د. أحمد صلاح كامل: الشعر يعاني أزمة تهدد وجوده والنقاد حوَّلوا النقد إلى جداول ورسوم بيانية

حاوره: أحمد اللاوندي 

دكتور أحمد صلاح كامل؛ شاعر وناقد ومؤلف مسرحي مصري، له دوره المهم والبارز في المشهد الثقافي المصري والعربي. كان الأمين العام المساعد لمؤتمر أدباء مصر في ديسمبر (2019م)، وشارك في إعداد وتحرير معجم شعراء الوطن العربي بإشراف من مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين، أيضًا؛ له عدد من الأدعية والأغنيات والتي أنتجتها بعض القنوات الفضائية العربية. نشرت قصائده وأبحاثه ومقالاته في مختلف الدوريات الأدبية داخل مصر وخارجها، وحصل على العديد من الجوائز المهمة، وتم تناول أعماله المسرحية والدرامية بأكثر من بحث أكاديمي، ونشرت تلك الأبحاث في مؤتمرات مختلفة.

ولد عام (1970م) في مدينة إدكو بمحافظة البحيرة، وحصل على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية في جامعة الإسكندرية، والماجستير في النقد الأدبي بعنوان “منهج طه حسين في دراسته للأدب العربي” جامعة الإسكندرية، كما نال الدكتوراه في النقد الأدبي تحت عنوان “الوضع الوجودي وهشاشة الحياة وأثرهما في تشكيل القصيدة الجاهلية ومعطياتها الفنية والفكرية”؛ بنفس الجامعة.

من دواوينه: (لمن الحزن اليوم)، (من أطلق الموت يرعى في مرابعنا). وفي مجال المسرح الشعري أصدر: (حان بكاء النيل)، (للنيل ميراث حزين)، (درب الخيالة)، (غابة بلا أنياب- مسرحية شعرية للأطفال).

هل لعبت المصادفة دورًا كونك أًصبحت أديبًا وشاعرًا؟

لا أعتقد أن هناك شيئًا يمكن أن يحدث مصادفةً في هذا الكون، هناك دائمًا مرحلة إعداد وتمهيد تسبق الظهور والتحقق، وأنا طفل صغير كنت أحلم بحلم واحد يتكرر كثيرًا في نومي، وهو أنني حينما سأكبر ستنمو لي أجنحة كأجنحة الملائكة لأحلق بهما في السماء، ويصبح مسكني وبيتي هناك، وتساءلت عن معنى هذا الحلم، كنت في طفولتي وصبايا شغوفًا بكل أنواع الفنون والآداب وعاقرتها جميعًا، وعلى عتبات الشباب الأولى اكتشفت أن الشعر هو جناحاي ووسيلتي للتحليق، تأكد لي هذا في مرحلة الجامعة، عندما وجدتني أحصد كل الجوائز الشعرية التي شاركت فيها على مستوى المحافظة والإقليم الثقافي ومصر.

مَنْ مِنَ الشعراء والكتاب أسهم في تشكيل وعيك؟

الوعي بناء كبير وضخم لا تقيمه لبنة واحدة ولا عدة أحجار، وهو بناء تراكمي يعلو ويرتفع بمرور الوقت والاطلاع والتجارب، لذلك؛ حين تسألني هذا السؤال لا تتوقع مني أن أحدد لك اسمًا أو اسمين أو حتى عدة أسماء، بل كل من اطلعت على نتاجهم الشعري والأدبي سواءً قدموا لي المتعة والجمال أو لم يقدموا ساهموا في تشكيل هذا الوعي.

أنا مدين لكل شعراء العربية بدءًا من امرئ القيس حتى آخر شاعر استمعت له أو قرأت قصيدته، ويضاف لهذا؛ النتاج الشعري والأدبي المترجم، وكثير من الأعمال الأدبية المهترئة التي اطلعت عليها كان لها الفضل، لأنها منحتني القدرة على اكتشاف الخلل وتلافيه، فنحن لا نشعر بقيمة الجمال إلا حينما نعاين غيره.

