نهلة البباوي.. موسيقى تكتب بيان المقاومة الجمالية في زمن الانحدار

نهلة الببلاوي

محمد فرحات

في مساء السبت، الثامن عشر من أبريل 2026، شهد مسرح قاعة الحكمة بساقية الصاوي واحدة من الأمسيات الموسيقية التي يصعب اختزالها في مجرد “حفلة”. كانت أمسية تحمل في جوهرها موقفًا، أو بالأحرى بيانًا فنيًا واضحًا ضد زمن تتراجع فيه القيم الجمالية أمام سطوة الاستهلاك والضجيج.
وقفت البيانست المصرية نهلة البباوي خلف البيانو بثقة القائد، لا لتقدم عرضًا تقنيًا فحسب، بل لتخوض مواجهة هادئة مع موجة الابتذال التي اجتاحت الذائقة العامة خلال العقود الأخيرة. قادت فرقتها الموسيقية في عرض متماسك، شاركها فيه الدرامر أبرام سوري، والبيانست الصاعد كيرلس ميشيل، في تناغم يعكس فهمًا عميقًا لمعنى العمل الجماعي.
تميز البرنامج بإعادة تقديم ألحان خالدة بروح جديدة، حيث أعادت البباوي صياغة لحن “ليه يا قلبي ليه” لمحمد الموجي، و”حكايتي مع الزمان” لبليغ حمدي، في توزيعات بيانية تحمل حساسية عالية واحترامًا للأصل دون الوقوع في أسر التقليد. كما حضرت أعمال عمر خيرت مثل “قضية عم أحمد”، و”عارفة”، و”فيها حاجة حلوة”، إلى جانب “وصفولي الصبر”، في توليفة تمزج بين الحنين والتجديد.
أما كيرولس ميشيل، فقد قدم أداءً واعدًا في عزف “أهوى” لمحمد عبد الوهاب، و”منحرِمش العمر” لفريد الأطرش، كاشفًا عن موهبة صاعدة تمتلك أدواتها وتبحث عن صوتها الخاص.
ورغم هذا التوهج، كان لغياب الفنانة الشاملة بوسي البنا أثر واضح، إذ افتقدت الأمسية شيئًا من دفئها الإنساني وحضورها المسرحي المعتاد.
في سياق أوسع، بدت هذه الأمسية وكأنها تقف في مواجهة زمن اختلطت فيه الحدود بين الفن والضجيج، حيث تصدرت أنماط موسيقية سريعة الاستهلاك واجهة المشهد، مدعومة بإعلام تجاري يلهث خلف الربح. في هذا المناخ، لم تعد الفنون الرفيعة في موقع المبادرة، بل أصبحت تدافع عن وجودها، كجزر صغيرة في بحر متلاطم من التسليع.
وسط هذا الواقع، جاءت تجربة البباوي كـ”نسمة صيف” في ليلة خانقة. لكنها لم تكن نسمة عابرة، بل نتيجة سنوات من العمل والتدريب والتأسيس. البباوي ليست مجرد عازفة بارعة، بل مربّية فنية ساهمت في تشكيل جيل من العازفين، بدءًا من أطفال في سن مبكرة وصولًا إلى شباب يشقون طريقهم بثقة.
ما جرى على المسرح لم يكن عرضًا فنيًا فقط، بل نموذجًا مصغرًا لمجتمع ممكن: نظام، تناغم، احترام للأدوار، وسعي مشترك نحو إنتاج الجمال. كل عازف كان يعرف مكانه، وكل صوت كان يؤدي وظيفته دون صخب أو استعراض زائد.
يمكن قراءة هذه الأمسية أيضًا من زاوية أعمق، بوصفها تعبيرًا عن العلاقة بين الفن والمجتمع. فالفنون ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لإعادة تشكيله. حين تتراجع الفنون الرفيعة، فإن ذلك لا يعكس فقط تدهور الذوق، بل يساهم في تكريسه. والعكس صحيح: لحظة جمال صادقة قد لا تغيّر العالم، لكنها تزرع بذرة مقاومة في الوعي.
لذلك، لم تكن ليلة البيباوي ترفًا ثقافيًا، بل فعلًا من أفعال المقاومة الناعمة. مقاومة لا تصرخ، بل تعزف. لا تهاجم، بل تقترح بديلًا.
ربما ستبقى هذه الأمسية، في ذاكرة البعض، مجرد حدث عابر. لكنها، في سياق المشهد الثقافي، كانت ومضة تؤكد أن الجمال ما زال ممكنًا. ومهما اشتد حضور القبح، تظل هناك دائمًا مساحة صغيرة للعزف… مساحة تذكّرنا بأننا، ما دمنا قادرين على الإحساس، لا نزال أحياء.

محمد فرحات

61 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع