية تتحرك بإيقاع متأنٍّ، وتمنح اهتمامها الكامل لوجدان الشخصيات، وللتحولات الدقيقة التي تحدث في الروح قبل أن تظهر في الكلام أو السلوك. لا يسعى الكاتب إلى بناء حبكة مزدحمة، ولا إلى ملاحقة أحداث متسارعة، لكنه يتابع إنساناً يعيش سنواته المتأخرة وهو يراجع علاقته بنفسه وبالعالم من حوله.
سامح، بطل الرواية، ينتمي إلى ذلك الجيل الذي عاش طويلاً حياة مستقرة ظاهرياً؛ العمل، الكتب، الموسيقى، المقاهي القديمة، العلاقات العابرة، والاعتياد الطويل على الوحدة. رجل يعرف يومه جيداً، ويعرف الأمكنة التي يتحرك داخلها، ويظن أنه وصل إلى مرحلة لم يعد ينتظر فيها تغيراً حقيقياً. ثم تأتي ماجدة لتكشف له أن الإنسان قد يفاجأ بنفسه في أي وقت، وأن المشاعر المؤجلة تظل قادرة على العودة حتى بعد سنوات طويلة من الانشغال والتعب.
إبراهيم عبد المجيد يكتب هذه العلاقة بدرجة عالية من الحساسية والدقة. الحب في الرواية يظهر عبر تغيرات صغيرة تتسلل إلى حياة سامح بهدوء؛ انتباه مختلف للأغاني، انتظار رسالة، رغبة في اللقاء، تغير في نظرته إلى الأيام العادية التي كانت تمر من دون أثر. الكاتب يلتقط تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن تفاصيله اليومية لم تعد كما كانت، وأن شيئاً ما بداخله بدأ يتحرك من جديد.
ما يمنح الرواية قوتها أن سامح لا يأتي باعتباره بطلاً استثنائياً. فهو لا يملك يقيناً واضحاً، ولا قدرة كاملة على فهم ما يحدث له. يبدو مرتبكاً أحياناً، متردداً أحياناً أخرى، ويحاول طوال الوقت أن يوازن بين عمر مضى بهدوء وبين إحساس جديد يفرض نفسه عليه. هذا التردد يمنح الشخصية صدقها، ويجعل القارئ قريباً من حالتها الوجدانية من دون حاجة إلى شروحات طويلة.
أما ماجدة فتتحرك بحضور محسوب بعناية. فالكاتب لا يقدمها عبر تفاصيل كثيرة، ولا يحاول أن يجعلها شخصية مكتملة التفسير. تبقى دائماً محتفظة بمسافة تجعلها أقرب إلى حالة إنسانية معقدة يصعب الإمساك بها بشكل كامل. حضورها يتشكل من أثرها على سامح، ومن التغيرات التي تحدثها داخله، ومن شعوره المستمر بأنها قريبة وبعيدة في الوقت نفسه.
القاهرة تحتل مساحة واسعة داخل الرواية، لكنها تظهر هنا بعين مختلفة. إبراهيم عبد المجيد يكتب المدينة من موقع الإنسان الذي عاش تحولاتها الطويلة، ويعرف جيداً كيف يتغير المكان تدريجياً من دون أن ينتبه سكانه إلى ذلك فوراً. وسط البلد، الفجالة، الزمالك، المعادي، القصر العيني، المقاهي القديمة، الشوارع التي تحمل رائحة جيل كامل؛ كلها تمر داخل الرواية باعتبارها جزءاً من حياة الشخصيات اليومية، وجزءاً من إحساسها بالزمن أيضاً.
الأمكنة في “سامح الفؤاد” تحمل شعوراً واضحاً بتبدل الحياة. الشخصيات تتحرك داخل مدينة لم تعد تشبه صورتها القديمة تماماً. بعض الوجوه اختفى، وبعض التفاصيل فقدت معناها الأول، وحتى العلاقات الإنسانية تبدو أقل دفئاً وأكثر عزلة. إبراهيم عبد المجيد يلتقط هذه التغيرات عبر مشاهد بسيطة وحوارات قليلة، ويترك للقارئ فرصة ملاحظة التحولات بنفسه.
إذا نظرنا إلى اللغة في الرواية نجد أن إبراهيم عبد المجيد يواصل أسلوبه المعروف بالهدوء والدقة. الجمل واضحة، والإيقاع متماسك، والسرد يعتمد على تراكم التفاصيل الصغيرة التي تكشف الشخصيات ببطء. لا توجد رغبة في استعراض لغوي، ولا محاولة لفرض تأثير مباشر على القارئ. الكاتب يثق في قدرته على بناء الإحساس عبر المشهد البسيط والتفصيلة العابرة، لذلك تأتي الرواية قريبة من الحياة اليومية في إيقاعها وطريقتها في النظر إلى البشر.
كما تكشف “سامح الفؤاد” عن جانب مهم في تجربة إبراهيم عبد المجيد خلال السنوات الأخيرة؛ اهتمامه المتزايد بالإنسان الفرد، وبالأسئلة التي تظهر مع التقدم في العمر. الرواية تتابع شخصاً يكتشف أن السنوات الطويلة لا تمنح دائماً وضوحاً أكبر، وأن الإنسان قد يصل إلى مراحل متقدمة من حياته وهو ما يزال يحاول فهم نفسه ومشاعره وعلاقته بالآخرين.
وفي الوقت نفسه تمنح الرواية مساحة واضحة لفكرة الزمن، باعتباره حضوراً يومياً داخل حياة الشخصيات. العمر يظهر في طريقة التفكير، وفي الحذر الذي يرافق المشاعر، وفي الإحساس بأن الأشياء تصبح أكثر هشاشة كلما مرت السنوات. لهذا تبدو العلاقة بين سامح وماجدة مرتبطة دائماً بشعور بأن الوقت يتحرك أسرع من قدرة الإنسان على الإمساك بما يريده.
في “سامح الفؤاد” يكتب إبراهيم عبد المجيد رواية تعتمد على الصدق أكثر من اعتمادها على البناء المعقد أو الحكايات الكبرى. نص يقترب من الإنسان في لحظة مراجعة طويلة لحياته، ويتابع أثر المشاعر حين تعود في وقت لم يكن يتوقعه أحد. لذلك تبقى الرواية قريبة من القارئ بعد انتهائها، لأنها تتعامل مع ما يعيشه البشر وهم صامتون؛ التغير البطيء، الخوف من مرور الوقت، والرغبة المستمرة في العثور على معنى يمنح الأيام ثقلاً حقيقياً.











