محمد فرحات
كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس، تلك التي قضيتها مع فريق الحياة للدراما أثناء عرضهم المسرحي للنص العالمي “المسيح يُصلب من جديد” على خشبة مسرح رمسيس كولدج للبنات. لم يكن الأمر مجرد عرض مسرحي تقليدي، بل تجربة إنسانية عميقة أعادت طرح أسئلة قديمة بروح معاصرة تمس وجدان كل من حضر، مؤكدة أن المسرح الحقيقي لا يزال قادرًا على إحداث أثر حقيقي في الوعي والوجدان.
قدم الفريق معالجة مصرية واعية للنص الأصلي، فنجح في “تمصير” العمل دون أن يفقده روحه العالمية. هذا النص، الذي يُعد من كلاسيكيات المسرح الإنساني، يقوم في جوهره على المشترك الإنساني، حيث تتقاطع فيه قضايا الظلم، والرحمة، والصراع بين القيم والمصالح. وقد استطاع الفريق أن ينقل هذه المعاني إلى الواقع المصري بسلاسة وصدق، مما جعل الجمهور يشعر أن الحكاية تخصه هو، وتدور في محيطه، لا في قرية بعيدة أو زمن منقطع.
وتدور الفكرة حول قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الألفي نسمة، لكنها في حقيقتها تمثل العالم بأسره، بكل آثامه وخطاياه. وفي إطار زيارة مرتقبة للملك، يسعى الوالي، الذي يجسد السلطة الجشعة، إلى تقديم عرض مسرحي عن حياة المسيح، فيعلن عن مسابقة بين أهل القرية لتجسيد الأدوار. تتوزع الشخصيات بين الناس: هذا بطرس، وذاك يهوذا، وتلك مريم الصغرى، والأخرى مريم المجدلية، بينما يُنظر إلى دور المسيح باعتباره دورًا ثانويًا، في مفارقة كاشفة لطبيعة السلطة التي تفرغ القيم من معناها.
يقع الاختيار على “رحيم”، ساقي الحانة الذي يعيش على هامش الأخلاق، يبيع الخمر المغشوشة، ويبدو بعيدًا كل البعد عن أي قداسة. لكن لقاءه مع “زينة”، فتاة الليل التي تحمل داخلها حسًا إنسانيًا خفيًا، يشكل نقطة التحول. بدافع خجلها من قراءة الكتاب المقدس، تدفعه هي، دون قصد، إلى الاقتراب منه، فيبدأ رحيم رحلة تغير تدريجية، تتعمق مع أول بروفة يؤدي فيها دور المسيح، ليتحول من مجرد ممثل إلى إنسان يتبنى القيم التي يجسدها.
ومع تطور الأحداث، لا يعود رحيم يؤدي دورًا على خشبة المسرح، بل يصبح تجسيدًا حيًا لفكرة الرحمة والمحبة والتضحية. يجتمع حوله فقراء القرية وضعفاؤها، فيمنحهم صوتًا وأملًا، وهو ما يثير خوف الوالي وباقي أصحاب المصالح، الذين يرون في هذا التحول تهديدًا مباشرًا لسلطتهم. وهنا يبلغ الصراع ذروته، حين يتحول “التمثيل” إلى واقع، ويتفق الجميع على إعادة إنتاج مشهد الصلب، لكن هذه المرة بشكل حقيقي.
تصل المسرحية إلى ذروتها بمشهد صلب رحيم وقتله، في لحظة تختلط فيها حدود الفن بالحياة، والرمز بالحقيقة. غير أن المشهد الأكثر تأثيرًا يأتي عبر منولوج “زينة”، الذي يحمل شحنة عاطفية هائلة، فتنجح من خلاله في أسر قلوب الحضور، مؤكدة موهبة تستحق التقدير ومكانة متقدمة بين ممثلي جيلها. ومع نهاية مفتوحة، يجد المشاهد نفسه أمام سؤال قاسٍ: هل كنا مجرد متفرجين، أم شركاء في الجريمة؟
على مستوى الأداء التمثيلي، قدّم فريق الحياة للدراما حالة من الصدق الفني اللافت، حيث بدا واضحًا اندماج الممثلين مع شخصياتهم إلى حد التماهي، وهو ما انعكس على قوة التعبير والانفعالات التي وصلت بسلاسة إلى الجمهور. لم يعتمد الأداء على المبالغة، بل على الإحساس الداخلي، فجاءت الشخصيات حقيقية نابضة بالحياة. أما الموسيقى، فقد لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الحالة الشعورية، متنقلة بين الهدوء والتوتر بما يخدم السياق الدرامي، دون أن تطغى على العناصر الأخرى.
وفيما يخص العناصر البصرية، جاءت المناظر المسرحية بسيطة لكنها معبرة، اعتمدت على الرمزية بدلًا من الزخرفة، مما أتاح مساحة أكبر لتأويل المتلقي وربط الأحداث بواقعه. واكتملت هذه العناصر برؤية إخراجية واعية نجحت في تحقيق التوازن بين كل مكونات العرض، محافظة على إيقاعه وتماسكه من البداية حتى النهاية، لتخرج التجربة في صورة متكاملة تحمل رسالة واضحة وعميقة.
ورغم تزامن العرض مع جمعة الآلام، إلا أنه لم يكن عرضًا دينيًا موجهًا لفئة بعينها، بل جاء كرسالة إنسانية شاملة لكل المصريين. رسالة تؤكد أن قيم المحبة، والتسامح، والسلام، ليست حكرًا على دين أو زمن، بل هي ضرورة إنسانية دائمة. وكأن العرض يهمس في آذاننا جميعًا: إن هذه الأرض، تحت هذه السماء، تتسع للجميع، لكن السؤال الأهم يظل معلقًا، هل نتعلم من الحكاية، أم سنعيدها مرة أخرى؟
في النهاية، يمكن القول إن “المسيح يُصلب من جديد” في نسخته التي قدمها فريق الحياة للدراما للسنة التاسعة، لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل تجربة إنسانية مكتملة الأركان، تضع الجمهور أمام مرآة نفسه، وتدعوه لمراجعة أدواره في هذا العالم. فلكل زمن “مسيحه” الذي قد يُصلب، لا لأنه ضعيف، بل لأن الآخرين لم يتغيروا بعد.
















