كتابة وحوار: أسعد الجبوري
لم يكن السفر نحو القرن السادس عشر صعباً. هناك شاعر مهم يجب مقابلته وإجراء حوار معه لتوضيح مجريات تاريخ عاصف سبق للشاعر الإنكليزي جون ميلتون أن شارك بصنعه آنذاك. وفي اللحظة التي انطلقنا بها لزيارته في المتحف السماوي، سرعان ما تبادر إلى ذهننا أن نأخذ إليه زجاجة من الويسكي الاسكتلندي. وذلك ما حصل بالفعل، فقد حملنا معنا له صندوقاً من الخمر المعتّق، وحلقنا على متن طائر ((السوبرا)) في ذلك المجرى الموصل ما بين السماوات والأرض.
إلا أن رحلتنا لم تتم نتيجة اعتراض العنكبوت الإلكتروني، الذي سرعان ما سدّ علينا النفق، معترضاً على رحلة الذهاب إلى شاعر ما يزال قيد التحقيق في قبره على الأرض. تقدمنا بالشكر للعنكبوت، بعد أن قام بهدايتنا إلى قبر الشاعر ميلتون (9 ديسمبر 1608 – 8 نوفمبر 1674)، حيث رفع الشاهدة وأخرج لنا الشاعر حيّاً من تحت التراب. ووسط الذهول والتأمل والتدقيق بوجه الشاعر، سألنا ميلتون:
س: كيف كانت لندن في القرن السابع عشر يا جون ميلتون؟
ج/ يوم ولدتُ فيها، كانت رائحةُ ترابها مشوبة بعطر المداخن والدماء.
س: تعني أن عينيك تفتحتا على الأزمات العظمى؟
ج/ بالضبط. يمكن القول إن جون ميلتون تربّى مع المقاصل والمؤامرات وصراع الذئاب في الغابة الإنجليزية.
س: هل تقدم برأسك الوعي بالموت قبل نشوء الوعي الشعري؟
ج/ أجل. ففي تلك المرحلة، كان تشكّل الصور في خزائن الذهن ينمو ببطء شديد.
س: ولمَ كان ذلك النمو بطيئاً؟
ج/ بسبب ازدحام المخاوف من تطاير السهام فوق الرؤوس المغلّفة بالضباب.
س: ولكن ألا تظن بأن للشاعر أكثر من رأس؟
ج/ أنا مع هذا التفكير الفانتازي الجميل، إلا أنني كنت حريصاً على عدم فقدان رأس من عديد رؤوسي التي ادخرتها في تلك الأيام.
س: وبأية أشياء كنت تعبئ تلك الخزائن؟
ج/ بالسفن التي تمضي في مجرى التايمز، وبالجند والقلاع والوطاويط والكتب وتصاوير الذين نحبهم، وأولئك الذين اعتقدنا بأننا سنحبهم ذات يوم.
س: هل يحتاج الشاعر أن يكون سياسياً تحت مظلة شارل الأول أو كرومويل أو جيمس الثاني، كما حاولت الزج بنفسك في آتون مواقد البرلمانيين في الغابة الدموية التي سبق وأن حكمت بريطانيا منذ أواسط القرن السادس عشر؟
ج/ كنت مضطراً للسقوط في المجرى السياسي، يوم كان الشعر يزحف نحو حواس جسدي كالسلحفاة.
س: وهل بفعل ذلك أصبت بالعمى؟
ج/ أجل. فعندما أُحبطت جميع آمالي بالوقوف مع أوليفر كرومويل في الحرب الأهلية ضد الحكم الملكي، غاب عني نظري ولذذت بالفرار بعيداً.
س: ولكنك عدت بعد عودة الحكم الملكي، الذي أسقط عنك العقوبات بسبب وضعك الصحي. أليس ذاك ما حصل؟
ج/ أجل. ذلك ما حدث بالضبط، عندما أطبقت النكسة على كامل جسدي، لتدفع به نحو التأمل بمخلوقات النفس.
س: وماذا كان في باطنك آنذاك يا ميلتون؟
ج/ السموم فقط.
س: ولم تمت من تلك السموم؟
ج/ أنقذني الشعر فجأة، عندما تسلل إليّ وعانقني كمحارب مهزوم خرج من معارك كثيرة.
س: كيف؟ ألم يلتقِ السياسي بالشعري مثلاً؟
ج/ لم يحصل ذلك أبداً.
س: لماذا لم يحصل كما تعتقد؟
ج/ لأن السياسة مستنقعات برائحة كافرة، لا يقدر الشعر على تحمّل عفونتها الصارخة النتنة.
س: هل وضعت كل جهدك لتكتب قصيدة ((الفردوس المفقود)) تعبيراً مضاداً عن الروائح الكريهة لتلك المستنقعات السياسية؟
ج/ أجل. فالحرب الأهلية الإنكليزية قد أنزلت علينا الشياطين من السماء لتحكم البلاد وتتحكم في خلايا الداء في الأجساد دون هوادة.
س: وهي من استدعت الأم والأب آدم وحواء لمشاركة أهل الأرض الآلام؟
ج/ كان على الشعر استعادة الفردوس، وإعادة بنائه بعد حروب الخراب وتنازع الذئاب على كرسي العرش.
س: قيل: ((كان جد ميلتون كاثوليكياً حُكم عليه في 1601 بدفع غرامة قدرها ستون جنيهاً لتغيبه عن الصلوات الأنجليكانية، وحرم ابنه من الميراث لأنه تخلى عن الكنيسة الرومانية. أما جون ميلتون، الذي تبرؤوا منه وأنكروه، فقد حصل على قدر لا بأس به من المال بوصفه كاتباً عمومياً في لندن، صاحب قلم برع في كتابة أو نسخ المخطوطات والوثائق والمستندات القانونية. وأولع بالموسيقى، ونظم القصائد الغزلية القصيرة، واحتفظ في داره بكثير من الآلات الموسيقية، ومن بينها أرغن.)) ما مدى صحة ذلك؟
ج/ ذلك ما كان بالفعل. لقد ذهبت بفكرة الإصلاح الديني إلى أبعد النقاط حرجاً وتحدياً، ولم أنجُ من محاولات اغتيال لأفكاري ومعتقداتي المتحررة من البؤس اللاهوتي.
س: ربما لذلك أرسلك شقيقك جون الأكبر إلى التعلم في مدرسة ((سانت بول)) لتتعلم اللغات.
ج/ أجل، تعلمت اللاتينية والفرنسية والإيطالية واليونانية.
س: ما الذي تصنعه حرفة تعلم اللغات في نفس الشاعر؟
ج/ أن تتعلم لغات، فذلك معناه أن تسرق شعراً أكثر.
س: وهل سرقت من شعراء اللغات التي تعلمتها آنذاك؟
ج/ قمت بالتحريف والتزوير التقني للكثير من القصائد الأجنبية، عدا شعر شكسبير.
س: لمَ توقفت عند شكسبير وحده على سبيل المثال؟
ج/ لأنني استغرقت بشعره ذاهلاً، وكتبت مقطعاً من شعري على شاهدة قبره.
س: هل ما كتبه شكسبير من سونيتات كان ملائماً لسمعك، أم كان منسجماً مع كائنات نفسك بالضبط؟
ج/ ثمة استجابة للشعر، وأنا أفعل ذلك مندفعاً من خلال تورط حواسي بالمعاني، وما وراء تلك المعاني من آفاق ترسم فصول الوجود بما تمليه الرغبة فقط.
س: أكنت قارئاً جيداً؟
ج/ بالضبط، وذلك ما أفقدني البصر تماماً. كنت أشعر بأن في كل قصيدة ملاكاً لتوريط النفس بلغم من الألغام الجميلة.
س: وفي أي مكان من جسد الشعر يقيم الشياطين برأي ميلتون؟
ج/ في صالون الحلاقة.
س: أتقصد أن في جسد الشعر صالون حلاقة؟!!
ج/ بالضبط. وعادة ما تأخذ المقصات دورها الإيجابي بإزاحة الآلام عن أجساد القصائد.
س: ولمَ عليها فعل ذلك؟
ج/ كي تستريح وتحبل بمخلوقات جديدة، فتلك الآلام عثرات أمام نضوج الشهوات في النصوص.
س: عن أية شهوات تتحدث أنت يا ميلتون؟!
ج/ أنا أتحدث عن شهوات الأنفس الشعرية، التي متى ما تورم العشق بغصونها، تفيض.
س: تفيض بالمياه أم بالدمع أم بالخراب؟
ج/ نفس الشاعر وجود جامع لكل ما ذكرته أنت.
س: هل تعتقد بعيد ميلاد لكل قصيدة؟
ج/ أجل، فالشاعر شمعة الخلود الدائمة الاحتراق.
س: وما نسبة الشبه بينه وبين شعلة الأولمبياد برأيك؟
ج/ نسبة النار التي تشتعل جراء خلط الهيدروجين النقي بالهواء.
س: وهل من ذلك الاحتراق تأتي للشعر الطاقة برأيك؟
ج/ تماماً. فمن حرق الهيدروجين تتدفق المياه في عروق القصائد وأوردتها، فتكتمل دورة الأحرف في مدار اللغة.
