آمال صبحي
حين استفاق من التخدير، تجمّعوا حوله كأنهم ينتظرون معجزة أو جريمة مكتملة. يحدّقون في وجهه، في ما تبقّى منه، محاولين التنبؤ بلحظة الفزع المرتقبة؛ حين يكتشف أن يده اختفت، بُترت، تبخّرت من جسده كما يتبخّر الشغف من زواج بائس.
في الزاوية، جلستْ لبنى. لا أحد لاحظ غيابها، كما لم يلاحظ أحدٌ يومًا وجودها الكامل. كانت دائمًا “صاحبة الظل القصير”، ذاك الذي لا يحتاج أعمدة الإنارة كي يستقيم. انزوت في ركن معتم، يُعيد للهواء شكله.
شمّت عبق المستشفى، ذاك العطر الغامض: كحول، ويود، ومطهّرات، ودم، وأزهار طبيعية. اكتشفت أن للظلمة رائحة، وأن الضوء – ذلك الملعون الجميل – يُعكّر صفوها.
فتح عينيه على العالم، كمن عاد من حلمٍ غير مكتمل. تحرّكت جفونه، فارتجف من حوله كما ترتجف شجرة حين يصيبها أول برق في الخريف. أما هي، فقد حافظت على خفقات قلبها ثابتة. الدقة… الدقة أهم من الحب في لحظات الانهيار.
لم يبحث عنها. لم يلاحظ غيابها. لم ينظر إلى الفراغ الذي كان يُفترض أن تشغله. لم يصرخ حين رأى أن يده ليست هناك.
قال: “ماء.” ولم يقل اسمها.
سعل، كاد يختنق. قالوا: “الحمد لله على السلامة.”
ابتسم، تلك الابتسامة الرمادية التي تصلح لكل شيء ولا تقول شيئًا. لم يلاحظ غيابها.
كتمت أصواتهم بكبسة قرف. وتساءلت: بِمَ تشعر يده الآن؟ لا بد أنها خائفة، وحيدة، ومخوَّنة.
ركضت، وصلت إلى غرفة الأعضاء المبتورة. سألت عن اليد، كأنها تسأل عن صديق سجين.
قال لها الطبيب، ببرود المهنة:
“مكانها الطبيعي؟ القمامة… أو، إن كنتِ رومانسية، فلتدفنيها.”
لم تسمعه، كانت تحمل حقيبة كبيرة وذريعة أكبر. ناولها كيس النايلون الأزرق، ضمّت اليد، فجرحها البرد.
في الشارع، مشت واليد في حضنها، فكّرت: نعم، الطبيب مُحقّ. لا يجوز وضع اليد في ثلاجة المنزل بين البيتزا، وحلقات البصل، والبسطرمة.
وفي اليوم التالي، اشترت لها ثلاجة خاصة، فاخرة، ووضعتها قرب سريرها. لكن التفاوض على مكانها لم يكن سهلاً.
بعد شجارات طويلة، اتفقتَا على التناوب على الركن الشرقي المشمس. اليد لا تحب الحرارة، كانت تتذمر كما تتذمر العجائز من صوت التلفاز.
مرّت الآماد…
أحاطت اليد خصرها ورقصتا بفرح على مرّ المناسبات. عانقتها في وحدتها، وآستها في فشلها، تحمّلت مزاجيتها المُفرطة. شاهدتا الأفلام سويًّا، وضحكتا على النكات البذيئة التي تسرّبت إليهما من نافذة الجارة (المعلمة) التي تُعدّ الأطفال ليكونوا رجالاً في النهار، وتُعلّم الرجال كيف يعودون أطفالاً ليلاً. أطفأت معها شموع أعياد ميلادها، عانقتها في لياليها الكئيبة، واستفاقت على لمساتها في صباحات باهتة. وأخيرًا، استغنت عن حبيبها المعطوب في سبيل اليد الباردة السليمة. ثم جمعت أيادٍ وأرجل وأعين وأصابع كثيرة، وأنشأت لهم بيتاً. أثّثته بثلاجات.
كل عضو يسكن في ثلاجة أنيقة، لها اسمه، وحكايته، ومصباحه الليلي. تستمع إلى سمرهم كل ليلة بانتباه هادئ:
”لقد كان لي جسدٌ رياضيّ يحسدني عليه كل شبّان المدينة،” تقول ذراع لاعب كاراتيه.
“أما أنا فقد كنت جزءًا من جسد مترهّل تنبعث منه رائحة العرق والكسل، قبل أن تحرّرني شفرات ماكينة الكبّة من كل ذلك القرف،” تقول إصبع وسطى.
“كنت أسكن وجهًا حنطيًّا منمّشًا نال سخرية الجميع،” تقول عين عسلية.
“كنت أحمل ثقل رجل يزن كرشه وحده وزن رجل آخر.”
وتقهقه الأعضاء على نكتة القدم اليسرى لسائق شاحنة منسي، وتبتسم هي سعيدة بعائلتها..
تعلم الآن: كل الدفء الذي تمنّته، صار محفوظًا في ثلاجات.














