محمد الكفراوي
حين يصبح الشعر أداة فنية للحديث مع الذات، ومخاطبة الآخر، ومحاولة استيعاب العالم، ووضعه في إطار حميمي، يسترد وظيفة حيوية كادت تزوي مع الوقت، مع مساعي البعض لإقحام القصيدة في متاهات لغوية وفلسفية وحتى أيدلوجية هي بريئة منها.
في ديوانه الأحدث “تجرحني بخفة وتعلو” يقدم الشاعر جمال القصاص وليمة شعرية هي ابنة التفاصيل الومية البسيطة والحميمية، يبدأ الديوان بشهادة عن الشعر هي أقرب لقصيدة منفردة تغوص بنا داخل ذلك الكهف السري الذي تخرج منه الصور والأخيلة لتصنع مشهداً إنسانيا فريداً في وميضه النفسي والروحي.
يقول الشاعر في شهادته “هكذا أحب الاختزال والضربات السريعة، أحب أن أجري ببطء، أرى الحياة في دفقها المرتجل… أيها الشعر حررني من نفسي، أطلقني في قيودك السحرية، دعني أجلس فوق ركبتيك كصرخة جمال، وُلدَت للتو”.
يقدم لنا جمال القصاص بكل بساطة ومحبة وتصالح مع الذات ومع الشعر الذي يسكنه سكن الروح للجسد، تقنياته الفنية وأساليبه ورؤيته لمنابع الكتابة ومحفزاتها وأسبابها ومحاسنها ومهالكها، وينتقل من هذه الشهادة التي تكاد تكون كاشفة باختزال فني لتجربة بانورامية في الكتابة الشعرية امتدت لأكثر من 4 عقود.
في عنوان الديوان مساحة للتأويل مفتوحة على احتمالات عدة، لا يعرف القارئ من هي التي “تجرحني” هل هي الحياة، الموسيقى، القصيدة، نسمات الهواء، ريشة العمر، وفي متن الديوان تتكرر التيمة لتشي بأكثر من معنى وصورة وإحساس. لكنها في النهاية تترك انطباعا باللعب والمداعبة المرحة أكثر مما توحي بالعنف أو الأذى.
في القصيدة الأولى بالديوان الصادر عن دار بتانة بالقاهرة، ويضم 12 قصيدة، يبدأ الشاعر بعنوان يحمل صيغة الأمر “كن لص نفسك” لينطلق في مونولوج داخلي يستعيد من خلاله ذكريات وتفاصيل الحياة التي عاشها ويتساءل عن الحصيلة التي خرج بها، وتتوالى الصور المركبة والأخيلة الجريئة في تركيبات سحرية خارجة من رحم الطبيعة والزمن مثل “الأقمار نائمة في كفك” و”ربما يخلع البحر جوربه” و”كغيمة لم تضع حملها” وصولا إلى هذا “التاريخ الذي يقضم أظفاره وهو يبيض في القفص”. وفي حالة من الحنين إلى ألعاب الطفولة يستعيد هذه الأغنية البسيطة “هنا مقص وهنا مقص… هنا عرايس بتترص”. ولكنه أيضا مع هذا الشغف بالحياة وتفاصيلها البسيطة الحميمية وألاعيب الطبيعة، يقدم لنا مشهدا ناعما في قلب الأبدية: “لدي مقبرة/ هذا كل ما أملك/ جميل أن أضع رأسي/ فوق ركبة الأبدية وأغفو/ أغمض عيني إلى الأبد”.
يراهن جمال القصاص على إحساس الشاعر بالتفاصيل البسيطة الحميمة. يقدمها ببساطة وحنو بالغ للمتلقي، كأنها وجبة مخفية في ثنايا الحياة اليومية. يفعل ذلك دون جهد أو معاظلة أو عناء يذكر، فهو مسكون بالشعر في كل تفصيلة بالحياة، حتى في تعامله مع أدوات المطبخ، وفي مشاعره الجياشة تجاه الطبق الذي انكسر فقرر أن يدفنه في الحديقة بكل حزن وأسى وامتنان، كأنه يودع صديقا غادر العالم.
وإذا كانت عناوين القصائد الاثنتي عشرة التي يضمها الديوان تحمل دلالات مفتاحية على المتن وتتحاور معه بطريقة سرية، لكنها في الوقت نفسه تكاد تمتلك استقلالية في الصورة والتخييل، مثل “شجرة تغزل الجسر” و”أعذار وهمية للحفرة” و”النائم في مشابك الغسيل” و”عن آخر قمر غرق في النهر” و”كل هذه الأحلام تحت إبطك”. فكل عنوان منها غني بالدلالات والخيال والصور الجذابة التي تعيد تشكيل العالم بعيون الشاعر.
يحمل الديوان طابعا نوستالجيا في كثير من قصائده، وفي العديد من المواضع نجد استعادة لأسماء دواوين سابقة للشاعر صاحب “من أعلى بمحاذاة الموسيقى” و”السحابة التي في المرآة” و”شمس الرخام” وغيرها من الدواوين. كأننا أمام ديوان بانورامي يكر خيط الحياة من بعيد ويستعيدها بتؤدة عبر أعمال سابقة أو مشاعر في طي النوستالجيا.
على قدر العذوبة والهدوء والكتابة الرائقة التي يضمها الديوان بصوره الخلابة وروحه المرحة الشفافة، لا يخلو الأمر من صراخ في لحظات شغف : “أيتها السعادة/ يا بئر هذا الوجود/ لماذا دائما أتخيلك درجا مقفلا/ لا مفتاح له؟”
كما تتبدى وطأة الحياة وألاعيبها في جمل شعرية قصيرة دالة: “سأظل أحيا في هذه الدائرة القذرة/ أفر من فخ إلى آخر”. وتتوالى الصور المدهشة المرتبطة بالذات وتفاصيل الحياة اليومية وعلاقة الشاعر بالعالم والوجود والعدم في آن، ليختتم الديوان بنهاية دراماتيكية: “أخيرا/ تمت السيطرة على جمال القصاص/ بهدوء لملم أعضاءه/ ودع الحافة وهو يقهقه/ اطمئنوا/ لا حرائق في البيت/ لا دخان/ الساعة نتفت شاربها/ طبقان انتحرا في الحوض/ قميصه الأخضر/ يتسكع في شرفة الجيران”.
يزعم جمال القصاص أنه “سبعيني الهوى” نسبة للجيل الشعري لذي ينتمي إليه زمنيا، لكنه في الحقيقة يقدم قصيدة عابرة للأجيال، قصيدة تشع بالوهج الخارج من صلب الخيال والمرتبط بسمات وبصمة خاصة، في تمثلات حيوية جديدة وجريئة لقصيدة النثر، التي لا تمنح نفسها لشاعر بسهولة، ولا تعطيه إلا بقدر ما تأخذ من لحمه ودمه وروحه.