س: هل أفادك عدم اندماجك بالعوالم الكهنوتية التحرر من أدوات اللغة الميتة على سبيل المثال؟
ج/ أجل. كانت رغبة أبي أن أسلك الطريق نحو المذهب الأنجليكاني، إلا أن تلك الطقوس الدينية لم يتم تقبلها بوجود رأس كرأسي المناوئ للتبعية.
س: هل كنت فارغاً من الإيمان يا ميلتون؟
ج/ كنت ضد العبودية واستعمالات الكنيسة لمبدأ الرقابة والعقاب وإرهاب البشر بضرورة إخضاع الأعناق لسلطة سيوف المقدسات.
س: وإذا ما تداخل الحب بالدين، ما الذي يمكن للشاعر فعله آنذاك؟
ج/ أن يمضي بمشيئة صنع الآلهة التي تخدم القلب، وتنظم ضربات القلب بنبض المحبوب ليس إلا.
س: من استغرق بك أكثر: الطبيعة أم النساء؟
ج/ أنا كنت عاشقاً ريفياً بامتياز.
س: تعني أنك كنت والطبيعة في تكوين نشاط غرامي تناغمي؟
ج/ ذلك ما حدث بالضبط. لقد كانت الريح تسوقني مع الطيور وقطعان الماعز والدجاج والبنات الجميلات نحو الحقول المفتوحة، لنغني للفجر القصائد المليئة بالنشوة والموسيقى وحمى الغرام في الغابات.
س: وهل حمى الغرام تلك ترفع حرارة الجسم في الغابات فقط؟!!
ج/ بشكل فطري نعم، ومن تلك الغابات تسوقنا الشهوات نحو السرير.
س: هل يظن ميلتون أن الجنس لغم الجسد؟
ج/ بالتأكيد، ولكنه لغم ناسف لكل ما يجعل من الحب قطعة خشب.
س: وليس للحب مباهج أخرى؟
ج/ ربما، فذلك الحب عادة ما يرافق الكلمات في بناء القصائد بعطر التفاح، ليصبح الطرفان تشكيلاً تناغمياً بلا حدود.
س: هل تعتقد بوجود براغيث في قلب المرأة العاشقة؟
ج/ لا أعتقد بذلك، لأن منشأ تلك البراغيث هو من منشأ ذكوري في كل الأحوال.
س: كم امرأة من النساء أحب ميلتون في حياته؟
ج/ لا أتذكر بالضبط، ولكن أعدادهن لا تتجاوز العينين المحفورتين على وجهي.
س: وهل كان لهن دور بإخماد الضوء في عينيك يوم تعرضت للعمى؟
ج/ لا أعتقد بذلك جدياً، فليس من ضوء أو من نار دون نساء.
س: ما الذي كان يربطك بالله يا ميلتون؟
ج/ التسامح والرحمة والحب، أي كنت متعلقاً بتلك الأبعاد الثلاثة.
س: ووجدت تلك الأبعاد الثلاثة في الكنيسة؟
ج/ أبداً. لم تكن الكنيسة الإنكليزية طريقاً إلى الله. قد تفتح الكنيسة باباً من تلك الأبواب فيما لو تم إصلاحها بإقصاء الأساقفة عن مناصبهم الهلامية، في الكنيسة التي تعاني من الفساد في طقوسها الكاثوليكية، علاوة على تسلط الأساقفة وتشبثهم بتعيين القساوسة.
س: يبدو أن اللاهوت كان يشكل خطراً على الروح الشعرية، أليس كذلك يا ميلتون؟
ج/ وعلى اللغة التي كنا نسعى لتحريرها من العبودية أيضاً.
س: عبودية اللاهوت الكنسي تعني؟
ج/ تماماً. كنا نحاول إخراج اللغة من تحت الركام اللاهوتي وإطلاقها في المدار النوراني المشع.
س: وعبوديتك لـ((ماري باول))، الزوجة التي طلبتها عذراء وتباهيت بذلك، ومن ثم هجرتها لدونية ثقافتها غير المتكافئة معك، ولم تحصل على إذن من الدولة بطلاقها، ألم تكن عبودية مثقف لمخلوقة شبه أمية؟
ج/ أجل، فقد جابه عقل القانون ظلم تلك العبودية الثقافية، الأمر الذي أعاد ماري باول إلى بيت الزوجية بقوة التشريع الكنسي.
س: وكان ذلك دافعاً للانغماس بالغناء والعزف على الأرغن؟
ج/ ليس أمام الأعمى إلا أن يفعل ذلك طرداً للظلام وتخلصاً من رائحة الكآبة في ((الفردوس المفقود)).
س: والآن، وما بعد الموت، كيف ترى الوضع؟
ج/ كان قبري تابوتاً من الطين الفخاري، كسرته وأتيت للحوار عن نفسي التي وجدتها في مرآة الوجود الكبرى.