حدثنا عن أهم المحطات في حياة الشاعر أحمد صلاح كامل؟

أولى هذه المحطات المهمة كانت وأنا طالب بالفرقة الثانية بالجامعة، عندما حصلت على جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة عام (1990م). جاءت هذه الجائزة كتأكيد واضح لا يقبل الشك على تفرد وتميز ما أكتبه، فمنحتني الثقة رغم حداثة سني وقتها، لأطرح أعمالي بقوة على المشهد الثقافي المصري والعربي، فنشرت لي الصفحات الأدبية والمجلات الثقافية في مصر والوطن العربي، وحصدت العديد من الجوائز الأدبية، كجائزة المجلس الأعلى للثقافة عن أفضل قصيدة شعر بمصر عام (1997م)، ثم جائزة محمد تيمور في الإبداع المسرحي العربي، ثم جائزة إحسان عبد القدوس في القصة القصيرة والرواية، ثم جائزة المجلس الأعلى للثقافة في التأليف المسرحي، ثم جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة مرة أخرى ولكنها كانت في المسرح الشعري، وقبل أن تكتمل الألفية الثانية فزت بجائزة الشارقة في التأليف المسرحي العربي، ومع بدء الألفية الثالثة حصدت جائزة أفضل ديوان شعر من الهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم شاركت بمسابقة أمير الشعراء عام (2007م) ووصلت للمراحل النهائية للمنافسة على اللقب، كما فزت في (2013م) بجائزة أفضل مسرحية شعرية على مستوى الوطن العربي، وهناك العديد من الجوائز الأخرى ولكن تبقى جائزة غسان كنفاني أهمها.

لديك عدة روايات مخطوطة لم تطبع حتى الآن. لِمَ؟

غالبية الروائيين والشعراء ليسوا أغنياء، وهم يصدرون كتبهم على نفقتهم الشخصية، ودور النشر الخاصة لا علاقة لها بالنشر، لأنها في حقيقة الأمر ما هي إلا مطبعة فقط، تطبع لك العدد الذي تستطيع دفع نفقاته من جيبك، وفي أحسن الحالات تشارك في معرض أو معرضين للكتب هنا أو هناك. يبقى توزيع الكتاب إذن مهمة عسيرة يتحملها المبدع بمفرده، ليجد نفسه في نهاية الأمر يوزع النسخ على أصدقائه ومعارفه في بقعة صغيرة من الوطن الواسع.

دعني أقول لك؛ منذ البدايات الأولى لي اتخذت قرارًا ألا أطبع إلا في دور النشر الحكومية التي تضمن لي انتشارًا واسعًا لكتابي، أو من خلال المؤسسات الثقافية الكبيرة التي فزت بجوائزها، والتي كانت تجعل من نشر العمل الفائز جزءًا من التكريم للفائز، من أجل هذا؛ فإنني أفضل أن أشارك بأعمالي الروائية أولا في مسابقات كبيرة لتأخذ حظها من الضوء والنشر، فإن لم يكن لها نصيب؛ فإنها تتحين الفرصة، لتنشر بشكل لائق بها، في إحدى هذه المؤسسات الثقافية الكبيرة.  

شعرك له تميزه وقيمته في المشهدين المصري والعربي. العوامل التي ساعدتك لكي تحقق ذلك؟

يوجد ستة عشر بحرًا من بحور الشعر، أنشئت على أوزانها مئات الملايين من القصائد، منذ العصر الجاهلي حتى الآن، وأضف إليها آلاف بل ربما ملايين القصائد من الشعر المنثور، الذي لا يلتزم بوزن أو قافية، نحن أمام كم هائل من الشعر عبر العصور الأدبية المختلفة، وجميع من كتب هذا الشعر، يفترض أنه ألمَّ بقواعد اللغة العربية في التركيب والبناء والنحو، ويفترض أنه عرف جماليات البلاغة العربية بعلومها الثلاثة، لكن كل هذا ليس مقياسًا أو معيارًا للإجادة في الشعر، كل ما ذكرته ما هو إلا أدوات وآليات أساسية لكتابته، والعبرة في تميز شاعر عن آخر، تكمن في صدقه مع نفسه وواقعه وفي رؤيته الذاتية الناضجة؛ القادرة على هضم هذه الآليات الأساسية، وتطويعها لتعبر عن مشروعه الشعري، ورؤيته الذاتية للمجتمع والعالم، فيخلق لغةً قادرة على التواصل مع المتلقي بجمالياتها ومضامينها وموسيقاها، دون أن يكرر أو يستنسخ تجربة شاعر آخر، أي يضع بصمته المميزة، وهذا ما أعتقد أنني قمت به.

