عبدالله السلايمة
هل يصنع المجتمع مثقفيه، أم أن المثقفين هم من يصنعون مجتمعاتهم؟ يبدو السؤال في ظاهره جذابًا وحاسمًا، لكنه في الحقيقة يضعنا أمام اختيار مضلل، لأن العلاقة بين الطرفين ليست خطًا مستقيمًا يسير في اتجاه واحد، بل علاقة متحركة ومعقدة، تتبدل تبعًا للزمن والظروف والتحولات الاجتماعية والسياسية.
في المجتمعات المستقرة، حيث تسود حالة من الوئام النسبي وتترسخ القيم السائدة، يميل المثقف إلى أداء دور المفسر أكثر من دور المغير. يشرح الواقع ويعيد صياغته ويمنحه لغة أوضح، لكنه نادرًا ما يسعى إلى هزّه من جذوره. في هذه الحالة يبدو المثقف امتدادًا طبيعيًا للمجتمع، يعكس ملامحه أكثر مما يتجاوزها، ويمنحها شرعية فكرية أو جمالية.
لكن الصورة تتغير عندما يدخل المجتمع في أزمة، وعند التحولات الكبرى، والانقسامات الحادة، واللحظات التي تفقد فيها الأفكار القديمة قدرتها على الإقناع. هنا تظهر الحاجة إلى أسئلة جديدة، وإلى أصوات تخرج عن المألوف. في مثل هذه اللحظات يتقدم المثقف إلى الواجهة، لا لأنه منفصل عن المجتمع أو أعلى منه، بل لأن الأحداث نفسها تدفعه إلى لعب دور مختلف. يصبح صاحب رؤية، يفتح احتمالات لم تكن مطروحة، ويقترح طرقًا أخرى للفهم والتفكير.
ولعل التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على ذلك. فغالبًا ما برز تأثير المثقفين الحقيقي في أزمنة التحول لا في أزمنة الاستقرار؛ حين ساهم المفكرون والكتّاب في إعادة تعريف مفاهيم الحرية والهوية والعدالة، أو في نقد البنى السياسية والاجتماعية السائدة. لم يكن تأثيرهم نابعًا من امتلاك سلطة مباشرة، بل من قدرتهم على إعادة تشكيل الوعي العام وطرح أسئلة لم يكن المجتمع مستعدًا دائمًا لسماعها.
غير أن المشكلة لا تكمن في تأثر المثقف بمجتمعه، فهذا أمر طبيعي لا مفر منه، بل في أن يتوقف عند هذا الحد. فحين يكتفي بالتكرار وإعادة إنتاج الأفكار السائدة، يفقد وظيفته الأساسية ويتحول إلى مجرد صدى لما هو قائم. أما حين يغامر بالسؤال والنقد، يبدأ التوتر بينه وبين المجتمع. وهذا التوتر ليس علامة خلل بقدر ما هو دليل على حيوية الحياة الفكرية نفسها؛ فالمجتمع الذي لا يُسائل يركد، والمثقف الذي لا يثير القلق يفقد معناه ودوره.
ومع ذلك، فإن النقاش لا يكتمل دون التوقف عند طبيعة التأثير ذاته. فالتأثير ليس قيمة إيجابية بالضرورة. قد يمتلك المثقف حضورًا واسعًا وقدرة كبيرة على الإقناع، لكنه يوجه هذا الحضور نحو تبرير الاستبداد، أو تغذية الانقسام، أو إعادة إنتاج الأفكار المغلقة والمتعصبة. وفي هذه الحالة لا يعود مجرد نتاج لبيئته، بل يصبح شريكًا في تعميق أزمات مجتمعه. لذلك لا يُقاس المثقف بحجم تأثيره فقط، بل بنوعية هذا التأثير واتجاهه، وبقدرته على توسيع أفق التفكير لا تضييقه.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته في هذه العلاقة. فالجمهور لا يستقبل الأفكار بصورة محايدة دائمًا، بل يختار ما ينسجم مع راحته النفسية وقناعاته المسبقة. ولهذا، كثيرًا ما تُقابل الأفكار النقدية بالرفض، لا بسبب ضعفها، بل لأنها مزعجة وتتطلب مراجعة حقيقية للذات والواقع. وهنا يتضح أن غياب المثقف المؤثر لا يعود دائمًا إلى فشله وحده، بل أحيانًا إلى بيئة لا ترغب في سماع ما يزعزع استقرارها أو يهدد يقينها.
ومع التحولات الحديثة، ازدادت الصورة تعقيدًا. فالعصر الرقمي فتح المجال أمام عدد هائل من الأصوات، وأتاح إمكانات غير مسبوقة للوصول والتأثير، لكنه في الوقت نفسه أضعف معايير العمق والتمييز. لم يعد المثقف محصورًا في الكتاب أو الجامعة أو المنبر الثقافي التقليدي، بل ظهر نمط جديد من «الحضور السريع» يمنح انتشارًا واسعًا دون أن يرافقه بالضرورة عمق فكري حقيقي. وأصبح من الممكن أن تحظى الآراء السطحية أو المثيرة بانتشار يفوق انتشار الأفكار الأكثر جدية وعمقًا.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل ما زال المثقف يؤدي الدور نفسه الذي كان يؤديه سابقًا، أم أن مفهوم “المثقف” ذاته يتعرض لإعادة تشكيل مستمرة؟ ففي الماضي، كانت محدودية مصادر المعرفة تمنح المثقف حضورًا أوضح في المجال العام، وكان صوته أقل تزاحمًا وأكثر قدرة على التأثير في تشكيل الرأي العام. أما اليوم، فقد أصبح هذا الصوت واحدًا من بين آلاف الأصوات المتنافسة في فضاء مفتوح لا يعترف كثيرًا بالتراتبية التقليدية أو بالسلطة المعرفية القديمة.
لكن هذا لا يعني انتهاء تأثير المثقف، بل إن تغيّر شروط هذا التأثير. لم يعد التأثير قائمًا على الندرة المعرفية، بل على القدرة على الإقناع وسط الضجيج. ولم يعد يكفي أن يمتلك المثقف معرفة عميقة، بل أصبح مطالبًا أيضًا بالقدرة على التواصل والوصول وتحويل أفكاره إلى قوة حية قادرة على التأثير في واقع سريع ومتقلب.
وربما تكمن إحدى أخطر التحولات المعاصرة في تراجع المسافة بين المثقف والمؤثر. ففي كثير من الأحيان أصبح الانتشار معيارًا بديلًا عن القيمة، وأصبحت القدرة على جذب الانتباه تتقدم على القدرة على إنتاج المعنى. وهذا لا يعني أن كل حضور رقمي سطحي بالضرورة، لكنه يكشف عن تحوّل في طبيعة المجال العام نفسه، حيث باتت الأفكار تُستهلك بسرعة، ويُقاس نجاحها أحيانًا بعدد المشاهدات أكثر من قدرتها على البقاء والتأثير العميق.
لهذا لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين المثقف والمجتمع بوصفها صراعًا دائمًا أو انسجامًا كاملًا، بل بوصفها حركة مستمرة بين التأثير والتأثر. أحيانًا يقود المجتمع مثقفيه ويفرض عليهم أسئلته وحدوده، وأحيانًا ينجح المثقف في دفع المجتمع إلى مراجعة نفسه وتغيير مساراته. غير أن القيمة الحقيقية تكمن في بقاء هذا التفاعل حيًا، لأن المجتمعات التي تتوقف عن إنتاج الأسئلة تدخل تدريجيًا في حالة من الجمود، كما أن المثقف الذي يفقد صلته بواقعه يتحول إلى صوت معزول مهما بلغت ثقافته.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: من يصنع من؟ بل: هل ما زال هناك من يمتلك الشجاعة ليفكر خارج المألوف، ومن يمتلك الاستعداد للإصغاء إلى هذا التفكير؟ فمجتمع بلا نقد يركد، ومثقف بلا وعي بعواقب أفكاره قد يقود إلى الفوضى بدل التغيير. وبين هذين الحدين، تتحدد حيوية المجتمع، ويتحدد أيضًا ما إذا كان المثقف ما يزال يؤدي دوره الحقيقي، أم أنه أصبح مجرد صوت آخر في ضجيج العصر.











