البشير عبيد
لا يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها مجرد مهارة تقنية تُمارَس داخل حدود اللغة، أو باعتبارها قدرة على ترتيب الجمل وفق نظام نحوي متماسك، لأن هذا الفهم يُقصي جوهرها العميق الذي يتجاوز الشكل إلى البنية الوجودية نفسها للإنسان داخل اللغة. فالكتابة ليست أداة خارجية نستخدمها للتعبير عن أفكار جاهزة سلفاً، بل هي فضاء يتشكل فيه الفكر ذاته أثناء الكتابة، ويتحوّل فيه المعنى من حالة ساكنة إلى حالة قيد التشكل الدائم. ومن هنا فإن كل محاولة لتأطير الكتابة داخل تعريف تقني أو وظيفي تظل قاصرة، لأنها تُغفل بعدها التخييلي والتأويلي الذي يمنحها حياتها الحقيقية.
إن النص، في لحظة ولادته الأولى، لا يكون مجرد انعكاس لعالم سابق عليه، بل هو إعادة بناء لهذا العالم داخل اللغة، إعادة بناء لا تكتفي بنقله، بل تُعيد ترتيب علاقاته الداخلية، وتكشف ما كان مستتراً في بنيته الظاهرة. فالكتابة ليست تصويراً للعالم كما هو، بل هي كشف لما يمكن أن يكون عليه، وإعادة طرح للواقع في صيغة أكثر اتساعاً وتعقيداً. ولهذا فإن النص الحقيقي لا يُختزل في كونه إجابة، بل يظل سؤالاً مفتوحاً على الزمن، وعلى القارئ، وعلى التحولات التي تطرأ على الوعي نفسه.
التخييل بوصفه أصل الكتابة لا زينتها
التخييل ليس إضافة جمالية لاحقة تُمنح للنص بعد اكتماله، بل هو الشرط الأول الذي يجعل النص ممكناً أصلاً. فقبل أن يكون هناك قول مباشر أو معنى محدد، هناك قدرة على إعادة تشكيل الواقع في اللغة، وعلى تحريره من شكله الخام نحو شكل أكثر كثافة دلالية. النص الذي يخلو من التخييل يبقى أسير الوظيفة الإخبارية، بينما النص الذي يتأسس على التخييل يتحول إلى بنية مفتوحة على الاحتمال، لا تقول الشيء فقط، بل تقول ما يمكن أن يكون خلف الشيء.
حين يتسلل التخييل إلى النص، فإنه لا يُجمّل اللغة من الخارج، بل يُعيد بناءها من الداخل. فالكلمة لم تعد علامة ثابتة على معنى محدد، بل أصبحت مجالاً لحركة دلالية متعددة الاتجاهات. والجملة لم تعد تنتهي عند حدّها الظاهر، بل تبدأ في إنتاج ما يتجاوزها. وهكذا يتحول النص إلى فضاء لغوي غير مغلق، تتداخل فيه الطبقات، وتتحرك فيه المعاني دون أن تستقر نهائياً.
إن التخييل في عمقه هو طريقة لرؤية الواقع لا بوصفه معطى جاهزاً، بل بوصفه إمكاناً مفتوحاً على التأويل وإعادة الفهم. فالواقع نفسه ليس كتلة صلبة، بل هو بناء قابل لإعادة القراءة، والتخييل هو ما يسمح لنا برؤية هذا الطابع القابل للتحول. ولذلك فإن النص المتخيَّل لا يهرب من الواقع، بل يتوغّل فيه إلى مستويات لا تستطيع اللغة المباشرة الوصول إليها.
ومن هنا فإن الكتابة التي تُبنى على التخييل هي كتابة تُقاوم التبسيط، لأنها ترفض اختزال العالم في معنى واحد، وتصرّ على إبقاء المعنى في حالة حركة دائمة. وهذا ما يمنحها قوتها واستمراريتها، لأن النص الذي يُغلق نفسه على دلالة واحدة يفقد قدرته على الحياة، بينما النص الذي يظل مفتوحاً على الاحتمال يظل قابلاً للقراءة في كل زمن جديد.