أنت تعشق السفر والترحال. بأي شيء أفادك في عملية الكتابة؟

السفر والترحال؛ كان قرينًا للإبداع منذ أجدادنا الأوائل. (ودع هريرة إن الركب مرتحلُ)، ويبدو أن الأمر يتعلق بجينات وراثية تخص الإبداع والمبدعين، أما بالنسبة لي؛ فالسفر مغامرة لارتياد المجهول، والانفتاح على عوالم خفية، ومعايشة تفاصيل ما كان لي أن أدركها بالقراءة عنها، السفر والرحلة معادل موضوعي للحياة نفسها، فهي في حقيقتها رحلة قصيرة جدًّا، لا تكاد تحيط ببعض خفاياها، حتى يفاجئك الرحيل.

في السنوات الأخيرة تراجع دور المسرح كثيرًا. قرِّبنا من أسباب هذا التراجع؟

إذا كنت تقصد العروض المسرحية فمعك حق، وهذا راجع لتآكل دور المؤسسات المعنية بنشر هذا الفن، باعتباره “أبو الفنون”، لأنها اعتمدت على نصوص بعينها، وغالبيتها مترجم، أو مأخوذ من أعمال مترجمة، ولم تسع لمواكبة التطور المعاصر؛ بالبحث عن النصوص المصرية والعربية الجديدة والجيدة، وظلت تعيد ما أنتجه كتاب المسرح الأوائل، فانصرف الناس إلى المسرح التجاري، فلما انحصر دوره بسبب السماوات المفتوحة، ووسائل التواصل، وثورة الاتصالات، وبسبب أفول نجومه، أو تقاعدهم بحكم التقدم في السن، ولأسباب تخص ضعف الجدوى التجارية له؛ أصبح المسرح بجناحيه الخاص والعام يعاني أزمة حقيقية.

أما إن كنت تقصد التأليف المسرحي؛ فالأمر مختلف لأن هناك أجيالًا من كتاب المسرح لم تظهر أعمالهم للنور، ولم تعتنِ بهم المسارح الخاصة والعامة، وهناك عشرات الأدلة على ذلك؛ فكل عام تقام عشرات الجوائز في التأليف، وتتقدم لها مئات النصوص بل ربما آلاف. يا أحمد؛ المشكلة ليست في النصوص، المشكلة تكمن في وعي وذائقة المسؤولين عن المسرح.

الموسيقى حاضرة بقوة في نصوصك وكتاباتك الشعرية. متى نرى لك ديوانا في قصيدة النثر؟

أنا مؤمن بأن الشعر لا يمكن أن يغادر الموسيقى، وإلا فقد هويته وفقد بصيرته وذاته، فالشعر ولد وتربى في أحضانها، فهي روح الشعر التي تسري بين خلاياه، وتمده بالإشعاع والألق في كل تفاصيله، لأنها تعني الانسجام والتناغم، وتعني الجمال. إنني أعترض على تسمية النثر بالقصيدة، لأنه لا يتسق مع المعنى الاصطلاحي لكلمة قصيدة، فالنقاد العرب الأوائل وعلى رأسهم ابن سلام الجمحي؛ وصف امرأ القيس بأنه “أول من قصد القصيد وقيَّد الأوابد”، أي أنه قصد أن يقول الشعر مقترنًا بالموسيقى، ومن هنا؛ اشتق اصطلاح القصيدة، فلا ينبغي أن يسمَّى بها جنس أدبيٌّ آخر يخلو من الموسيقى، حتى وإن وجد به إيقاع بين كلماته. إن غالبية من يكتبون النثر الشعري ويغادرون القصيدة؛ هم في حقيقة الأمر يفرون مما لا يستطيعونه إلى ما يقدرون عليه، فكيف تسوِّي بين ما لا تستطيعه وبين ما تقدر عليه؟ تلك إذن قسمة ضيزى.

كيف تنظر إلى مستقبل الشعر أمام الانتشار الرهيب للرواية؟

الشعر يعاني أزمة عنيفة تهدد وجوده بالفعل، والسبب فيها نقاد الحداثة؛ الذين وضعوا العربة أمام الحصان، وطالبوا الشعراء العرب بالسير على نهج الحداثة الغربية، وتقليد شعرائها. حيث ربطوا بين جودة الشعر وانغماسه في تفاصيل الحياة اليومية الحسية، فكان معيار الجودة هو وصف تجربة شاذة يرفضها الذوق العام وتصطدم مع مبادئ المجتمع وتقاليده، فإن سما قليلا؛ حلق في جوٍّ هلامي من التهويمات والأوهام التي تشبه هلاوس المدمنين.

هكذا؛ انفصل الشعر عن واقعه وقضاياه العربية، وبحث لنفسه عن حداثة ليست من صنعه ولا بيئته، وإذا قرأت متابعات هؤلاء النقاد لتلك التجارب؛ أدخلوك في جو من المتاهات، لأنهم حولوا النقد إلى جداول ورسوم بيانية ولوغاريتمات، وأعتقد أنهم هم أنفسهم لا يدركونها ولا صبر لهم عليها، ففسدوا وأفسدوا الشعر والشعراء، ولهذا؛ انصرف غالبية الناس عن الشعر، لأنه لا يعبر عنهم ولا عن تطلعاتهم، ومنحوا الرواية هذه الثقة لأنها تتقاطع معهم، وهذا ما دفع دور النشر في الوقت الراهن؛ إلى الاهتمام بنشر الرواية على حساب الشعر، فلها جمهور سيذهب لشرائها.

ما الأسباب التي جعلتك تقوم بتسجيل شعرك، ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي؟

فكرت كثيرًا لأجد حلًّا لهذا المأزق الذي يعانيه الشعر، كيف أضع حدًّا لهذه القطيعة بين الشعر وبين الجمهور. أثق أنني أكتب شعرًا يعبر عن الناس، ويستطيع أن يجذبهم مرة أخرى إلى محرابه، والنشر الورقي مكلف ولا ينتشر كما أرغب، لذا؛ تعلمت برامج الميكس والمونتاج، وقررت أن أصنع لكل قصيدة فيديو معبرًا عنها وعن مضمونها، وأن ألقيها بمصاحبة موسيقى مناسبة، وبدأت أنشر هذه القصائد تحت عنوان ديواني الصوتي، وكانت النتيجة مذهلة، لقد اتصل بي أصدقاء من أرجاء الوطن العربي، ومنهم من اعترف لي أنه كان يحمل للشعر سمعة غير طيبة، وأنه بدأ يحبه من خلال متابعته لديواني الصوتي، بل إن البعض كان يتصل بي ليعرف موعد نشر القصيدة الجديدة.

حصلت على العديد من الجوائز المهمة، لكن ثمة مبدعون متميزون لم يحالفهم الحظ بالفوز بأية جائزة. برأيك لماذا؟

لنكن صرحاء، الفوز بالجوائز يخضع لاعتبارات كثيرة، منها توجه الجائزة وسياستها المعلنة وغير المعلنة، ومنها ذائقة المحكمين ونزاهتهم، والاعتبارات الأيدولوجية التي توضع كمحاذير غير معلنة، ومنها رغبة مانح الجائزة والمجاملات في بعض الجوائز، هذه الاعتبارات أصبحت ملموسة وواضحة في العقدين الأخيرين بصورة ملفته، نحن نرى ونتابع ونشاهد كيف شارك شخص في التصويت على أسماء هو من بينها للحصول على الجائزة، وكيف أن بعض الجوائز الكبيرة غيرت من شروطها؛ ليتسنى للبعض المشاركة بها والحصول عليها، أنا شخصيًّا أعرف أديبًا أو هكذا يدَّعي، هو مسؤول عن مسابقة سنوية، شارك فيها بعمل أدبي، والغريب أنه فاز، فلا داعي للعجب.

رغم تنوع إصداراتك ما بين الشعر والقصة والرواية والمسرح والنقد؛ إلا أنك غائب تمامًا عن حقل الترجمة. أين هو المسؤول عن هذا الغياب؟

لا أستطيع أن أتهم جهة أو أحدًا بهذا، لكنني لا أسعى للمطالبة بترجمة أعمالي، ولا ألح على ذلك، لأنني أحب أن يأتي الأمر عن اقتناع من الجهة والمترجم المعني بالأمر. لقد ترجمت لي بعض القصائد إلى الأسبانية والإنجليزية ونشرت في دوريات أوربية، كما ترجمت مسرحيتي الشعرية للنيل ميراث حزين إلى الهولندية، وكانت موضوعًا لرسالة ماجستير للمستشرقة البلجيكية صوفيا راف، وأشكرها لأنها هي من سعت للتواصل معي، عن طريق استعلامها عني عبر وزارة الثقافة المصرية.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع