علي جعبور*
بدا “شيحان” دائما معتدا بنفسه، قويًا، ويحرث بهمة ونشاط. إلا أنه عدواني مخيف، وفوق ذلك لم يكن أصيلًا، فقد اشتراه جدي قبل شهر واحد فقط من “جلّاب”، عابر وليس من مزارع، على عكس “سعدان” المولّد من أبقار العائلة والمنحدر من سلالة متوارثة ومعروفة بجودتها وقيمتها.
أوردناهما إلى الوادي، وكانا يلهثان بعد نهار كامل من حراثة الحقل تحت لهيب الهاجرة. رفعا رأسيهما بعد ارتواء هنيء، وظل الماء ينساب من أشداقهما لبرهة نحو الغدير العذب الزلال، منتظمًا في خيوط بلورية دقيقة ومتقطعة.
التفت جدي إلينا، وكان قد نضّ ثيابه وجلس يغتسل عاريًا في البركة الصافية: سوقاهما إلى البيت.. ماذا تنتظران هنا؟ قال، بلهجة آمرة.
تلكأنا في تنفيذ الأمر، وانشغلنا بإقامة سد صغير من رمل الوادي الأبيض الناعم، مستخدمين حذاءينا كجرافات لتصريف الغدير إلى سواقي جافة وأراضٍ ظامئة.
وفجأة شق حجر كبير الماء، ناثرًا الوحل والطحالب الخضراء بوجهينا وثوبينا المتسخان أصلًا. أعقبه صراخه الغاضب المزمجر: انهضا أيها الملعونان.. ألا تسمعان الكلام يا أولاد الحمار؟
قمنا مفزوعين. تبعتُ “سعدان”، وتبعَ ابن عمي “شيحان”. تشبثنا بطرفي ذيليهما الطويلين، فراحا يجذبانهما بضيق ويحاولان جاهدين انتزاعهما، ليطردا بهما الذباب المتطفل، ويتسليان بمروحتهما في الهواء، بينما يسيران في المسرب الأفعواني الطويل، ثورٌ لصق ثور.
كان ثمة سدرة عملاقة معمرة، يمتد فرع كبير منها مظللًا الطريق. سبقنا الثورين وتسلقنا الفرع، وحينما مرا من تحتنا قفزنا بشقاوة فوق ظهريهما.
وبينما نمتطيهما كحصانين مجهدين، أخذ شيحان يهمس لسعدان بمكر وخبث طوية:
“ألا تشعر بالمهانة من اعتلاء جرو الإنسان لظهرك؟”
كان سعدان طيبًا رحيم القلب، إلا أنه يصدق بغباء ما يقال له، خاصة عندما يصدر الكلام عن غريب كشيحان، يتوسم فيه الذكاء ومعرفة أمور غفل هو عنها.
رد عليه بهدوء تام:
“أبدًا يا صديقي.. إن وزنه لخفيف جدًا، ولا يساوي شيئًا إذا ما قارنته بمحراث نفلق به الأرض منذ الصباح الباكر.”
تساءل شيحان غاضبًا:
– لماذا تحبهم هكذا أيها الأحمق؟
– لا لشيء إلا لأنهم أطفال، وأنا أحب الأطفال كثيرًا.
– هه، كان عليك أن تحب أطفالك أنت، لا من يستعبدك آباؤهم.
– أووه، أنشدك الله يا عزيزي، لا تنكأ لي جراحي، فمن أين لي بالأطفال وأنا ثور مخصي! من أين يا ترى؟
أطرق شيحان قليلا مظهرا التعاطف والأسف:
– يا لك من مسكين.. قطعوا نسلك بالخصي وتحب أبناءهم.. أمرك غريب حقًا.
أتذكر، يا أخي سعدان، كيف كنت قبل إخصائك؟
– أجل، وكيف لا أذكر.. كنت أتمتع بجاذبية لا نظير لها. كنّ البقرات الحِسان يتنافسن على الظفر بقلبي، إلا أنني ظللت وفيًا لحبيبتي ريحانة، ولم ألتفت قط لغيرها، فأنا لست إنسانًا، لست إنسانًا كما ترى، لأعشق مائة أنثى.
آه، ذاك زمان ولّى وانقضى كل شيء.
انتشى شيحان، وأخذ يتبختر ويشمخ بقرنيه المعقوفين، وقد تأكد من براعته في التحريض، وأيقن أن كلماته تغلغلت بأعماق سعدان، فواصل القول:
– كم يقتلني الألم لأجلك يا صديقي، ولكن أؤكد لك أنهم لن يكتفوا بهذا القدر فحسب، بل سيزيدوننا إذلالًا فوق إذلال.. ومثلما لم يقصروا عملنا على جرّ المحاريث الثقيلة، وراحوا يسوقوننا عقب كل موسم حصاد إلى البيادر لنظل في دوران متواصل كعقارب الساعة، ندوس وندوس فوق سنابل الذرة حتى تتورم أظلافنا وتنهك أجسادنا، مثلما فعلوا ذلك، سوف – إن رأونا راضين بحمل أطفالهم – يحملوننا أثقالًا أكبر، وسيصنعون لنا أقتابًا كتلك التي توضع فوق ظهور الجمال، ويركبوننا دون شك.
– وما العمل لتجنب هذا المصير يا أخي العزيز؟
– اتبعني فقط، وافعل مثلما أفعل تمامًا.
وفي تلك اللحظة ركض شيحان إلى الأمام قليلًا، ثم أخذ يرفس الهواء ويدور حول نفسه، يحتك بالأشجار الشوكية وينطح الأرض مثيرا عاصفة من الغبار. وسرعان ما تخلى سعدان عن طيبته وراح يقلد صاحبه بل ويزيد على فعله، حتى سقطنا تحت أظلافهما الحادة.
كنت مستلقيا هناك بلا أمل في النجاة وقد شل الخوف حركتي، لمحت استدارة شيحان نحوي وقرنيه المدببان يهويان بسرعة ليبقرا بطني، ولم يدفع عني الموت المحقق سوى صراخ مدوٍّ انتزعني من رعبي وأعادني سالمًا إلى فراشي الوثير.
كان أبي لا يزال يرتشف الشاي بعد غداء دسم، صامتا، متأملا في الفراغ، كما لو أن شيئا لم يحدث. أما جدي فقطع تسبيحه وأشار إليّ بلهجة حادة: “كن تعوّذ من الشيطان قبل النوم يا ثور”.
…………………
*كاتب من اليمن








