د. محمد سمير عبد السلام
قبور زجاجية مختارات شعرية للشاعرة المصرية المبدعة د. نجاة علي، صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2019؛ وتنسج كتابة نجاة علي خطابا شعريا طليعيا، يؤسس لخصوصية سيميائية، ولغوية في مسيرة قصيدة النثر العربية؛ إذ يقوم الخطاب الشعري للذات المتكلمة على تفكيك المركز، والسخرية ما بعد الحداثية، وتداخل الفضاءات الحلمية، واليومية، والافتراضية، والفنية، وصيرورة السرد الشعري، والمراوحة التصويرية بين الذات، وتمثيلاتها الجمالية المحتملة، أو المستعادة من تاريخ الفن، أو من عوالم اللاوعي، وأخيلة اليقظة الأنثوية.
ويؤكد خطاب نجاة علي الشعري تجاوز الخطاب الأبوي، ونسقه الرمزي، والبحث عن رؤية شعرية أنثوية للآخر، ولعلامات الحياة اليومية، ولشخصيات الفن، والفكر، والتراث الثقافي، بينما تمارس نوعا من السخرية الإبداعية إزاء مدلول الذات نفسه، وقد تؤكد التناقض النيتشوي الداخلي في العلاقة بين الحضور، والغياب، والحضور الطيفي في التداعيات السيميائية للنص.
نكاد نلمح – إذا – انبعاثا أدبيا للأطياف، والشخصيات الفنية في مسافة تقع بين الواقع، والوعي، واللاوعي، وقد تعيد تمثيل الذات، أو تحاورها خارج البنى الزمكانية المحدودة؛ إذ تستعيد المتكلمة اطياف إليكترا، وأوريست، وفرويد، ولاكان، وشخصية ساعي البريد في رواية الصبر المحترق للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا في علاقته الفنية بصورة الشاعر بابلو نيرودا، وأخيلته، فضلا عن الحضور الطيفي التأويلي للكاتب، والمترجم الراحل سيد عبد الخالق في الأثر الجمالي للمقهى؛ وكأن الخطاب الشعري يؤسس لتفاعل مفتوح بين الصور، والأصوات المحتملة، والفضاءات الملتبسة بين الوجود، والغياب؛ ليفكك بنى الذات، والعالم، والزمكانية، ومركزية الوجود عبر احتمالاته، وصوره، وأطيافه التأويلية الخفية في المشهد الشعري، وصيرورة علاماته، وتحولاتها السردية الاستعارية.
يستدعي خطاب نجاة علي الشعري الأطياف – إذا – بصورة إنتاجية علاماتية، وتاويلية في آن؛ كي تكشف المتكلمة عن اتساع مدلول الوجود، وتعدديته، وعن اللقاء الإبداعي بين مجالي الفن، والواقع؛ فقد يبدو السياق الواقعي مثل خشبة المسرح، أو يستحيل المقهى إلى أثر جمالي يجمع بين التجسد، والغياب، وقد تتصارع أطياف إليكترا، وأوريست، وكليمنسترا في مستوى اللاوعي، وتذكرنا بنصوص ثلاثية أوريست لإسخيلوس، أو الذباب لسارتر، ولكن بصورة إنتاجية وتمثيلية، وخفية، تبدو في صيرورة المتكلمة، وتأويلاتها، وانطباعاتها الشعرية في الخطاب.
وقد استعاد دريدا طيف والد هملت في دراسته عن أرشيف فرويد، أو أثره؛ إذ يرى أن خطاب الباحث الياباني ييروشالمي إزاء فرويد هو خطاب – في الحقيقة – لشبح فرويد، ويشبه حث مارسيليوس لهوراشيو بأن يتحدث إلى شبح الأب.
(Read, Derria, Archive Fever, A Freudian Impression, Translated by, Eric Prenowitz, University of Chicago Press, 1998, p.39).
يكشف دريدا – إذا – عن الحضور المجازي للأطياف، وتداخلاتها المعقدة في الفضاءات الزمكانية الواسعة؛ وسنجد أن الصور الحلمية، ونتف الذاكرة، وأخيلة اليقظة ستولد أطيافا مجازية أخرى في نصوص نجاة علي؛ فصوت المتكلمة يبرز هويته التمثيلية من داخل تخييل الآخر، أو النماذج الفنية، أو الصور النيتشوية اللاواعية التي تجمع بين الموت المحتمل، والعشق؛ مثل صورة القصاب في نص القصاب، وصورة القبر في نص ضجيج الموتى.
وتشير عتبة العنوان إلى لعب المنظور الشعري في إدراك العالم؛ فالتمزق الديونيسي يختلط ببهجة اللعب الأولى في تكوين الطيف / الشبح في المنظور الذي يراقب العالم شعريا من خلف مادة زجاجية، تستنزف مركزية الصمت في بنية مشهد القبور؛ تقول نجاة علي:
“سأضيع الوقت مع الساقطين من أمثالي، سنتفرج معا على جنازات حقيقية سوف تمر، ودفن حقيقي، وأشباح تتمرغ بمتعة في التراب. ما أجملها تلك الكوميديا المثيرة مع التراب، ومع الموتى!”. ص 104.
لقد ارتكز الخطاب على فعل الفرجة، وعلى صمت الموتى المفكك الذي يستحيل – بفعل النسيج السيميائي للنص، وتداعياته – إلى بهجة، أو ولادة جديدة، ومؤجلة في آن.
تشكل الهوية التمثيلية:
تتشكل الهوية الاستعارية للذات المتكلمة – في ديوان نجاة علي – من داخل الالتباس الأصلي بين اليومي، والفني، والحياة المحتملة لشخصيات الفن التي تذكرنا بمتاحف مالرو، ومذكراته المضادة؛ فالذات تفكك مركزية حضورها الخاص بأن تحيلنا – في الخطاب – إلى شخصيات فنية تبدو ملتبسة بأخرى أيضا، وتقع بين الداخل، والخارج؛ ومن ثم تذكرنا بشخصيات مسرح جروتوفسكي الطقسي؛ حيث يتحرر الصوت روحيا، وينفتح على الآخر؛ تقول في نص إليكترا:
“هي أيضا لم تلعب/ دور الضحية كاملا/ كما طلب منها/ كانت تهرب كلما استدرجها بثقة/ للمشهد الأخير/ وتسخر منه/ كلما حدثها عن إليكترا/ قرينتها القديمة/ تلك التي منحتها وخزات غائرة في/ الرأس/ وعلمتها كيف تحيا/ بأعضاء معطلة” ص70، 71.
يولد العرض المسرحي، أو يتجدد من داخل صيرورة اليومي، وشعرية التجربة الأنثوية التي تجدد علامات الماضي في سياق زمكاني آخر؛ وتذكرنا بالمحاكاة الساخرة ما بعد الحداثية في تصور ليندا هاتشون؛ وإن كانت الذات تمارس هنا نوعا مضاعفا من السخرية؛ إذ تستعيد تمثيلات إليكترا التفسيرية الاستعارية من جهة، وتسخر من هذه الاستعادة نفسها من جهة أخرى؛ ويبدو الحضور الطقسي لشخصية إليكترا – في النص – في التباسها بآلام المتكلمة الذاتية اليومية، وبصورة الضحية التي تذكرنا بتضحية أجاممنون بابنته إيفيجينيا في ثلاثية أوريست لإسخيلوس، أو بتضحية أوريست نفسه في رؤية سارتر التنقيحية التأويلية لشخصيته في نهاية مسرحية الذباب؛ إن آلام التضحية تمتزج بحكمة تمثيلية صامتة في المشهد اليومي الفني في النص.
وعبر فعل تمثيلي مؤجل آخر تلتبس المتكلمة، والآخر بشخصيات الفن الاستعارية في نص ساعي البريد؛ وكأنها تحيل المتلقي إلى تجدد الفعل الجمالي من داخل التكوين / الذات؛ إذ تتجلى تلك الذات كعلامة فنية تفسيرية؛ وهي تحيلنا عنا إلى شخصية ساعي البريد في رواية الصبر المحترق لسكارميتا في علاقته بحضور نيرودا المستعاد في النص؛ تقول:
“كان مشغولا بأن / يعلمها/ بمهارة المحترفين طبعا/ كيف تترجم الاستعارة/ التي تقبع حولها/ في كل ركن/ كانت تخشاها/ دوما/ دون أن تعرف أنها صارت تشبه/ ببؤسها/ ماريو ساعي البريد/ وأن الجالس بجوارها/ هو نفسه/ كان استعارة لشيء لا يأتي أبدا”. ص 58، 59.
يرتكز الخطاب الشعري هنا على ثيمة التكرار الدائري للحضور الفني الاستعاري الملتبس بغياب محتمل؛ فعلامات العرض، والواقع اليومي تحيل إلى استعارات أخرى، والشخصيات تلتبس بشخصيات فنية مغايرة؛ مثل التداخل بين المتكلمة، وماريو ساعي البريد، وإحالة الآخر إلى أجواء بيكيت، وحضور شخصياته الملتبس بالغياب؛ وإن استدعاء شخصية ماريو يؤكد فعلي المحاكاة التمثيلية، والإكمال؛ فهو يعايش أجواء القصيدة، وأقرب لروح العلامة؛ ومن ثم فهو – في خطاب نجاة علي – وسيط للتحولات الممكنة للذات المتكلمة عبر إنتاجية التناص.
وتستعيد المتكلمة الحضور الشعري الآخر لكل من فرويد، ولاكان في سياق حوارها مع الآخر، واستعادة أطياف الأب، ومقاومتها في آن؛ تقول في نص ضرورة أن تعرف فرويد، ولاكان:
“انتظرته سنينا/ دون فائدة – هاربة من أشباحه/ إلى المقاهي الباردة/ في ليالي الشتاء/ وإلى البارات القديمة/ التي أجلس فيها/ مع من يشبهونني/ لنتقتسم الخيبة/ ونتبادل الخسارة”. ص 65.
تستنبت المتكلمة طيف الأب من الغياب، وتقاوم منطق الآخر الأبوي في فعل مقامرة شعري أنثوي؛ يؤكد خصوصية الهوية، بينما يستنزف مركزيتها في اللقاء بين اليومي، والجمالي على المقهى.
الأثر الجمالي للأطياف:
يراوح خطاب نجاة علي الشعري بين الفراغ العبثي المحتمل، وبهجة الأطياف، وحضورها الظاهراتي في المشهد اليومي، أو في مشهد القبور المؤجل؛ فقد انبثق الطيف التصويري للكاتب، والمترجم الراحل سيد عبد الخالق في الأثر الجمالي للمقهى، وفي مسافة بين الفضاء الواقعي الملتبس، ووعي ولاوعي المتكلمة؛ تقول في نص في انتظار مرورهم من هنا:
“.. أراه جالسا/ أمامي/ على نفس المقعد/ في ركنه المظلم/ يدخن في هدوء/ يخبئ بقايا حزنه/ في كتاب مفتوح/ بجواره”. ص 19، 20.
إنها عودة الطيف الدائرية التي تستبدل الفراغ العبثي للمقهى، وتبعثه جماليا في فضاء استعاري مواز؛ فالوجود هنا متداخل مع الفراغ المؤجل، والحضور الطيفي البهيج في فعل القراءة الممتد، والمتجاوز للزمكانية.
وتجمع المتكلمة بين كل من التجسد الصاخب للذات، وحضورها الطيفي المحتمل في المشهد؛ فشفافية تكوينها الشبحي تصل لأقصى شكل من أشكال التجسد التمثيلي الصاخب، وممارسة لفعل الكتابة ضمن صيرورة الوجود، وسرديته؛ تقول في نص قبور زجاجية:
“سأحاول إذن أن أزيح هذا الغبار المتراكم على الحوائط، وأداعب الأفاعي التي تطن بأجراسها العالية، ثم أنقش اسمي على الماء، وأزيف الأشياء؛ لتكون أكثر جمالا، وبالطبع سوف أتعالى على كل تلك البقع الحمراء التي جعلت مني كائنا دمويا”. ص 100.
تنقل الذات تجسدها السابق في حضور طيفي إبداعي آخر يمارس الكتابة خارج مركزية النص؛ إنها كتابة للوجود تتشكل في التجليات الشعرية للحضور الظاهراتي الشبحي الآخر للذات، وتفاصيل الواقع، والعلامات الكونية.
لعب الصور الحلمية:
تنسج نجاة علي – في خطابها الشعري – الصور الحلمية السوريالية في تناقضاتها النيتشوية الداخلية، وارتباطها بلعب المنظور، ونسبية إدراك الذات للواقع، والحقائق الملتبسة بعالم اللاوعي؛ تقول في نص لا تعرف كيف تخرجه من الكادر:
“لكنه يعود إليها/ ثانية/ بعينين شريرتين/ مبتسما/ ودون أية خدوش/ ليتلصص على أحلامها/ البلهاء/ لا تعرف كيف تخرجه من الكادر/ دون دماء”. ص 43.
يجسد الكادر المنظور الشعري التجريبي الأنثوي النسبي الذي يدرك الصور الحلمية للآخر من داخل الواقع؛ فالذات تقوم باستحضار الشبح، وتمنحه حضورا فيزيقيا تصويريا حلميا؛ كي تستبدله بالفراغ؛ إنه ينبع من داخل الذات بينما يفرط في آخريته كآخر حلمي بداخلها.
ويمتزج فعل التعاطف الكوني، أو العشق بالتفكك الكامن في صورة القصاب الحلمية في نص القصاب؛ تقول:
“مهنته القديمة ../ هي التي غلبته/ وجعلت يديه/ كشفرة سكين/ حين كان يضمها/ إلى صدره …” ص 86، 87.
يجسد القصاب فعلي العشق، والقتل، والتناقض بين ثيمتي التجانس، والتفكك في الصور الحلمية التفسيرية.