التأويل كامتداد مفتوح لحياة النص
إذا كان التخييل هو لحظة إنتاج النص، فإن التأويل هو لحظة استمراره في الزمن، أي لحظة تحوّله من كيان مكتوب إلى كيان حيّ يتجدد مع كل قراءة جديدة. فالنص لا يكتمل عند لحظة كتابته، بل يدخل في حياة ثانية عند قراءته، حيث يُعاد إنتاجه داخل وعي القارئ، ويتحوّل من بنية لغوية ثابتة إلى تجربة فكرية متغيرة.
التأويل يقوم على فكرة مركزية مفادها أن المعنى ليس شيئاً موجوداً مسبقاً داخل النص، بل هو شيء يُنتَج عبر التفاعل بين النص والقارئ. فكل قراءة هي إعادة تشكيل للنص من زاوية مختلفة، وكل قارئ يضيف طبقة جديدة من الفهم، حتى وإن لم يكن واعياً بذلك بشكل كامل. وهكذا يصبح النص كياناً متعدد الطبقات، لا يُختزل في قراءة واحدة، بل يتسع بقدر تعدد القراءات.
القارئ، في هذا السياق، لا يقف خارج النص كمراقب محايد، بل يدخل في نسيجه الداخلي، ويشارك في إعادة إنتاجه. فالفهم ليس عملية استقبال، بل عملية بناء. وكل تأويل هو في جوهره كتابة ثانية للنص، لأنه يعيد ترتيب علاقاته الداخلية، ويعيد توزيع دلالاته وفق أفق القارئ وتجربته ومعرفته بالعالم.
ومن هنا تتضح خطورة القراءة التي تدّعي امتلاك المعنى النهائي للنص، لأنها لا تفسّره بقدر ما تُنهيه. فالنص الذي يُختزل في معنى واحد يفقد تعدديته، ويتحول إلى خطاب مغلق، بينما النص الذي يُترك مفتوحاً على التأويل يظل قادراً على الحياة، لأنه يظل قابلاً لإعادة الفهم والتفكير.
الكتابة كفضاء مفتوح بين التخييل والتأويل
إن العلاقة بين التخييل والتأويل ليست علاقة تعاقب زمني فقط، بل هي علاقة بنيوية تجعل من النص فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه لحظة الإنتاج مع لحظة القراءة. فالتخييل يفتح النص على إمكانات متعددة، بينما التأويل يعيد تفعيل هذه الإمكانات داخل كل قراءة جديدة، وبذلك يستمر النص في إنتاج ذاته عبر الزمن.
الكتابة، بهذا المعنى، ليست محاولة لتثبيت المعنى، بل هي حركة دائمة لإعادة فتحه. فهي لا تسعى إلى تقديم يقين نهائي، بل إلى إنتاج أسئلة جديدة تعيد التفكير في اللغة نفسها، وفي علاقتها بالعالم، وفي حدود قدرتها على التعبير. ومن هنا فإن النص الحقيقي ليس ذلك الذي يُفهم بسرعة، بل ذلك الذي يقاوم الفهم السريع، لأنه يدفع القارئ إلى إعادة النظر في طريقة فهمه ذاتها.
إن التمهّل في القراءة ليس ضعفاً، بل هو شرط من شروط الفهم العميق، لأنه يسمح للنص بأن يكشف طبقاته تدريجياً، وأن يتحول من سطح لغوي إلى عمق دلالي. وكلما قاوم النص الاختزال، كلما ازداد ثراءً، وكلما ازداد حضوره في الزمن.
في النهاية، يمكن القول إن الكتابة ليست فعلاً يكتمل في لحظة معينة، بل هي حركة مستمرة بين التخييل والتأويل، بين خلق المعنى وإعادة خلقه، بين ما يُقال وما يظل غير قابل للقول الكامل. وفي هذه الحركة تحديداً تكمن قوة النص، لأنه لا يغلق العالم، بل يفتحه، ولا يحدّ اللغة، بل يوسعها، ولا يثبت المعنى، بل يتركه في حالة دائمة من التشكل.
……………..
*شاعر وكاتب صحفي من تونس










