عزيزى «الأب الروحى».. أكتب لأحييك

mohammed solaiman

صبحى موسى

حين نطالع عناوين أعمال محمد سليمان “سليمان الملك”، “أعشاب صالحة للمضغ”، “تحت سماء أخرى”، “أكتب لأحييك”، “هواء قديم”، “لا أحد سيميل عليك” وغيرها، سنكتشف أنه راهن على إنتاج الدهشة من خلال إقرار ما هو واقع، وكأنه يقدم اعتذارا لقارئه قائلا له: “لست خوفو كى أبنى هرما” بحسب العنوان الذى وضعه لإحدى مختاراته الشعرية، ومن ثم يكاد ينعدم المجاز اللغوى فى شعره، وذلك على نقيض غالبية شعراء السبعينيات، حيث شغلهم اللعب باللغة وتفجيرها وإنتاج إدهاش شعرى من خلالها.

سليمان راهن على تقديم قصيدة بسيطة، كلماتها واضحة، وأسلوبها سلس، وصورها مألوفة ومعتادة. وكأنه لا يفعل سوى تقديم الواقع كما هو، لنفاجأ بعد سطور قليلة أننا صرنا أسرى هذا النص الشعرى البسيط، وكأننا نقرأ أنفسنا فيه، دون أن نبحث عن معجزة فى لغته.

يتشابه نص محمد سليمان مع نصوص شعراء قصيدة النثر، فلغته بسيطة، وإيقاعه هادئ، وتفاصيله يومية، وصوره من الواقع وليس جنون الخيال، لذا كثيرا ما يعتقد البعض أن سليمان أحد شعراء قصيدة النثر، وأنه تحول مثل غيره من المتحولين فى جيل السبعينيات إليها، حيث انتقل أكثرهم من قصيدة التفعيلة بعد ديوان أو اثنين إلى قصيدة النثر، فتخلى معظمهم عن الوزن والقافية، لكن لغته وروحه ظلتا تنتميان إلى التفعيلة، وبعضهم راهن على الإغراق الكامل فى النثرية كبديل عن الوزن والقافية، فكانت النتيجة كتابة نصوص مفرطة فى الرطانة والسرد العادى عن تفاصيل مفرطة فى الخصوصية، تفاصيل منعدمة الإدهاش أو الإثارة الشعرية، ومنخرطة فى أداء مناهض لإنتاج الشعر أو تكوينه.

***

فى ديوانه الأخير الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب “لا أحد هنا سيميل عليك”، يتابع سليمان نسج مشروعه الشعرى بصوته الفردى البسيط عن همومه ومشاغله الإنسانية، حيث نجد أنفسنا فى أغلب أعماله أمام صوت غنائى يمتزج برؤية رومانسية يهيمن عليها الحزن، لكنه فى هذا الديوان يبدو مستسلما للعزلة، والشعور بالوحدة، وربما اقتراب النهر من نهاية رحلته:

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

 وحيدا

وفارغ اليدين

 كالثوار

والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم.

فى هذا الديوان يحدثنا محمد سليمان عن تحول العالم من الحياة المفتوحة فى الشوارع والحدائق والميادين إلى الحياة السجينة أمام شاشات التلفزيون، حيث باتت البيوت تمتلئ بالشاشات، وبات الناس مرابطين أمامها، متناسين قدرتهم على الكلام، وملتزمين بمعجزة الصمت، لم يعد الناس يحكون ولا يضحكون، ولم يعد الحكاؤون فى المقاهى، فقد تم استبدالهم بالشاشات. تلك التى صارت أُمَّا وأبا وأساطير وأرضا، ومن ثم أصبح الناس محبوسين فيها. لا أحد يزور أحدا، ولا أحد يواسى أحدا، ولا أحد يمكنه أن يتحدث مع أحد، فقد أصبح الجميع منشغلا بالشاشات:

لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح بابا

 أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباء

وانزرعت فى الساحات

 وفى الحارات

وفى أيدى الأطفال

وحولك.

***

حين ندرك كم عاش محمد سليمان حياته كملك حر طليق بين أصدقائه على المقاهى وفى الشوارع، هاربا من الهواء القديم، وباحثا عن سماء أخرى، وكاتبا الشعر من أجل أن يحيِّى الآخرين، أو باحثا من خلاله عن أعشاب صالحة للمضغ، يدرك كم شَعَر بالعزلة والحصار والسجن فى فترة كورونا، وكم أصبح يمقت هذه الشاشات التى أخذت منه الناس، الذين كان دفء النقاش معهم مصدر الحياة لديه، فقد اختفت الوجوه فى الشاشات، وكُبِّلت الألسن فيها، واختفت الأرواح فى الأضواء المنبعثة منها، وبقى سليمان وحيدا يبحث عنهم، هو الذى أمضى كل حياته مع الآخرين ومن أجلهم، وحين أصابه المرض بحث عنهم فلم يجدهم، فأقرَّ بحقيقة الأمر الواقع، وأنه لا أحد هنا سيميل عليه، لا أحد سيأتى ليجلس معه، ليحكى عما فعل أو عما يحلم أن يفعله، ليس فقط لأنهم رحلوا، ولكن لأن الشاشات امتصت ما بقى من البشر، وحوَّلتهم إلى كائنات آلية بلا حس أو مشاعر.

كان سليمان أحد الساخرين القليلين الذين عرفهم الشعر الرسمى، فثمة ساخرون عظماء استوعبتهم ألوان الشعر الشعبى أو غير الرسمى كالزجل والحلمنتيشى والمربع وغيرها، لكن محمد سليمان لم يستطع أن يتخلى عن روحه الساخرة ليقول إنه يكتب الشعر المقدس، ذلك الشعر الذى لا بد من ارتداء كامل الزى الرسمى للتعامل معه، فكانت هذه الروح الساخرة تتسرَّب منه إلى النصوص، حتى فى أشد اللحظات عزلة وحزنا:

الفيروسات تعربد فى الساحات

وفى الشاشات وتجلس

خلف مكاتب وشبابيك

وفوق عروش

لتزيح زهور النور

وتغلق أفواها وعيونا

هل تتجول مثلى

بكمامات فى الأسواق

وفى الحارات وحول المقهى

لتصد وحوشا.

***

عاش محمد سليمان على هواه منذ أتى من قريته مليج التابعة لمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية كى يدرس الصيدلة بجامعة القاهرة، مستمتعا بكل ما يعمل، مربتا على روح الشاعر الذى بداخله، حيث لا يمكنه أن يلتزم بوظيفة ما، ولا أن يمارس دور النبى الذى عليه أن يرشد الآخرين، أو حتى يمارس وصاية على وعيهم، موقنا أنه شخص فرد وحيد، وعليه أن ينجو بنفسه، فهذا أقصى ما يمكن أن يحمله نبى من رسالة فى هذا الزمن الصعب، فلم يعد الشاعر نبيا ولا رائيا، لكنه إنسان بسيط يعيش فى عالم معقد وحياة صعبة، وعليه أن يهتم بنفسه أولا قبل أن يزعم القدرة على إنقاذ الآخرين، لكن سليمان ظل كائنا اجتماعيا بامتياز، لا يمكنه أن يعيش وحده، وربما كان ذلك دافعه للمشاركة فى جماعة “أصوات”، بصحبة أحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم وغيرهم، لكنهم لم يتورطوا كجماعة “إضاءة 77” فى بيانات، ولم يكن الهم السياسى لديهم واضحا، مؤكدين فى أدائهم على أنهم جماعة فنية وليست سياسية، وأن أقصى حدودهم أن يكتتبوا لينشروا أعمالهم الأولى، تلك التى تأخرت كثيرا، وربما لم تُنشَر إلا بانفراج أزمة النشر فى التسعينيات، فقد انتهى عصر الماستر، وظهرت السلاسل الأدبية فى هيئة الكتاب وقصور الثقافة، ومن ثم زاحم أبناء جيلى السبعينيات والثمانينيات جيل التسعينيات فى نشر أعمالهم فيها، ورغم فارق العمر كان فارق الأعمال المطبوعة بين الأجيال الثلاثة يكاد يتلاشى، فقد أثَّرت أزمة الطباعة والنشر فى السبعينيات والثمانينيات على الجميع، ولم يكن سليمان مشغولا بأكثر من الوجود فى محيط جماعة يحبها، وأهَّله وقوعُه عمريا بين جيلى الستينيات والسبعينيات لأن يكون صديقا لشعراء الستينيات وفى مقدمتهم صلاح عبد الصبور رئيس تحرير مجلة “الكاتب” ومراسل مجلة الآداب البيروتية، ورئيس هيئة الكتاب فيما بعد، فضلا عن حجازى وعفيفى مطر، وجميعهم كانوا أقطابا شتى، وكان الجمع بينهم من الصعب أن يحدث إلا لشاعر محب للحياة كمحمد سليمان، شاعر لا يسعى لتحقيق مصلحة أو غرض، ومن ثمَّ كان صديقا لأمل دنقل وأحمد عنتر مصطفى وكل رموز جيل السبعينيات، ولم نسمع أنه كان على خلاف مع أحد، بل ومثَّل الأب الروحى لغالبية جيلى الثمانينيات والتسعينيات، وقدم نصا إنسانيا بسيطا، غير منشغل باللغة وطواسينها كالكثيرين من أبناء جيله، ولا منشغلا بالأسئلة الفلسفية وحضورها، ولا السياسة وضجيجها، فكان نصا أقرب لقصيدة النثر، لكنه لم يتحول إليها، ورفض فكرة الكتابة على غير الوزن، رغم استخدامه إيقاعات هادئة لا يكاد يشعر بها القارئ، مراهنا على أن الشعر لا بد أن يكون موزونا، لكن ليس شرطا أن يكون ذا موسيقى تحدث جلبة تسيطر على الوعى أكثر مما تساعد على التحليق مع النص.

 

عودة إلى الملف

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع